التفاسير

< >
عرض

قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً
٥
فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً
٦
وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً
٧
ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً
٨
ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً
٩
فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً
١٠
يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً
١١
وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً
١٢
مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً
١٣
وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً
١٤
أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً
١٥
وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجاً
١٦
وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً
١٧
ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً
١٨
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً
١٩
لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً
٢٠
-نوح

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً}.
يحتمل أن يكون هذا من نوح - عليه السلام - بعد أن أخبر
{ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ } [هود: 36]، فيكون القول منه قول معتذر: أنه لم يقصر في دعوة قومه إلى الإسلام، وأنه قد دعاهم إلى الإسلام في كل وقت وحال، وأنه قد أبلى عذره في ذلك، وإنما جاء التفريط والتعدي من جهة قومه.
ويحتمل أن يكون هذا منه على الإشفاق والرحمة والتعرض؛ لاستنزال اللين والرحمة، لعل الله تعالى بلطفه يلين قلوبهم فينقادوا للحق، ويرغبوا في الإجابة؛ ليتخلصوا من العذاب ويستوجبوا المغفرة من ربهم، فهو يخرج على أحد هذين الوجهين: إن كان قبل الإخبار، فهو على التعرض منه؛ لاستنزال اللين والرحمة، وإن كان بعده فهو على إبلاء العذر، لا على الدعاء والرجاء بأن يلين قلوبهم بلطفه فينقادوا للحق؛ إذ لا يجوز أن يخبر الله تعالى أنهم لا يؤمنون، وهو يطمع منهم أن يؤمنوا.
ثم قوله: {إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً}، أي: دعوت في كل وقت وكل ساعة من الليل والنهار أمكنني فيه الدعاء.
وقوله - عز وجل -: {فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً}.
وأصل هذا أن عداوتهم كانت قد اشتدت لنوح عليه السلام، وكانوا قد استثقلوه وأبغضوا كلامه، فحدث لهم ببغضهم كلامه واستثقالهم إياه معنى حملهم على الفرار؛ فنسب ذلك إلى الدعاء؛ لأن حدوث ذلك المعنى كان عند وجود الدعاء؛ فنسب إلى الدعاء على معنى المجاورة والقرب، لا أن يكون الدعاء في الحقيقة سببا لزيادة الفرار؛ وهو كقوله تعالى:
{ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ } [التوبة: 125]، والقرآن لم يجعل سببا لزيادة الرجس، ولكنهم لما أحدثوا بغضا عندما تلى عليهم القرآن، فحدث لهم بذلك معنى حملهم على ذلك الوجه، فأضيفت تلك الزيادة إلى القرآن؛ إذ عند ذلك حدث ذلك السبب الزائد في الرجس، فنسب إليه على معنى المجاورة، وقال الله تعالى: { فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي } [المؤمنون: 110] وهم لم يكونوا مسنيين، بل كانوا مذكرين يذكرونهم مرة بعد مرة، لكن بغضهم إياهم واتخاذهم سخريا أوقع لهم النسيان، فنسب إليهم الإنساء، فعلى ذلك لما أبغضوه واستثقلوا كلامه ودعاءه، أحدث لهم ذلك البغض زيادة نفار وجحود، ثم نسب النفار إلى الدعاء [على] الوجه الذي ذكرنا لا أن يكون الدعاء في الحقيقة منفر.
وقوله - عز وجل -: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ}، وقال في موضع آخر:
{ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ... } إلى قوله: { فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَٰهِهِمْ } [إبراهيم: 9]، فيجوز أن تكون هذه الآية فيما يدعون رؤساءهم وأشرافهم والأجلة منهم، فإذا دعاهم ردوا أيديهم في [أفواه الأنبياء] عليهم السلام، وضربوهم على ما ذكر في الأخبار، وأما الأتباع منهم، والمقلدون لهم، كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم ويغطون وجوههم ورءوسهم؛ كي لا يسمعوا كلامه فيقع شيء منه في قلوبهم؛ لما حذرهم رؤساؤهم عن ذلك.
أو يكون هذا في طائفة منهم، وهذا في طائفة إذا كان أيس من قوم، وأقبل على آخرين، فاختلفت معاملتهم معه على ما كان من أمر نبينا [محمد صلى الله عليه وسلم].
ثم هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: على التحقيق على ما ذكرنا؛ ليؤيسه من الإجابة.
والثاني: جائز أن يكون على التمثيل، فضرب مثلهم في تركهم الإجابة مثل من جعل أصبعه في أذنه واستغشى ثيابه؛ لئلا يسمع ولا يجيب؛ وهو كقوله - عز وجل -:
{ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ } [آل عمران: 187]، ولم يوجد منهم نبذ، ولكنهم أعرضوا عنه إعراض من ينبذه وراء ظهره، وكذلك في قوله - عز وجل -: { فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَٰهِهِمْ } [إبراهيم: 9] على التمثيل، وهو أنهم تركوا الإجابة إلى ما دعوا إليه كترك الإجابة من الذي يرد يده في فيه؛ لئلا يتكلم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ}، أي: داموا على ما هم عليه وثبتوا على كفرهم.
وقال قتادة: {وَأَصَرُّواْ}، أي: صاحوا في وجوه الأنبياء - عليه السلام - ردا عليهم، أو مغالبة في الدعاء؛ كقوله:
{ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } [فصلت: 26].
وقوله - عز وجل -: {وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً}، أي: استكبروا عن طاعة الله تعالى، وامتنعوا عن الإجابة لرسوله عليه السلام.
وقوله - عز وجل -: {ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّيۤ أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً}، ففي هذا إخبار أنه دعاهم إلى عبادة الله تعالى في كل وقت تهيأ له من ليل أو نهار، ولم يقصر فيها، ودعاهم في كل وقت؛ رجاء الإجابة منهم.
ويحتمل {إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً}، أي: إذا بعدوا مني، وازدحموا وكثروا؛ فدعاهم جهارا؛ لتعمهم الدعوة.
وقوله - عز وجل -: {وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً} إذا قربوا منه وقلوا، فلما أدخلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم أعلن في الدعاء.
ثم جائز أن يكون الجهر والإسرار منصرفا إلى الدعوة، ويكون الإعلان إعلانا بالحجج وإظهارا للبينات، وإلى هذا يذهب أبو بكر الأصم.
وقوله - عز وجل -: {فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً}، فالاستغفار طلب المغفرة بما ذكر من قوله عز وجل:
{ ٱعبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ } [نوح: 3]؛ فيكون هذا منه أمرا لهم بإتيان الإيمان الذي هو سبب المغفرة، لا أمراً بسؤال المغفرة نفسه من الله تعالى؛ إذ استغفار كل قوم يرجع إلى أحوالهم، فإذا كانوا كفرة، فهو إيمان بالله تعالى، وإن كانوا [أصحاب ذنوب]، فالتوبة إلى الله تعالى، وإن كانوا مخلصين فما سلف من ذنوبهم مما يعلمونها، ونحو ذلك.
وقوله - عز وجل -: {يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً}، فيحتمل أنما قال هذا لهم؛ لأنهم كانوا في شدة عيش وضيق حال فوعد أنهم إن انتهوا عن الكفر، وأجابوا إلى ما يدعوهم إليه، غفر [الله لهم] ذنوبهم، وأرسل السماء عليهم مدرارا؛ فيتوسعوا به، على ما قال [به] بعض أهل التأويل: إن الله تعالى [قد] حبس عنهم المطر، وعقمت أرحام نسائهم، وهلكت مواشيهم وجناتهم لتمام أربعين سنة، ثم أهلكوا بعد ذلك، وكانوا كلهم كفارا، ليس فيهم صغير؛ فلذلك كان نوح - عليه السلام - يعدهم بما ذكرنا، والله أعلم.
ويحتمل أن يكونوا خافوا انقطاع النعمة عنهم بالإجابة وزوال السعة عنهم [بالإسلام] ومن الناس من يترك الإيمان خشية هذا، فأخبر - عز وجل - أن الذي هم فيه من رغد العيش لا ينقطع عنهم بالإسلام، بل يرسل [عليهم المطر] من السماء مدرارا متتابعا، ويمددهم بأموال وبنين مع ما يجعل لهم من الجنان والأنهار، لكنْ ذوو الألباب والعقلاء ينظرون إلى حسن العاقبة وما إليه مآل الأمر دون الحال، فذلك الذي يرغب فيه؛ ولذلك اختلفت دعوة النبي عليه السلام لأمته: فمنهم من بشره بكثرة أمواله وبنيه، ومنهم من رغبه في آخرته،
{ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } [يونس: 58]، وقال: { قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ... } الآية [آل عمران: 15].
ونظير الأول كقوله عز وجل:
{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ } [الأعراف: 96].
والأصل أن الرسل - عليهم السلام - بعثوا مبشرين ومنذرين، داعين، زاجرين، محتجين، مدحضين، فما تلوا عليهم من أنباء الأولين دخل فيهم جميع الأوجه الثلاثة؛ إذ النذارة والبشارة مرة تقع بالابتلاء، ومرة بذكر ما ينزل بالمتقدمين المصدقين منهم والمكذبين؛ أن كيف كان عاقبة هؤلاء وهؤلاء.
وكذلك [دعاء الرحمة] يكون مرة بابتداء الدعاء، والزجر، وبذكر الأمم السالفة، وأن الرسل كيف [كانوا يدعونهم] ثانيا للحق، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً}.
قال أبو بكر الأصم: تأويله [كيف] لا ترجون لله ثوابا فتعبدوه فيثيبكم بها، وقد علمتم أن الخير كله في يده، وأن الذي تعبدون من دون الله لا يملكون لكم نفعا ولا يدفعون عنكم ضرّاً؛ فجعل قوله: {وَقَاراً} مكان "عبادة"، والله أعلم.
وقال غيره: [{مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً}، أي:] ما لكم لا ترجون لأنفسكم عند الله منزلة وشرفا وقدرا.
وقال بعضهم: [أي:] ما لكم لا تخافون عظمة الله وقدرته عليكم؛ فتنتهوا عما نهاكم وتأتوا ما أمركم به، وحمل الرجاء على الخوف؛ لما قد ذكرنا أن الرجاء المطلق يقتضي الخوف والرجاء جميعا، وكذلك الخوف المطلق يقتضي رجاء، والله أعلم.
والأشبه بالتأويل عندنا: أن الرجاء لله تعالى على مثال الغضب لله، والحب لله، والبغض لله، أي: ما لكم لا تسعون سعي من يرجو ما عند الله على الوقار والهيبة، بعد أن شاهدتم من نعم الله تعالى وإحسانه إليكم من خلق السماوات والأرض، وتسخير الشمس والقمر، وما ذكر من منته في الآيات التي يتلوها؛ وذلك أن المرء إذا سعى لآخر على غير رجاء أو لم يرج أحدا، استحقر به، فألزمهم نحو - عليه السلام - سعي من يرجوه على التوقير والهيبة على ما عليه العادة في الشاهد أن الساعي للملوك والكبراء على الرجاء كيف يكون منهم توقيرهم إياهم وهيبتهم منهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً}.
فمن حمل قوله: {لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} على حقيقة الرجاء، فتأويله: كيف لا ترجون أن يعظم قدركم عند الله - عز وجل -: إذا أجبتم إلى ما دعاكم إليه، وفيما ذكر من خلقه إياهم أطوارا تذكير لهم حسن صنيعه بهم فيما قلبهم من حال إلى حال من أول ما أنشأهم إلى حالهم التي هم فيها، فكيف لا يرجون إحسانه في حادث الأوقات إذا أقبلوا على طاعته واشتغلوا بعبادته؟!
وإن كان قوله - عز وجل -: {لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً} على الخوف، ففيما ذكر من قوله - عز وجل -: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً} تذكير العظمة والسلطان والقدرة، وهو أنه دبركم في تلك الظلمات الثلاث، ولم يخفَ عليه أحوالكم فيها، بل قلبكم من حال إلى حال كيف شاء، فكيف يخفى عليه أفعالكم في حال بروزكم وظهوركم؛ فيكون في [ذكر] هذا تنبيه أن الله تعالى لا يخفى عليه شيء من أعمال الخلق فيدعو ذلك إلى المراقبة، ويلزم التيقظ والتبصر في كل حال؛ لئلا يتعدى حدود الله، ولا يضيع حقوقه، فيحل به البوار والهلاك.
فإذا حملت التأويل على الرجاء، فهو يخرج على غير التأويل الذي حملته على الخوف؛ لأنك إذا حملته على الرجاء كان فيه تذكير عظيم مننه، ونعمه عليهم من أول ما أنشأهم إلى الوقت الذي انتهوا إليه؛ فيحملهم ذلك على طلب ما يشرف قدرهم عند الله تعالى، ويحمد عاقبتهم.
وإن حملته على الخوف، كان فيه تذكير القدرة والسلطان؛ فيحملهم على المراقبة والاتقاء في حادث الأوقات.
ومن حمل قوله: {وَقَاراً} على العبادة، فهو يخرج على غير الوجهين الذين ذكرناهما في الخوف والرجاء إذا صرف إليهما التأويل، كأنه يقول: إن الذي خلقكم أطوارا قد تعلمون أنه حكيم [ومن هو حكيم] لا يسفه، وتَرْكُكُم سدى لا يأمركم ولا ينهاكم، ولا يستأدي منكم شكر النعم - سفه؛ فيكون في ذكر هذا ترغيب في العبادة وإخلاص الطاعة.
ويكون في ذكر هذا أيضا إثبات الربوبية وإلزام القول بالوحدانية؛ لأنه أنشأهم من أول ما أنشأهم نطفة، ثم علقة، ثم مضغة إلى أن خلقهم بشرا سويّاً، فلو لم يكن المدبر والمنشئ واحدا، لكان يعجز عن تقليبه من حال إلى حال؛ لأنه إذا أراد أن ينشئ من النطفِ علقة، ومن العلقة مضغة، كان للآخر أن يمنعه عن تدبيره؛ فلا يتهيأ له إنشاء علقة ولا مضغة، فارتفاع المانع دليل على أن لا مدبر سواه، ولا خالق غيره.
وإذا ثبت انفراده بما ذكرنا ثبت أنه هو المستحق للعبادة من الخلائق.
وقال بعضهم: معنى قوله: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً}، أي: مختلف الأخلاق والصور والألوان والألفاظ والأصوات والنغم؛ حتى لا يرى أحد يشبه آخر بجميع خلقته، وهذا من عظيم ما يستدل به على قدرته وحكمته، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: {أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً}.
قد ذكرنا أن قوله: {أَلَمْ تَرَوْاْ} يقتضي تذكير أمر عرفوه، فأغفلوا عنه، فقد يقتضي تذكير أعجوبة لم يسبق من الخلائق العلم بها، يقول: قد رأوا أنه خلق سبع سماوات طباقا بغير علائق فوقها ولا أعمدة تحتها، ومن قدر على خلق مثله لقادر على خلق كل ما يريد؛ فيكون في إيجاب القول بالبعث؛ إذ إعادتهم ليست بأعسر من خلق السماوات في تقدير عقولكم، فمن قدر على خلقهن، لقادر على البعث، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: {وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً}:
منهم من يذكر أنه جعله نورا في السماء الدنيا، وأضافه إلى جملة السماوات.
وقد يجوز - أيضا - أن يضاف الشيء إلى العدد وإن لم [يكن] يوجد ذلك إلا في البعض، يقال: في سبع قبائل مسجد واحد، والمسجد إذا كان واحدا [فهو] لا يكون في سبع قبائل، وإنما يكون في قبيلة واحدة، ويقال: فلان توارى في دور قوم، وهو لا يكون متواريا في دور جملتهم، وإنما يكون متواريا في واحدة منهن، ثم أضيف التواري إلى الجملة فكذلك أضاف نور القمر إلى السماوات السبع وإن كان القمر في سماء واحدة.
ومنهم من ذكر أن نور القمر قد أحاط بجميع السماوات، وزعم أن وجهه إلى السماوات، وظهره إلى أهل الأرض، ولهذا ما يعمل عليه السواتر من السحاب وغيره، فأما نور وجهه فإنه لا يستره شيء من السواتر.
لكن هذا إنما يعرف بالخبر، فإن صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر، فذلك هو، وإلا فالإمساك عن مثله أحق.
وقوله - عز وجل -: {وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجاً} فذكر السراج هاهنا مكان الضوء في موضع آخر، وهو قوله - عز وجل -:
{ جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً } [يونس: 5]، فذكر في القمر النور وفي الشمس الضياء؛ لأن القمر يكون في وقت الحاجة إلى النور، وذلك في ظلمة الليل، ثم الله تعالى أنشأ الليل لنسكن فيه، لكن قد يبدو للخلائق بالليل حوائج يحتاجون إلى قضائها؛ فمن الله تعالى عليهم بنور القمر؛ ليتوصلوا [بنوره إلى قضاء حوائجهم]، وجعل الشمس ضياء؛ ليختطف ضوءها نور الليل، ويغلب عليه، ولا يختطف نور النهار نور الشمس، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً}:
جائز أن يكون [أضاف الإنبات] إلى الأرض، ويرد ذلك إلى الأصل الذي خلق من التراب، وهو آدم - عليه السلام - فنسب الفرع إلى الذي منه خلق الأصل؛ لحدوثه منه، لا أن يكون خلق الجملة من التراب، وهو كقوله - عز وجل -:
{ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } [الذاريات: 22]، والذي لنا في السماء هو المطر لا الذي يرزق [به]، ولكن الذي يرزق به أصله المطر، فنسب إلى المطر؛ لأنه هو الأصل الذي يتوصل به إلى الأرزاق؛ فكذلك الخلائق لما كانوا من نسل آدم - عليه السلام - وكان هو أصلا لهم، أضيف النسل إلى الأصل؛ الذي حدث منه الأصل.
ويحتمل أن يكون يرجع هذا إلى كل في نفسه؛ وذلك لأن حياة الأبدان وقوامها بالذي يخرج من الأرض، وينبت منها من أنواع الأغذية، فإذا كان قوامها بما ينبت منها، فكأنما أنبتنا منها؛ فاستقام أن يضاف الإنبات إليها، كما يستقيم أن يضاف خروج الثمار إلى الأرض وإن كان حدوثها من الأشجار؛ إذ قوام الأشجار وبقاؤها بها؛ فنسب ما يخرج منها إلى الأرض على التقدير الذي ذكرنا.
ففي قوله: {وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً} على التأويل [الأول] إثبات القدرة على البعث وإلزام الحجة على من يجحد كونه؛ لأنه يذكرهم قدرته أنه أنشأهم من الأرض، ولم يكونوا شيئا، فمن قدر على إنشائهم من الأرض بعد أن كانوا ترابا، لقادر على أن يعيدهم إلى الحالة التي كانوا عليها من كونهم بشرا سويا، وإن صاروا عظاما ورفاتا؛ لأنهم كانوا يزعمون أن كيف يعادوا خلقا جديدا بعد أن صاروا ترابا، فاحتج عليهم بأمر الابتداء من الوجه الذي ذكرنا.
وإن كان على التأويل الثاني، ففيه تذكير نعمه: أن قد أخرج لهم من الأرض ما يتعيشون به، ويقيمون به أودهم، أو يستأدي منهم الشكر، وفيه تذكير قوته وسلطانه؛ ليخوفهم عقابه فيتعظوا ويتقوا سخطه، ويطلبوا مرضاته.
وقوله - عز وجل -: {ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً}، فجمع بين الإعادة والإخراج بحرف الجمع، وجعل [قوله عز وجل] {وَيُخْرِجُكُمْ} في موضع "ثم"؛ لأن هذا الإخراج يكون بعد الإعادة إلى الأرض، فيكون في هذا دليل أن أحد الحرفين وهو "الواو" قد يستعمل مكان "ثم".
وقوله - عز وجل -:{وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ بِسَاطاً}.
أي: جعلها كالشيء المبسوط الذي ينتفع ببسطه، ولو لم يجعلها كذلك، لم يتوصلوا إلى حوائجهم، ولا الانتفاع بها، ففي ذكر هذا تذكير بما لله تعالى عليهم من عظيم المنة.
وقوله - عز وجل -: {لِّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً}:
قيل: الفجاج: هي الطرق الواسعة.
وقيل: السبل في السهل، والفجاج: الطرق في الجبال، وهذا - أيضا - من عظيم نعم الله تعالى على عباده؛ لأن الله تعالى قدر أرزاق الخلق في البلاد، فلو لم يجعل لهم في الأرض سبلا، لم يجدوا طريقا يسلكونه، فيتوصلون به إلى ما به قوم أبدانهم؛ فصارت الطرق المتخذة لما نسلك فيها، فنصل إلى حوائجنا وإلى معايشنا: كالدواب التي سخرت لنا؛ فنتوصل بها إلى حوائجنا، وهذا يبين لك أن ملك أقطار الأرض وتدبيرها يرجع إلى الواحد القهار؛ لأنه أحوج الخلق إلى الانتشار في البلاد؛ لإقامة أودهم، وجعل لهم سببا يتوصلون به إلى ذلك؛ فثبت أن مالك الأقطار واحد.