التفاسير

< >
عرض

وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
٢٨
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
٢٩
فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ
٣٠
-الأعراف

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً}.
قال ابن عباس - رضي الله عنه -: كل معصية فاحشة، والفاحشة: كل ما عظم فيه النهي، فإذا ارتكبوا ذلك فهو فاحشة.
وقال مجاهد: فاحشتهم أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة.
وقال غيره من أهل التأويل: الفاحشة هو ما حرموا من الحرث والأنعام والبنات، وغيره من نحو السائبة والحامي وغيره، لكن الفاحشة ما ذكرنا: أن كل ما عظم النهي فيه والزجر فهو فاحشة، والفاحشة هو ما عظم من الأمر، يعرف ذلك بوجهين:
أحدهما: يعظم ذلك في العقل، والثاني: بالسمع يرد فيه.
وقوله - عز وجل -: {وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا}.
ادعوا في ذلك أمر الله ورضاه به، ويقولون: لو لم يرض بذلك ولم يأمر، لكان ينكلهم وينتقم منهم، يعنون آباءهم، فاستدلوا بتركهم وما فعلوا على أن الله قد كان رضي بذلك، وأمرهم أن يفعلوا ذلك؛ فدل تركه إياهم على ذلك على أنه قد أمرهم بذلك، ورضي عنهم؛ كمن يخالف في الشاهد ملكاً من الملوك في أمره ونهيه، فإنه ينكله على ذلك وينتقم منه؛ إذا كان قادراً على ذلك، فإذا لم يفعل ذلك به دل ذلك منه على الرضا به؛ فعلى ذلك الله: لما لم ينتقم منهم ولم ينكلهم، دل ذلك على الرضا والأمر به.
والثاني: كأنهم أخذوا ذلك من المسلمين لما سمعوا من المسلمين قالوا: "ما شاء الله كان" ظنوا أن ما كان من آبائهم كان بأمر من الله ورضاه، لم يفصلوا بين المشيئة والأمر: المشيئة والإرادة [هي] صفة فعل كل فاعل يفعله على الاختيار، نحو أن يقال: شاء فعل كذا، أو أراد أمر كذا، ولا يجوز أن يقال: أمر نفسه بكذا، أو نهى نفسه عن كذا.
وأما قولهم: إن لم ينكل آباءهم، ولم ينتقم منهم بما فعلوا، دل أنه رضي بذلك، فيقال: إن فيهم من فعل على خلاف فعلهم وغير صنيعهم ضد ما فعل أولئك، ثم لم يفعل بهم ذلك، فهل دلّ ذلك على الرضا منه بذلك؛ فإن قلتم: بلى [فقد] رضي بفعلين متضادين.
وإن قلتم: لا فكيف دلّ ذلك في أولئك على الرضا والأمر، ولم يدل فيمن فعلوا بخلاف فعلهم؛ فهذا تناقض؟! وقد ذكرناه فيما تقدم، والله أعلم.
قوله - عز وجل -: {قُلْ} لهم يا محمد.
{إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.
إن الله أمر بهذا وحرم هذا، وقوله - عز وجل -: {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ} [الفحشاء]: هو ما ذكرنا ما عظم النهي فيه، أو كل ما يشتد فيه النهي ويغلظ أو يكثر هو الفحشاء.
ألا ترى أنه يقال لكل شيء يكثر: فحش، من نحو الكلام وغيره أنه إذا خرج عن حدّه وجاوزه يقال: فحش؛ فعلى ذلك الفحشاء - هاهنا - هو ما جاوز حده في القبح، أو جاوز الحد من الكثرة، وهم قد أكثروا الافتراء على الله تعالى.
وقوله - عز وجل -: {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.
قال بعضهم: بل تقولون على الله ما لا تعلمون: إنه أمر بذلك.
وقيل: قوله: {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ} أي: تعلمون أنكم تقولون على الله ما لا تعلمون؛ لأنهم لم يكونوا يؤمنون بالرسل، ولا كان لهم كتاب، فكيف تعلمون أن الله أمركم بذلك، وهو كقوله:
{ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ } [يونس: 18] لا يجوز ألا يعلم الله، ولكن على النفي لذلك، ليس كما تقولون وتنبئون، ولكن يعلم خلاف ذلك وضده، ويكون في نفي ذلك إثبات غيره؛ فعلى ذلك يعلمون أنهم يقولون على الله ما لا يعلمون.
وأسباب العلم بهذا: إما الرسل يخبرون عن الله ذلك، وإما الكتاب يجدونه فيه مكتوباً، فيعلمون فتتسع الشهادة بذلك، وهم قوم لا يصدقون الرسل، ولا يؤمنون بخبرهم، وليس لهم كتاب - أيضاً - يقرءونه، فما بقي إلا وحي الشيطان إليهم؛ كقوله:
{ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ } [الأنعام: 121].
وقوله - عز وجل -: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ}.
والقسط: هو العدل في كل شيء: في القول والفعل وغيره، كقوله:
{ وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ } [الأنعام: 152]، وكقوله - تعالى -: { كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ } [النساء: 135]، وأصل العدل: هو محافظة الشيء على الحد الذي جعل له، ووضعه موضعه.
وقوله - عز وجل -: {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}.
اختلف فيه؛ قيل: {أَقِيمُواْ}، أي: سووا وجوهكم نحو الكعبة، {عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}، أي: في كل مكان تكونون فيه، وهو كقوله:
{ وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } [يونس: 87] أي: اجعلوا بيوتكم نحو الكعبة؛ كقوله - تعالى -: { وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ } [البقرة: 144].
وقيل: {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ}، أي: اجعلوا عبادتكم لله، ولا تشركوا فيها غيره؛ كقوله: {وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}، ويشبه أن يكون الوجه كناية وعبارة عن الأنفس؛ كأنه قال: أقيموا أنفسكم لله، لا تشركوا فيها لأحد شركاً كقوله:
{ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ } [لقمان: 22] أي بجعل نفسه لله سالماً.
وقوله - عز وجل -: {وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}.
يحتمل الدعاء نفسه، أي: ادعوه ربّاً خالقاً ورحماناً، {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}: بالوحدانية والألوهية والربوبية.
ويحتمل قوله: {وَٱدْعُوهُ}، أي: اعبدوه مخلصين له العبادة، ولا تشركوا غيره فيها.
ويحتمل: أي: دينوا بدينه الذي دعاكم إلى ذلك وأمركم به.
وقوله - عز وجل -: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}.
قال قائلون: هو صلة قوله:
{ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ } [الأعراف: 25]؛ كأنهم سألوا مما يعودون إذا بعثوا، فقال: {كَمَا بَدَأَكُمْ}: خلقكم، {تَعُودُونَ} مثله.
ويحتمل أن يكون هو صلة قوله:
{ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ } [التغابن: 2]، يعودون كما كانوا في البداءة: الكافر كافراً، والمؤمن مؤمناً.
وقوله - عز وجل -: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}: هو من الدائمة، ليس من الابتداء؛ لأنه لا يجوز أن يقال لصبي: كافر أو مؤمن، وهو الدوام والمقام فيه إلى وقت الموت، وهو في [الدنيا] البداءة، وفي الآخرة الإعادة، وهو كقوله:
{ وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } [الروم: 27]، وقوله: {يَبْدَؤُاْ} ليس يريد ابتداء نشوئه؛ ولكن كونه في الدنيا؛ فعلى ذلك قوله: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ...} الآية، يخرج على وجهين:
أحدهما: أي: كما كنتم في الدنيا تعودون في الآخرة كذلك: المؤمن مؤمن والكافر على كفره.
والثاني: كما أنشأكم في الدنيا لا من شيء؛ فعلى ذلك يبعثكم كذلك، لا يعجزه شيء.
وقوله - عز وجل -: {فَرِيقاً هَدَىٰ}.
بما هداهم الله بفضله.
{وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ}.
بما اختاروا من فعل الضلال؛ فأضلهم الله؛ كقوله:
{ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ } [الرعد: 27]، وقوله: { مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ } [الأعراف: 186].
وقوله - عز وجل -: {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ}.
فيه [دلالة] لزوم الحجة والدليل في حال الحسبان والظن إذا كان بحث الإدراك والوصول إليه؛ لأنه قال:
{ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ } [الزخرف: 37] فيه أنهم عند أنفسهم مهتدون، ولم يكونوا، ثم عوقبوا على ذلك؛ دل أن الدليل والحجة قد يلزم، وإن لم يعرف بعد أن [كيف] يكون سبيل الوصول إلى ذلك، وهذا يرد قول من يقول بأن فرائض الله لا تلزم إلا بعد العلم بها والمعرفة.