التفاسير

< >
عرض

فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ
٨
فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ
٩
عَلَى ٱلْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ
١٠
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً
١١
وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً
١٢
وَبَنِينَ شُهُوداً
١٣
وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً
١٤
ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ
١٥
كَلاَّ إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً
١٦
سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً
١٧
إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ
١٨
فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ
١٩
ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ
٢٠
ثُمَّ نَظَرَ
٢١
ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ
٢٢
ثُمَّ أَدْبَرَ وَٱسْتَكْبَرَ
٢٣
فَقَالَ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ
٢٤
إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ
٢٥
سَأُصْلِيهِ سَقَرَ
٢٦
وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ
٢٧
لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ
٢٨
لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ
٢٩
عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ
٣٠
وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ
٣١
كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ
٣٢
وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ
٣٣
وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ
٣٤
إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ
٣٥
نَذِيراً لِّلْبَشَرِ
٣٦
لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ
٣٧
-المدثر

تأويلات أهل السنة

وقوله - عز وجل -: {فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ}:
{نُقِرَ}: أي: نفخ، و{ٱلنَّاقُورِ}: الصوور، وهي كلمة كتب الأولين ذكرها هنا، {فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ}، وقال في موضع آخر:
{ فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ } [الحاقة: 13]، وقال في موضع آخر: { إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً } [يس: 29].
فجائز أن يحمل هذا كله على التحقيق؛ فتتحقق الصيحة والزجرة والنقرة، ثم تعقبها الساعة.
وجائز أن يكون هذا على التمثيل؛ فيكون فيه إخبار عن سهولة ذلك الأمر وهونهه على الله تعالى؛ لأن اللمحة والزجرة والنفخة والنقرة أمر سهل، لا يشتد على أحد.
أو يكون على تقصير الوقت على الذين ينفخ فيهم الروح، أي: الأرواح ترد عليهم في قدر النفخة، والزجرة، والصيحة؛ خلافا لأمر النشأة الأولى؛ لأنه في النشأة الأولى إنما نفخ فيه الروح بعد كونه نطفة في بطن أمه أربعين يوما، ثم علقة، ثم مضغة كذلك القدر من المدة، ثم نفسخ فيه الروح بعد مدد وأوقات، وفي النشأة الأخرى ينفخ [الروح] بالقصر من المدة، وذلك قدر النفخة والزجرة والصيحة واللمحة، والله أعلم.
وإنما قلنا بأن التأويل قد يتوجه إلى التمثيل دون التحقيق، وإن ذكر في بعض الأحاديث تثبيت الصور والناقور؛ لأنها من أخبار الآحاد، وخبر الواحد يوجب علم العمل، ولا يجوب علم الشهادة، وفي تحقيق الصور والناقور ليس إلا الشهادة؛ لذلك لم يحصل الأمر على التحقيق والقطع لئلا نقطع الحكم على الشهادة.
ثم قد ذكرنا أن قوله: "إذا" جواب سؤال واقع عن تبيين وقت؛ كأنه قيل له: فاصبر إلى أن ينقر في الناقور.
أو يكون جوابا لقوله:
{ قُمْ فَأَنذِرْ } [المدثر: 2]، أي: أنذرهم عما يحل بأهل الشر من العذاب بنقر الناقور.
أو يكون جوابا لقوله: {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} إذا نقر في الناقور.
أو كان السؤال واقعا عن أمر، لم يشر إلى ذلك الأمر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى ٱلْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} ذلك اليوم يوم رحمة للمؤمنين؛ إذ في ذلك اليوم يكرمون، وينالون عظيم الدرجات من ربهم، ولكن الله - عز وجل - ذكر ذلك اليوم في غير آي من كتابه، والأحوال لتي تكون فيه، وإن كانت تلك الأحوال تنزل على غير المؤمنين، فمرة سما: واقعة، ومرة، قارعة، ومرة: حاقة، وإنما يقع العذاب على الكفرة، ويحق عليهم؛ فذلك سماه: عسيرا، وإن كان هو عسيرا على فريق، يسيرا على غيرهم.
وجائز أن يكون عسيرا على الخلائق أجمع، بعض هول ذلك اليوم يشمل الفرق كلها، كما قال:
{ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ } [الحج: 2]، ثم إن المؤمنين تفرج عنهم الأهوال بما يأتيهم من البشارات والكرامات عن الله تعالى، ويبقى عسره على أصحاب النار.
وقوله - عز وجل -: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً}.
ذكر أن هذه الآية نزلت في شأن الوليد بن المغيرة، والأصل أن الأنباء التي ذكرت عن الأنبياء المتقدمة في المخاطبات التي جرت بينهم وبين الفراعنة فيها إبانة أنها جرت بينهم وبين الآحاد منهم، وذلك أن فرعون كل نبي كان واحدا، وكان من سواه يصدر عن رأيه، وينتهي إلى تدبيره؛ فكان يستغني عن مخاطبة من سواه، وقد كثرت فراعنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فكا نكل واحد منهم يدعي الرياسة لنفسه، ويمتنع عن متابعة غيره، والصدور عن رأيه والانقياد له، منهم أبو جهل، ومنهم الوليد بن المغيرة، ومنهم أبو لبه، وغيرهم؛ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى أن يخاطب كلا في نفسه، ومن احتاج إلى مخاطبة أقوام، وإجابة كل واحد بحاليه، كان الأمر عليه أصعب من الذي احتاج إلى مخاطبة واحد؛ ففي هذا أن المحنة على رسولنا - عليه الصلاة والسلام - كانت أكبر مما امتحن بها من تقدمه من الرسل، عليهم السلام.
ثم قوله: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمنعه عن شيء حتى يقول له: {ذَرْنِي}، ولكن هذا الكلام مما يتكلم به على الابتداء من جهة إظهار القوة؛ يقول الرجل الآخر: "خل بين وبين فلان"، و"دعني وإياه" من غير أن يكون سبق منه المنع؛ فيريد به إظهار القوة من نفسه: أنه كافيه، وقادر على دفع شره عن نفسه؛ فيكون في قوله: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} دعاء من الله تعالى إياه إلى ألا يتعرض له، ولا يجازيه بصنيعه؛ فإن الله تعالى يكفيكه، ويدفع عنك شره.
أو يكون فيه نهي عن أبن يدعو عليه بالهلاك والثبور، ويصبره [إلى] أن يأتيه أمر الله تعالى؛ فيكون [في] هذا مسلاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن المتنازعين إذا تنازعا في شيء، وحدث بينهما شر، فانتصب ثالث في نصر أحدهما خلف الأمر على المنصور، ويفرح لذلك، ويسلو به، فإذا كان الله تعالى هو الذي يقوم بنصر المصطفى - عليه الصلاة والسلام - ويكفيه عن عدوه، كان ذلك أكثر في التسلي والتفرج؛ فيكون في هذا تمكين من الصبر الذي دعي إليه بقوله:
{ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ } [الأحقاف: 35]، وبقوله: { فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ... } الآية [القلم: 48].
ثم قوله: {خَلَقْتُ وَحِيداً} يحتمل وجهين:
أحدهما: أي: خلقته وحدي، ولم يكن لي في الخلق ناصر ومعين ولا مشير.
وجائز أن يكون معناه: أي: خلقته وحيدا، لا ما لله، ولا ولد؛ فيكون في هذا [وعيد و]تخويف لذلك اللعين، أي: كيف لا يخاف أن يعاد إلى الحالة التي كان عليها يوم خلق بلا مال ولا ناصر؛ كقوله:
{ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [الأنعام: 94].
وقوله - تعالى -: {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً}:
قيل: {مَالاً مَّمْدُوداً}، أي: مالا لا ينقطع، بل يكون له مدد.
وذكر عن مجاهد أنه قال: كان ذلك ألف دينار.
وقال السدي: {مَالاً مَّمْدُوداً} ثلاثة عشر ألفاً.
وقيل: أراد به ما جعل له من الضياع بالطائق، تثمر في السنة مرتين.
ولكن عندنا المال الممدود هو المتتابع الذي لا ينقطع مدده، والذي لا ينقطع مدده لا يقع تحت الإحصاء.
وقوله - عز وجل -: {وَبَنِينَ شُهُوداً}:
أي: حضورا، لا يغيبون، ويكون فيه وجهان من الحكمة:
أحدهما: أن ماله قد كثر؛ حتى لم يحتج إلى تفريق أولاده في الجمع والاكتساب؛ بل كان يأتيه سمحا، لا يحتاج إلى تكلف أسباب الجمع.
والثاني: أن غاية ما يراد ويتمنى ويلتمس من البنين هو أن يستأنس بالنظر إليهم، ويستعين بهم، ويستنصر إذا احتاج إلى ذلك؛ ففيه أنه قد نال مناه، ووصل إليه ما ترغب إليه النفوس من كثرة الأموال والأولاد؟
وقوله - عز وجل -: {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً}، أي: بسطت له في الدنيا بسطا.
وقيل: التمهيد: هو التمكين.
وقوله - عز وجل -: {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ}.
فجائز أن يكون طمعه منصرفا إلى الزيادة في الآخرة؛ كقوله:
{ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ } [الجاثية: 21]، فحسبوا أنهم إذ ساووا أهل الإيمان في الدنيا يساوونهم في الآخرة لو كانت الآخرة حقا؛ فكذلك هذا اللعين حسب أن يبسط عليه نعيم الآخرة كما بسط عليه نعيم الدنيا؛ فكان قوله: { كَلاَّ} ردا عليه.
فإن كان على هذا، ففيه أعظم الدلالة على إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أخبر أن ليس له نصيب في الآخرة؛ وإنما يحرم النصيب إذا ختم على الكفر كما قال، فكان.وهذا إخبار منه عن أمر الغيب، فصدق خبره، وخرج الأمر حقا كما قال؛ فثبت أنه بالله تعالى علمه.
وجائز أن يكون طمعه الزيادة في الدنيا؛ فقطع عليه طمعه بقوله: { كَلاَّ}.
وذكر أن ماله بعد نزول هذه الآية أخذ في الانتقاص إلى أن أهلكه الله تعالى، ولم يزد شيئاً؛ فيكون في هذا - أيضا - ما في الأول من إثبات الرسالة.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً}:
في هذا تصبير لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى أكثر نعمه عليه، ثم ذلك المعلون مع كثرة نعم الله عليه وإحسانه إليه، عاند، ولم يطعه في أوامره؛ فكيف ترجو أنت منه في معاملته إياك مع معاملتك إياه بما يخالف مراده وهواه؟ فيكون فيه ما يدعوه إلى الصبر.
والعناد: هو مخالفة الحق عن علم بظهور الحق؛ فيكون قوله: {إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً}: أنه بعد علم وإحاطة ويقين عاند آيات الله، وخالف أمر رسوله، واستكبر.
والمكابر هو الذي يكابر عقله، فيخالف ما يثبته عقله بالأقوال أو بالأفعال.
ثم في قوله - عز وجل -: {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ} إبطال قول من قال: إن الله تعالى لا يفعل بعباده إلا ما هو الأصلح لهم؛ لأن قوله: {أَنْ أَزِيدَ} لا يخلوا إما أن تكون الزيادة التي كان يطمعها خيرا له، وفي شرط الله - تعالى - عندهم أن يزيده، وفي قوله: {كَلاَّ} قطع طمعه للزيادة؛ فيصير بحرمان الزيادة عنه جائزاً؛ فكيف حصل آية رسالته من الوجه الذي هو جور عندكم.
وإن كان حرمان الزيادة خيرا له وأصلح؛ فكيف جعل الحرمان - أيضا - علما لنوبته، وكان عليه أن يحرمه طعلى زعمكم.
وفي قراءة عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: (ثم يطمع أن يزيد).
وقوله - عز وجل -: {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً}:
جائز أن يكون على تحقيق الصعود، وهو العقبة التي يشتد الصعود عليها؛ كما ذكره بعض أهل التأويل، فيكلف الصعود عليها.
وجائز أن يكون على التمثيل؛ وذلك لأن الصعود في الشاهد مما يشق على المرء، والهبوط مما يسهل على المرء الانحدار عنه.
فإن كان على هذا، ففيه أن يصيبه في الآخرة مما يشتد ويشق على نفسه تحمل ذلك.
ثم يقال للمعتزلة في هذه الآية وفي قوله: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ}: إن في هذا وعيدا من الله تعالى بأن يصليه سقر، وسيرهقه صعودا، فأراد الله تعالى أن يصدق خبره، وينجز وعده، أو أراد أن يكذب خبره، ويخالف وعده؟
فإن قلتم بالثاني، فقد نسبتموه إلى الكذب، وإلى خلف الوعد؛ ومَن هذا وصْفُه فهو سفيه جاهل، لا يصلح أن يكون إلها.
وإن قلتم: بلى، أراد أن يصدق خبره، وينجز وعده، قلنا لكم: أراد أن ينجز وعده مع دوامهم على الكفر، أو عند انقلاعهم عنه؟
فإن زعمتم أنه إنما أراد أن يصليهم سقر على الخروج من الكفر، فهذا منه جور؛ لأنه يصليهم سقر بشيء لا إرادة لهم فيه.
وإن سلمتم أنه أراد إصلاءهم سقر إذا داموا على الكفر واستقروا عليه، فقد لزمكم أن تقولوا: إن الله تعالى أراد من كل أحد ما علم أنه يختاره، ويكون منه.
ويقال لهم: إن الله تعالى يقول:
{ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ } [الإسراء: 111]، ولو كان الأمر على ما زعمتم: أنه يريد من كل كافر أن يسلم، ويؤمن به، ويريد الكافر أن يكفر به، ويعاديه، فإذن قد أراد أن يكون له ولي من الذل؛ لأنه يريد أن يواليه مع اختيار الكافر في معاداته، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيرا.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ}.
قال الفقيه [-رحمه الله -]: إن فراعنة رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتقدوا معاندة الحق، واعتقدوا صد الناس عن سبيل الله وأن يطفئوا نوره، فأرادوا أن يجمعوا على أمر ينسبونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه ينفقون عن أنفسهم سمة الجهل وتهمة الكذب في ذلك، على ما ذكروا أن الوليد جمع أصحابه، فقال: إن هذه أيام الموسم، وإن الناس سائلوكم عن هذا الرجل؛ فماذا تقولون؟
فقال بعضهم: نقول: هو شاعر؛ قال: إنهم قد سمعوا الشعر، وما قوله بقول شعر.
وقال بعضهم: نقول: هو كاهن؛ فقال: إن الكهانة معروفة عند العرب، وإذا سمعوا قوله عرفوا أنه ليس بكاهن؛ فيكذبونكم.
وقال بعضهم: نقول: هو كذاب؛ فقال: إنا اختبرناه فما أخذنا عليه كذبة قط.
فقال بعضهم: نقول: هو مجنون. فقال: إذا نظروا إليه علموا أنه ليس بمجنون، فأعيا عليهم، ففكر في نفسه وقدر، فقال: {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ}: ما هذا الذي أتى به إلا سحر يؤثره عن غيره - أي: يرويه - فاتفقت كلمتهم على تسميته: ساحرا، وقالوا: الساحر يفرق بين اثنين، وقد وجد منه التفريق بين الآباء والأولاد وبين ذوي الأرحام؛ رجاء أن يصلوا إلى مرادهم من صد الناس عن سبيل الله تعالى وإطفاء نوره؛ مكرا منهم، وهو كقوله:
{ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ } [الأنعام: 123].
ووجه رجوع المكر إلى أنفسهم ذكروا فيه أوجها:
أحدها: رجوع المكر إلى أنفسهم: أن الله تعالى أظهر سوء صنيعهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعله آية تتلى إلى يوم القيامة؛ فيكون فيه ظهور كذبهم، وإلحاق العار بهم إلى يوم التناد، وتوارد اللعن.
والثاني: أن الكبراء إذا اجتمعوا في مكان للتدبير، اتصل بهم أوساطهم واختلط بهم صغارهم فيقع لجملتهم العلم بالذي وقع عليه التدبير واتفقت عليه الكلمة، وإذا وقفوا على تدبيرهم جملة، انتشر علم ذلك في الآفاق، فيقف الناس على كذبهم وافتعالهم، فيتحقق عند ذلك جهلهم بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصير كذبهم شائعا في الخلق ظاهرا من الوجه الذي أرادوا نفي سمة الجهل عن أنفسهم؛ ويتحقق عند الناس كذبهم؛ فلا يركنوا إلى قولهم ولا يتلفتوا إلى إخبارهم عن حاله؛ إذ قد تبين جهلهم بحاله؛ فيكون ذلك سببا لترغيب الناس إلى الإسلام ودعائهم إليه، لا أن يكون سببا للصد عن سبيل الله؛ فصار المكر راجعا إليهم.
ثم قوله: {إِنَّهُ فَكَّرَ}، أي: فكر في الأمر الذي أراد إحكامه، أو فكر في الكلمات التي ألقوها فيما بينهم، أيها أليق برسول الله صلى الله عليه وسلم فينسب إليه.
وقوله - عز وجل -: {وَقَدَّرَ} يخرج على هذا أيضا.
وقوله: {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ}، قيل: لعن، واللعن هو الإبعاد عن رحمة الله تعالى، وقد ظهر الإبعاد؛ لأن مادة ماله قد انقطعت في الدنيا، وأخذ ما كان اجتمع عنده في الانتقاص إلى أن أهلكه الله تعالى، ثم ساقه إلى النار خالدا فيها.
وقوله - عز وجل -: {كَيْفَ قَدَّرَ}، أي: كيف لم يستح عن تقديره الذي قدر من تسميته رسول الله صلى الله عليه وسلم: ساحرا، وقد علم أنه في إنشاء ذلك الاسم كاذب؟
أو كيف اجترأ على الله تعالى، وتجاسر وهو يعلم أنه رسول حق، فعاند آياته، واجترأ على ذلك، ولم يخف نقمة الله تعالى؟!.
وقوله - عز وجل -: {ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} فلعنه مرتين، وقد ظهر أثر اللعن فيه في الدنيا والآخرة جميعا؛ لأن الله تعالى فضحه بما أظهر كذبه للخلائق، فبقي ذلك العار إلى آخر الأبد وأبعده من رحمته؛ حيث أخذ ماله في الانتقاص، وانقطعت مادة ماله، فهذا أثر اللعن في الدنيا، ووعد أن يصليه سقر، وأن سيرهقه صعودا، وذلك خزيه ولعنه في الآخرة، فظهرت، إحدى اللعنتين في الدنيا وتلحقه الثانية في الآخرة.
وقوله - عز وجل -: {ثُمَّ نَظَرَ} جائز أن يكون نظر في كلمات القوم التي ألقوها فيما بينهم.
وقوله: {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ} جائز أن يكون الذي حمله على العبوس والبسور هو ما ألقوا إليه المختلف من الكلمات، فعبس وجهه عليهم؛ لما في اختلافهم ظهور كذبهم.
أو يكون الذي دخل عليه من شدة الغيظ في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهمه وأحزنه، حتى أثر ذلك في وجهه، فعبس لذلك وجهه.
وقوله - عز وجل -: {ثُمَّ أَدْبَرَ وَٱسْتَكْبَرَ}:
يحتمل أن يكون أدبر عن أولئك القوم الذين اجتمعوا للتدبير، واستكبر عليهم.
أو أدبر عن طاعة الله تعالى، واستكبر على رسوله؛ حيث أعرض عنه، ولم يجبه إلى ما دعاه إليه.
وقوله - عز وجل -: {فَقَالَ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ}:
أي: هذا الذي أتى به محمد مما يؤثر من أفعال السحر.
أو هذا الذي يخبر أنه أتى به من عند الله هو سحر يؤثر عمن تقدمه، ولكن قال هذا على علم منه أنه ليس بسحر.
قال الفقيه -رحمه الله -: ولو كان الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم سحرا كما قرفوه به، فهو لا يخرج من أن يكون حجة له في صدق مقالته وإثبات رسالته؛ لأنه لا وجه لمعرفة السحر من طريق الرأي والتدبير، وإنما سبيل الوصول إليه الإتقان والتلقن عن الغير، وقد علما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلقنْه أحد، ولا يوجد منه الاختلاف إلى من عنده علم ذلك، فوقع لهم الإيقان: أنه بالله تعالى علم لا بأحد من الخلائق؛ فيصير الذي قرفوه به من أعظم الحجة، ولكن الله تعالى طهره عن السحر، ونزهه عن ذلك، وأمره بمعاداة السحرة حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"اقتلوا كل ساحر وساحرة" ، وقال: "توبة الساحر ضربة بالسيف" .
ثم الأصل أن الساحر يفرق بين الاثنين، ويعمل سحره في التفريق على وجه لا يوقف على سبب التفريق، وكان سبب تفريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرا؛ لأنه كان يأتيهم بالحجج؛ فيعلم من أمعن النظر فيها صدّقه فيما يدعي من الرسالة فيؤمن به، ومن ترك النظر فيها، ولم يعط من نفسه النصفة ترك الإيمان به؛ فبطل أن يكون تفريقه كتفريق السحر.
وأن كلاًّ منهم لو تفكر فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وأمعن النظر فيه، حمله ذلك على الإيمان به، والتصديق لرسالته؛ فيصير الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم سبب [الاجتماع والألفة]، لا أن يكون سبب التفريق بين الأحبة.
ثم الأصل أن الساحر بغيته وقصده من سحره نيل الجاه عند العظماء والرؤساء واستفادة السعة في الدنيا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن يطلب بما أتى به الجاه عند الرؤساء، بل عاداهم، وأظهر الخلاف لهم، فدعا الخلق إلى الزهادة في الدنيا لا إلى الاستكثار منها، فكيف يجوز أن ينسب إلى السحر، وقد أتى بما يضاد فعل السحرة؟.
وقوله - عز وجل -: {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ قَوْلُ ٱلْبَشَرِ}:
قد علم أنه ليس بقول البشر؛ لما عجز البشر عن إتيان مثله، وقال: {إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً}؛ فثبت أنه على العلم منه بأنها آيات عاند.
وقوله - عز وجل -: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ}.
السقر: لون من العذاب.
وقيل: السقر: هي الدركة الخامسة.
وقيل: السقر: من أبواب جهنم، ومعناه: سأدخله جهنم من باب السقر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ}:
يحتمل: أي: لا تبقي [له] حياة يتلذذ بها، ولا تذره يهلك فيستريح، بل يبقى أبدا في الهلاك، كما قال تعالى:
{ فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ } [طه: 74].
ويحتمل: لا تبقي له جلدا ولا لحما و لا عظما، بل تنضج جلده وتأكل لحمه، وتسكر عظمه، ولا تذره على تلك الحال كسير العظم، مأكول اللحم، نضيح الجلد، بل يعاد جلده ولحمه وعظمه فتحرقها كذلك أبدا، ولا تُبقي له روحا ولا تذره فيهرب منها؛ فيتخلص من عذابها.
وقوله - عز وجل -: {لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ}:
قيل: فيه بوجوه:
قيل: {لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ}، أي: محرقة للجلد، فالبشر: الجلد، فجائز أن خص الجلد بالتلويح؛ لأن الجلد من الإنسان هو الظاهر؛ فيكون ظاهر الإحراق مؤثراً فيه؛ فخصه بالذكر لهذا؛ كما سمي الإنسان: إنسانا؛ لظهوره لكل من هو من أهل الروية، وسمي الجن جنا: لاستتاره عنم ليس من جنسه، وهو كقوله - عز وجل -:
{ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ } [النساء: 56].
وقيل: {لَوَّاحَةٌ}، أي: ظاهرة للبشر؛ كقوله تعالى:
{ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ } [الشعراء: 91].
وقوله:
{ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ } [النازعات: 36]، أي: [تظهر لهم] وتلوح، فينظرون إليها، ويتيقنون بالعذاب.
ويحتمل أن يكون قوله: {لَوَّاحَةٌ}؛ لأن النار تأكل جلودهم ولحومهم؛ فتظهر عظامهم وتلوح عند ذلك، ثم تبدل جلودا ولحوما، [أبدا] على هذا مدار أمرهم.
وقوله - عز وجل -: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ}:
روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنهم خزنة جنهم مع كل واحد من الأعوان ما لا يحصى، وذكر أن ستة منهم يقودون الكفرة إلى النار، وستة يسوقونهم، وستة يضربونهم بمقامع من الحديد والنيران، والآخر هو الخازن الأكبر، وهو مالك يأمرهم بما أمر هو به.
ويحتمل: أن يكون في السقر تسعة عشر دركا، وقد سلط على كل درك ملك؛ وذلك لأن جهنم ذات حد في نفسها؛ لأن الله تعالى وعد أن يملأها من الجنة والناس، ولو لم ترجع إلى حد، لكان لا يتحقق امتلاؤها بالقدر الذي ذكر.
ويحتمل: أن يعذب فيها بتسعة عشر لونا من العذاب، قد وكل كل واحد منهم أن يعذب بنوع من ذلك، والأصل: أنه الله تعالى حكيم بعلم أن في كل فعل من أفعاله حكمة عجيبة، ولكن لا كل حكمة يوصل إليها بالعقل، وينتهى إلى معرفتها بالتدبير؛ ألا ترى أن الله تعالى جعل في الماء معنى يحيا به كل شيء، ولو أراد أحد أن يتكلف استخراج المعنى الذي به صلح أن يكون طبيعة موافقاً لإحياء كل شيء لا يمكنه ذلك، وجعل في الطعام ما يعذي وينمي، ولو أراد أحد أن يتعرف المعنى الذي يقع به الاغتذاء والإنماء لم يتدارك؛ وكذلك جعل في العدد الذين سماهم حكمة، ولكنا لا نصل إلى تعرفتها بعقولنا وتدبرنا.
وزعمت الباطنية أن في ذكر الأعداد التي عليها تركيب العالم تعريف الأعداد المجعولة في الروحانيات. فيقال لهم: من جعل الأعداد التي عليها تركيب العالم أولى بأن يتعرف بها الأعداد المجعولة في الروحانيات من أن تجعل الأعداد التي في الروحانيات [علماً لاستدراك] المجعولة في الجسدانيات؟
ثم يسألون عن الأعداد المجعولة في الروحانيات لأي معنى جعلت؟ وأي حكمة فيها؟ فليس جوابهم بعد هذا إلا العجز والاعتراف بالجهل، فليقروا بالجهل من الابتداء من غير أن يتكلفوا استخراج ما يوجب عن حقيقة كان فيه ظهور عجهزهم، والله أعلم.
والأصل عندنا ما ذكرنا: أن أهل التوحيد اعتقدوا أن الله تعالى حيكم، وأنه لا يجوز أن يخرج فعله عن حد الحكمة؛ لأن الذي يحمل الإنسان على الخروج عن حد الحكمة في الشاهد أحد معان ثلاثة:
إما الجهل.
وإما العجز.
وإما الحاجة.
والله تعالى عالم لا يجهل، وقوي لا يلحقه عجز عن وفاء ما وعد، وغني لا تمسه حاجة؛ فانتفت عنه الأسباب التي لديها يقع الخروج عن حد الحكمة، فثبت أنه لا يجوز أن يخرج فعله عن حد الحكمة، لكنهم إذا لم يعرفوا الحكمة بعقولهم، ولم يتداركوها بتدبيرهم، ظنوا أنه لا حكمة فيه، وأنكروا أن يضاف ذلك إلى الله تعالى، فأهل الدهر أنكروا البعث، وأنكروا الصانع؛ لما رأوا أشياء في الشاهد هي في الظاهر خارجة مخرج العبث؛ وفعل الحكمة لا يخرج مخرج العبث، فنفوا بهذا أن يكون للأشياء صانع، ومن بني بناء، ثم نقضه، ثم أعاده إلى الحالة التي كان عليها قبل النقض، لم يكن حكيما، بل كان جاهلا سفيها، فقاسوا أمر البعث على ذلك، وظنوا أنه خارج مخرج العبث؛ إذ ليس فيه إلا الإعادة إلى الحالة التي كان عليها قبل الموت.
وما ذكرنا من الاعتبار هو الذي حمل الثنوية على القول بإلهين اثنين: أنهم رأوا في الشاهد خيرا وشرا، وصلاحا وفسادا، وظلمة ونورا، ولا يجوز أن يكون جوهر الظلمة والنور واحدا، ولا يجوز - أيضا - أن يكون فعل الحكيم يخرج على الاختلاف والتناقض، فقد بنوا بهذا أن خالق الشر والخير مختلف.
وبهذا أنكرت المعتزلة خلق أفعال العباد؛ لأن الفعل يكون مرة خيرا ومرة شرا، ومرة صلاحا ومرة فسادا، ولا يجوز أن يكون الشر مضافا إلى الله تعالى، ولا أن يكون الفساد منسوبا إليه؛ فأنكروا أن يكون لله - تعالى - في أفعال العباد صنع.
وأهل التوحيد سلموا الأمر إلى الله تعالى، وفوضوا العلم إليه في كل ما جاء عنه - جل وعز - وإن لم يتداركوا ما فيه من الحكمة بعقولهم؛ لوجودهم أشياء هي خارجة أن يتداركوها بعقولهم، ويقفوا عليها بعلومهم، كا ذكرنا من مر الماء: أنه قد جعل فيه معنى، ذلك المعنى يحيي الاشياء، ولو أرادوا أن يعرفوا ذلك المعنى بالعقول والآراء، لم يمكنهم ذلك؛ وكذلك في هذا الطعام، وفي الأشياء المشروبة موجود، ثم لم يجد بهذا إنكار المياه وسائر الأطعمة والأشربة؛ فكذلك لا يجب إنكار العدد الذين سماهم الله تعالى من الملائكة، ولا إنكار البعث، ولا إنكار كل شيء لم يقفوا على حكمته بعقولهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً}:
فلقائل أن يقول في هذا: إنه لم يجعل أصحاب النار إلا ملائكة، لم يوجد فيها إنسي ولا جني، فكيف قال:
{ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ } [هود: 119]، وهو لم يجعل أصحاب النار إلا ملائكة.
[والجواب: أن تأويله:] أي: ما جعلنا على أصحاب النار إلا ملائكة يعذبون أهلها بها، لا أن يكون الملائكة تمسهم النار، ويتأذون بها.
وي هذا دلالة على أن من قرأ مكان قوله تعالى:
{ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ } [البقرة: 82]: "أصحاب النار" في صلاته لا تفسد؛ لأنه ليس في نسبة أصحاب الجنة [إلى] أصحاب النار إيجاب عذاب عليهم؛ كما لم يكن في قوله: {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً} إيجاب عذاب على الملائكة واستحقاقهم، والله أعلم.
وإنما خصهم بذلك - والله أعلم - لأنهم خلقوا يسخطون ويغضبون لله تعالى، ولا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، لم يميلوا إلى أحد، ولم يرحموا بما رأوا عليه من العذاب في معصية الله وخلافهن ليسوا على طباع الإنس والجن أن قلوبهم ربما تميل وترحم من لا يستحق الرحمة.
وذكر أهل التأويل أن قوله: {وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً} رد على أولئك الكفرة الذين قالوا: "إنا لنكفي هؤلاء العدة - حين سمعوا {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} - فنغلب عليهم، ونخرج من النار"، فأخبر أنهم ليسوا برجال أمثالكم، إنما هم ملائكة، ووصف الملائكة، وقد روى في الأخبار من هول خلقهم، وعظمهم، وشدة بأسهم وبطشهم، وأن لهب النيران يخرج من أفواههم، وأن بنيتهم لا تحتمل الحرق والآلام، ولي يسعلى ما عليه بنية البشر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ}:
الفتنة: قد يتكلم بها على وجهين:
فتذكر الفتنة ويراد بها المحنة التي فيها الشدة.
وتذكر ويرادج بها العذاب.
فإن كان يراد بها العذاب، فمعناه: أنه جعل العدد الذي ذكر فتنة للكفرة؛ وهو كقوله:
{ يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ } [الذاريات: 13]، أي: يعذبون.
وإن كان يراد بها المحنة، فتخرج على وجوه:
أحدها: أي: ما جعلنا ذكر عددهم إلا لافتتان الذين كفروا، أي: من علم الله تعالى منه أنه يكفر بآيات الله تعالى، جعل ذلك سببا لفتنته إذا كان في علم الله تعالى أنه ممن يبتغي الفتنة، فأما من علم أنه ينظر في آيات الله مسترشدا، فلم يزده ذلك إلا إيمانا وتصديقا]؛ إذ علموا أن لله تعالى أن يمتحنهم بأنواع المحن، فآمنوا به، وسلموا ذلك لله تعالى؛ فيكون في جعل عدتهم تسعة عشر شدة على الكفرة، إذ كان سبب كفرهم؛ فلذلك سمى المحنة على هذا الوجه فتنة.
وقوله - عز وجل -: {فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} بمعنى: على الذين كفروا.
ثم جائز أن يكون ذلك على حدوث الكفر، وهو في قوم قد آمنوا به، فلما سمعوا هذا زعموا أن لا حكمة في هذا العدد، وليس هذا العدد بأولى [من] أن يجعلوا أصحاب النار من العشرين أو من الثمانية عشرة، فكفروا به؛ وهو كقول موسى - عليه السلام -:
{ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ } [الأعراف: 155]، وذلك على حدوث إضلال لهم لم يكن من السامري موجود، لا أن الإضلال متقدم بغيرها.
وجائز أن تكون فتنتهم هي أنهم ازدادوا بذكر هذا العدد كفرا إلى كفرهم؛ لأنهم نظروا إليه بعين الاستخفاف والاستهزاء، ولم ينظروا إليه بعين التبجيل والتعظيم، فازدادوا بذلك كفرا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً}:
الاستيقان والزياة واحد؛ لأن في الاستيقان زيادة إيمان، وفي الزيادة استيقان، فمعناه: ليستيقن الذين أوتوا الكتاب [و] الذين آمنوا.
ووجه استيقانهم: أنهم يجدون هذا العدد موافقا للعدد الذي في كتابهم؛ فيحملهم ذلك على الاستيقان أنه من عند الله تعالى.
ويحتمل أن يراد به أهل الكتاب الذي ليم يؤمنوا إذا وجدوا ذلك موافقا لما في كتبهم؛ فيستيقنون: أنه إنما يخبر عن الله تعالى، ويرتفع عنهم الارتياب؛ ليكون أدعى لهم إلى الإيمان به، إن أراد منهم الإيمان، وأقرب إلى إلزام الحجة عليهم، إن لم يرد منهم الإيمان، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِيمَٰناً}، أي: [أي:]تصديقا على ما سبق منهم من التصديق بالجملة، وكذلك روي عن أبي حنيفة -رحمه الله - في قوله :
{ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً } [التوبة: 124]، وفي كل موضع ذكر فيه الزيادة في الإيمان: أن معنى الزيادة فيه: أنهم زادوا بالتفسير تصديقا على تصديقهم بالجملة؛ لأنهم إذا وحدوا الله تعالى، وآمنوا به، فقد أقروا بأن له الخلق الأمر كله، وفي الإقرار بأن له الخلق إيمانٌ بالرسل وتصديق منه إياهم بجميع ما أنزل عليهم من الكتب عن الله تعالى؛ فصار بإيمانه معتقداً بكل الرسل على الإشارة إليه، فإذا آمن بالرسول والكتاب المنزل إليه، فقد أتى بزياة تصديق على ما وجد منه من التصديق بالجملة.
وجائز أن تكون الزيادة منصرفة إلى الثبات والاستقامة؛ لأن الإيمان له حكم التجدد في كل وقت؛ إذ المؤمن في كل وقت مأمور باجتناب الكفر، وإذا اجتنب الكفر، فقد أتى بضده، وهو الإيمان؛ فثبت أن الإيمان له حكم التجدد في كل وقت، وإذا كان كذلك، استقام صرف الزيادة إلى الثبات والقرار عليه، فإن شئت فسم الدوام على الإيمان: زيادة، وإن شئت فسمه: إيمانا، وإن شئت فسمه: ثباتا، وفي الكتاب ما يطلق جواز هذا كله؛ قال الله تعالى:
{ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } [النساء: 136] فندبهم إلى الإيمان بعدما آمنوا، وما ذلك إلا الثبات على ما هم عليه، وقال: { يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا } [إبراهيم: 27] وهو الإيمان، وقال في آية أخرى: { لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } [النحل: 102] فجعل دوامهم على الإيمان واستقامتهم عليه إيمانا.
وقال تعالى:
{ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً } [الأنفال: 2] قال أبو داود: إيماناً مع إيمانهم فاطلق فيه اسم الزيادة، واسم الثبات، واسم الإيمان.
وإن كانت الزياة منصرفة إلى الأعمال، فهو عندنا على الزياة من جهة الفضيلة والكمال، لا إلى الزيادة في عينه؛ لأن الشيء إذا استحق الزيادة بغيره فاستحقاقه يقع من جهة الفضيلة والكمال؛ ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"صلاة في مسجدي هذا تعادل ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام" ومعلوم أنه لم يرد به التفاضل من جهة العدد؛ إذ هو يأتي بأعين الأفعال التي يلزمه إتيانها في غير ذلك؛ فكانت الزيادة منصرفة إلى الكمال والفضل، لا إلى الزيادة من جهة العدد.
وكذلك قال:
"صلاة في جماعة تفضل على صلاة المرء وحده بخمس وعشرين درجة" ، ولم يرد به الزيادة من جهة العدد؛ وإنما أريد به الزيادة من جهة الفضل والشرف والكمال، وكذلك الزيادة التي تقع للإيمان من الأعمال الصالحة، إنما هي من جهة الفضيلة والشرف؛ إذ الأعمال ليست من جنس الإيمان؛ إذ الإيمان هو التصديق، وذلك غير موجود في الأفعال؛ فثبت أن زيادته من الوجه الذي ذكرنا دون غيره.
وقوله - تعالى -: {وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً}:
في هذا الفصل كلام بيننا وبين المعتزلة، فهم يزعمون أن تلك العدة - وهي عدة الملائكة - جعلت محنة لأهل الإسلام، وأهل الكتاب، وأهل الكفر، وللذين في قلوبهم مرض؛ ليؤمنوا بها، ويستسلموا لها لا ليكفر بها من كفر، ويقول: {مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً}؟ ولكن لما وجد منهم ذلك القول نسب الجعل إليه، لا أن خلقوا لذلك الوجه؛ وهو كقوله تعالى:
{ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } [القصص: 8] نسب إليهما الالتقاط وإن كان الالتقاط لغير ذلك الوجه، وكذلك قال: { وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً } [آل عمران: 178]، ومعلوم أن الإملاء لم يكن لازدياد الإثم، ولكن هم لما ازدادوا إثما، نسب الإملاء إليه، وإن لم يكن الإملاء لذلك الوجه، وكذلك يقال في الكلام السائر:
لدوا للموت وابنوا للخراب
ولا أحد يبني للخراب؛ ولكن مصيره لما كان إلى الخراب نسب البناء إليه، وإن لم يكن البناء لذلك الوجه ويقال: يسرق السارق لتقطع يده، ومعلوم أنه ليس يسرق للقطع، ولكن بسرقته إذن لزمه القطع ولأجلها ما قطع، نسب الفعل إليه، وإن كانت السرقة لغير ذلك الوجه؛ فكذلك العدة التي ذكرت في الآية جعلت الفتنة بجهة واحدة، وهي التي ذكرناها، لكنه لما وجد من الكفرة ما ذكرنا نسب الخلق إلى ذلك الوجه، لا أن كان الجعل لذلك.
ولكنا نقول: لو كان الأمر على ما زعموان أدى ذلك إلى إسقاط الربوبية؛ إذ في الحكمة: من عمل عملا يريد غير الذي يكون، أوجب ذلك بالعواقب، أو جعل عابثا في فعله، ومن هذا وصفه، لم يصلح أن يكون إلها، بل يكون جاهلا سفيها؛ ألا ترى أن من بنى شيئا يعلم أنه لا يكون - كان ذلك منه عبثا، وإذا كان غير الذي يريده كان جاهلا به.
فإذا ثبت هذا فنقول: لو أراد الله من الكافر غير الذي كان منه، لكان فعله خارجا مخرج الخطأ، أو العبث؛ فثبت أن الله - عز وجل - شاء لكل فريق ما علم أن يكون منهم؛ فإذا علم عبده أنه يؤثر الضلال على الهدى، فقد شاء له الضلال، وإذا علم أنه يؤثر فعل الخير، شاء له ذلك، ووفقه له، وهداه إليه.
والجواب عن قوله - عز وجل -:
{ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } [القصص: 8]، فمعناه: ليكون لهم في علم الله عدوا وحزنا، لا أن كان الالتقاط منهم لذلك الوجه؛ بل لو علموا أنه يصير لهم عدوا وحزنا لم يلتقطوه، ولكنهم جهلوا ما ينتهي إليه العاقبة؛ فالتقطوه؛ رجاء أن ينتفعوا به.
ولا يجوز أن تخفى على الله تعالى عواقب الأشياء؛ فيكون فعله في الابتداء لغير ذلك الوجه.
وقولهم:
لدوا للموت وابنوا للخراب
فهذا يتكلم به في موضع التذكير والدعاء؛ لئلا يحرص المرء في بناء الأبنية، بل يزهد عنه، ولا يجوز أن يخفى على الله تعالى أمر؛ فيخرج الأمر فيه مخرج التذكير؛ فثبت أنه على التحقيق، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: {وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً}:
فالمثل يذكر معنى البيان؛ كقول القائل: "أمثل لك صورة كذا" يريد أن أبين لك.
وقوله - عز وجل -: {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ}، فهذا كله تفسير قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً...} الآية، أي: يضل به من كان في عمله أنه يختار الضلال، واختياره الضلال هو أن ينظر في آيات الله تعالى بعين الاستهزاء والاستخفاف، ومن كان نظره في آيات الله ما ذكرنا، أضله الله تعالى، وزاده غواية، ومن نظر في [آيات الله] بعين الاستهزاء والاسترشاد، واستقبلها بالتبجيل والتعظيم لها، وفقه الله تعالى، ومن عليه بالهداية؛ وهو كقوله تعالى:
{ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } [فصلت: 44] وغير ذلك، والله الموفق.
وقالت المعتزلة: قوله: {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ}، أي: يسميه: ضالا، أو يحكم عليه بالضلال إذا ضل، لا أن يكون الله - تعالى - يضله، ويشاء ضلالته.
فيقال لهم: إذا كان الله يريد أن يؤمن به، وذلك إرادته في كل أحد عندكم فتسميته أياه: ضالا، وحكمه بالضلال وهو يريد أ، يهتدي - جور منه، وفيه تحقيق كذبه، جل الله تعالى عن أن يلحقه وصف الجور في فعله، أو ينسب إلى الكذب.
وقال أبو بكر الأصم: تأويله: أن الله - تعالى - ينصب طريقا، مَن سلكه أفضى به إلى الهداية، ومن زاغ عنه صار إلى الضلال، ولا يتهيأ لأحد من الخلائق أن ينصب مثله.
فنقول: لو كان التأويل على ما زعم لكان حقه أن يقال: "كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء"؛ فلما قال: {مَن يَشَآءُ}، و"مَنْ" يعبر به عن الأشخاص العقلاء [لا] عن الطريق التي لا يعقل، ثبت أن الذي قاله ليس بشيء يعتمد عليه.
[ثم] الأصل أن قوله: {يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} من صفات الربوبية، وفيه امتحداح الرب - تعالى - بالفعل لما يريد، فلو لم يكن مريدا منهم ما قد كان، ولم يرد كون ما علم أنه يكون، سقط الامتداح، وخرج عن أن يكون من صفات الربوبية؛ فثبت أن الله تعالى شاء لكل فريق ما علم أن يكون منهم.
وقوله - عز وجل -: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ}:
فالجنود هو اسم للجماعة التي ينتقم بها، وينتصر بها.
وجائز أن يكون قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ} منصرفاً إلى الملائكة، التي هي أصحاب النار، ليس ما جعله من خزنة النار عدداً قليلاً؛ لقلة جنوده، {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ}، أي: [لا يعلم] مقادير قواهم وأحوالهم إلا الله؛ فمعناه: لا يعلم جنود ربك، أي: لا يعلم قوة هؤلاء الجنود وبطشهم وهيبتهم إلا هو.
ثم يجوز أن يكونوا سلطوا على تعذيب أهل النار؛ على جهة الامتحان للملائكة؛ كما امتحن بعضهم بإيصال التحف والكرامات إلى أهل الجنة، وكما امتحن بعضهم في الدنيا يقبض الأرواج، وبعضهم باستنزال الأمطار، وغير ذلك.
وجائز أن يكون تسليطهم على أهل النار على جهة الثواب والجزاء لهم؛ لأنهم يتلذذون بما يعذبون أهل النار، وينتقمون من أعداء الله تعالى؛ لأن المرء في الشاهد إذا وصل إلى الانتقام من عدوه، تلذذ به وتنعم.
ويحتمل أن يكون قوله - عز وجل -: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ}، أي: وما يعلم كثرة جنود ربك إلا هو.
ويحتمل: وما يعلم السبب الذي به يجعل الجنود، ويصلحون للانتقام إلا هو؛ إذ هو القادر على أن يجعل أضعف شيء من خلقه جند ينتقم به من أعدائه، كما في قصة البعوض في زمن نمرود، وغير ذلك من إرسال الطير إلى أصحاب الفيل، وإمطار الحجارة على قوم لوط، ونحو ذلك.
ويحتمل أن يكون قوله - عز وجل -: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ}، أي: لا يعلم ما الذي يتخذ الله تعالى جنداً للانتقام من الأعداء إلا هو؛ ألا ترى أن الله - تعالى - انتقم من بعض الأعداء بالغرق، وهم قوم فرعون وقوم نوح - عليه السلام - وأهلك بعضا منهم بالرياح، واتخذها جنودا عليهم، وأهلك بعضهم بالخسف؛ فيكون في هذا إيجاب المراقبة من حلول النقمة والسخطة.
وقوله - عز وجل -: {وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ}:
جائز أن يكون منصرفا إلى السقر أنها ذكرى للبشر، أي: موعظة وتذكيرا لهم ما إليه مرجع إمورهم.
وجائز أن يكون منصرفا إلى عدة الملائكة.
وقوله - عز وجل -: {كَلاَّ}:
قيل: حقّاً.
وقيل: هو على الردع والتنبيه.
وقوله - عز وجل -: {وَٱلْقَمَرِ * وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ}.
فهذا في موضع القسم؛ وقد ذكرنا أن القسم؛ لتأكيد ما قصد إليه بالذكر، وإدبار الليل بمجيء النهار، فجائز أن يكون ذكر آخر الليل يقتضي ذكر أوله، وذكر أول النهار يقتضي ذكر النهار كله؛ فيكون القسم بهما قسما بالليل كله، والنهار كله.
ثم الليل إذا أقبل عملت ظلمته في ستر الأشياء كلها بساعة لطيفة، وكذلك النهار إذا أقبل عمل في دفع الظلمة عن الخلائق جملة بساعة لطيفة ما لو اجتهد المرء في جميع عمره - وإن طال - على عد تلك الأشياء؛ ليحيط علما بجملتها، لم يتمكن منه، وإذا كان لليل من السلطان ما ذكرنا، ولإقبال النهار من الأمر ما ذكرنا، وكان الذي ذكرنا أمرا مشاهدا معاينا، ولو أريد معرفة ما فيهما من الحكمة: أنه لأي معنى ما صلح أن يكون الليل سترا عن درك أعين الأشياء، واستقام أن يكون النهار مزيلا للستر؟ لم يقدر عليه؛ فيكون فيه إبانة أنه لا يجب إنكار كل ما لا يوصل إلى درك الحكمة فيه بالعقول والآراء؛ فيكون فيه إيجاب التصديق بالأنباء التي يأتي بها الرسل، وإن كان فيها ما لا يوقف على الحكمة المجعولة فيها بالآراء.
وفيه أن منشئ الليل والنهار واحد، وأن الخلائق بجمتلهم تحت سلطانه وتدبيره، يحكم فيهم ما يشاء، ويفعل ما يريد.
وجائز أن يكون القسم منصرفا إلى الوقتين اللذين وقع عليهما الذكر، وهما إدبار الليل، وإسفار الصبح؛ فيكون فيهما ما في الأول.
وقوله - عز وجل -: {أَسْفَرَ}، أي: أضاء، وانتشر.
وقوله: {إِذْ أَدْبَرَ}، أي: ذهب.
وحكي عن الكسائي أنه قال: إن "دبر" لغة قرشية، يقولون: ذهب كالأمس الدابر، أي: الذاهب، فيقولون: دبر في الأيام والشهور والسنين، ولا يقولون في غير ذلك: لا يقولون: دبر الرجل، ودبر الأمر؛ ولكن يقال: أدبر.
وفي حرف ابن مسعود (إذا دبر)، وفي الحروف {إِذْ أَدْبَرَ}، والمعروف {إِذْ أَدْبَرَ} كما قلنا.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ} قيل: يعني: السقر.
ثم عذاب أهل النار ألوان، وفي جهنم دركات، والسقر: إحدى دركاتها؛ إذ هي لون من ألوان العذاب؛ فصارت هي من إحدى الكبر.
وقوله - عز وجل -: {نَذِيراً لِّلْبَشَرِ}.
فمنهم من صرف النذارة إلى السقر، ومنهم من صرفها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كقوله تعالى:
{ وَهَـٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } [الأحقاف: 12]، فمنهم من قرأ (لتنذر) بالتاء، وصرف النذارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ومنهم من قرأ بالياء، وصرفها إلى القرآن.
ثم الأصل أن ما خرج مخرج الأفعال مضافاً إلى الأشياء اللاتي ليست لهن أفعال، فهو يقتضي أمرين:
أحدهما: ذكر الأحوال التي تقع لديها مما لو لم يكن ذلك سبباً لم تحدث تلك الأحوال من غير أن يكون علة لها؛ فنسبت إليها إذا صارت سبباً؛ لحدوث تلك الأحوال، وهو كقوله - عز وجل -:
{ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا } [الأنعام: 130]، وحياة الدنيا لا تغر أحدا، ولكنهم اغتروا بزينتها، فنسب إليها الغرور لما كانت سببا لتغريرهم.
والثاني: أنها أنشئت على هيئة لو كانت من أهل التغرير، لكانت تغر، فنسب إ ليها الغرور لذلك.
وقال في قصة إبراهيم - عليه السلام -
{ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ } [إبراهيم: 36]، والأصنام ليست ممن ينسب إليها الإضلال؛ لأنه لا فعل لها، ولكن عبادها لما ضلوا بها، نسب الإضلال إليها، وهي - أيضا - على صورة لو كانت لها أفعال لكان يقع منها الإضلال؛ فنسب إليها الإضلال؛ للوجهين اللذين ذكرناهما؛ فكذلك النذارة إضيفت إلى النار هاهنا؛ لأنه عند ذكرها تقع النذارة؛ فأضيفت إليها لذلك.
أو خلقها على هيئة لو كانت من أهل النذارة، لكانت نذيرة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ}:
قيل: هو على التهديد كقوله:
{ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ } [الكهف: 29]، وذلك إنما يكون على إثر المبالغة في العظات، وتذكير عواقب الأمور، وقد بالغ [في] ذلك في هذه السورة وبين عواقب أمور العباد.
ثم قوله - عز وجل -: {أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} قيل: أن يتقدم إلى طاعة الله، أو يتأخر إلى معصية الله تعالى.
والأصل: أن المرء جبل على حب المنافع لنفسه والخيرات، وعلى بغض الشر والمضار، ومن أحب شيئا طلبه، ومن أبغض شيئا اجتنبه، وهرب منه، وإذا طلب [شيئاً] تقدم إليه، وإذا هرب من شيء تأخر عنه؛ فكنى عن الطلب بالتقدم وعن الهروب بالتأخر؛ فقيل في تأويل قوله - عز وجل -: {يَتَقَدَّمَ} أي: [إلى] طاعة الله، تجدي إليه المنافع في الآخرة، وتجلب إليه المحاسن أو يتأخر عن طاعته؛ إذ في الإعراض عن طاعته إيقاع النفس في المهالك وأنواع الشدائد.
وجائز أن يكون قوله: {لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ}، معناه، يتقدم، ويتأخر بتخليق الله تعالى فعل التقدم والتأخير منه؛ فيكون فعلا له وكسبا؛ لوجوده في حيز قدرته، وخلقا لله تعالى؛ فيكون مثل قولنا، لا حجة علينا، في إضافته التقدم والتأخر إلينا، والله الموفق.