التفاسير

< >
عرض

عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ
١
عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ
٢
ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ
٣
كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ
٤
ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ
٥
أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً
٦
وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً
٧
وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً
٨
وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً
٩
وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً
١٠
وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً
١١
وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً
١٢
وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً
١٣
وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً
١٤
لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً
١٥
وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً
١٦
-النبأ

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ} اختلف في التساؤل.
فمنهم من ذكر أن التساؤل كان عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم، سألوا عن حاله: أهو نبي أم ليس بنبي؟
ومنهم من ذكر أن التساؤل كان عن القرآن: أنه من الله تعالى أو ليس من الله تعالى؟
أو يتساءلون فيما بينهم: هل تقدرون على إتيان مثله أم لا؟
وجائز أن يكون التساؤل عن أمر البعث، أو عن التوحيد، كما قال [الله] - تعالى - خبرا عنهم:
{ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً } [ص: 5]؟.
ثم جائز أن يكون هذا السؤال من أهل الكفر، سأل بعضهم بعضا، فاختلفوا فيه، ولم يحصلوا من اختلافهم على إصابة الحق؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: {كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ}، ولو كان فيهم مصدق، لكان قد وقع له العلم في ذلك الوقت؛ فلا يحتاج إلى أن يعلم ويبينه عليه.
فإن كان السؤال عن حال الرسول صلى الله عليه وسلم، فوجه اختلافهم أن بعضهم زعم أنه شاعر، وقال بعضهم: هوساحر، وقال بعضهم: مفتر كذاب، وادعا بعضهم أنه مجنون.
وجائز أن يكون السؤال من الكفرة للمؤمنين.
وإن كان على هذا فما ذكره أهل التفسير فهم بين مصدق ومكذب، يراد بالمكذب الذين صدر عنهم السؤال، ويراد بالمصدق أهل الإسلام الذين سئلوا.
ثم لا يجوز لأحد تحصيل السؤال على جهة واحدة، والقطع عليه بالتوقف الموجب للعلم.
ثم في قوله - تعالى -: {أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً} جواب عما سبق من السائل؛ [فإن كان السائل] عن أمر الرسالة، فحقه أن يحمل على جهة غير الجهة التي يحمل عليها إذا صرف التساؤل إلى أمر البعث، أو إلى أمر التوحيد أو القرآن.
والأصل فيه أن الله - تعالى - بما ذكر من مهاد الأرض، وخلق الأزواج ذكر عباده عظيم نعمه وكثرة إحسانه إليهم؛ ليستأدي منهم الشكر؛ فإذا وقعت لهم الحاجة إلى الشكر، [فيضطرهم ذلك إلى من بين لهم، و] احتاجوا إلى من يعرفهم [الوعد والوعيد] ومحل الشكور، ومحل الكفور، ومحل الموالي، ومحل المعادي؛ إذ وجدوا هذه الدنيا تمن على الأولياء، وعلى الأعداء على حالة واحدة، فاحتاجوا إلى من يعرفهم الوعد والوعيد، وأوجب ما ذكرنا القول بالبعث؛ ليظهر به منزلة الشكور والكفور.
وفي ذكر هذه النعم - أيضا - دلالة الوحدانية؛ لأن الله - تعالى - مهد الأرض، فجعلها متمتعا للخق، ومنقلبا لهم، وأخرج منها ما يتعيشون به، وجعل سبب الإخراج ما ينزل من السماء من القطر، فجعل منافع الأرض متصلة بمنافع السماء، فلو لم يكن مدبرهما واحد لانقطع الاتصال، ثم لو أراد أحد أن يعرف المعنى الذي [له] يقع إحياء الأشياء بالماء، لم يصل إليه، ولو أرادوا أن يتداركوا الوجه الذي صلح هذا الطعام أن يكون سببا لدفع الحاجات وقطع الشهوات، لم يقفوا عليه؛ فيكون فيما ذكرنا إزالة الشبه والشكوك التي تعترض لهم في الأمور الخارجة عن تدبيرهم وقواهم.
وقوله - عز وجل -: {كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ}:
منهم من ذكر أن هذا وعيد على وعيد، وقد ذكرنا أن حرف الوعيد ما يكرره العرب فيما بينهم للتأكيد، كما يقال: هيهات هيهات، وأولى لك فأولى.
وجائز أن يكون قوله: {كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ} على علم دلالة، وقوله - تعالى -: {ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ} على علم المشاهدة والعيان.
ثم قوله - تعالى -: {أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَٰداً}، أي: بساطا، {وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً} ذكر أن الأرض لما خلقت مادت بأهلها، فأرساها الله - تعالى - بالجبال؛ لطفا منه، لا أن جعلها سببا للإرساء؛ ألا ترى إلى قوله :
{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً } [طه: 105-107]، فقد جعلها في ذلك الوقت مستمسكة ثابتة مستقرة بدون الجبال؛ فثبت أنها ليست بسبب للإرساء في التحقيق، ويكون فيه تعريف الخلق وجوه الحيل في الأمور إذا تعذر عليهم الوصول إليها.
وقوله - عز وجل -: {وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً} قيل: ألوانا؛ فيكون في هذا إبطال الحكم بقول القائف؛ لأنهم يستدلون بالتشابه في الألوان، ويحكمون بها، فلو كان الأمر على ما قدروا، لارتفع الاختلاف في الألوان؛ فيكون الخلق كلهم على لون واحد.
وقيل: {أَزْوَاجاً}: فرقا شتى؛ ليعرف كل منهم عنصره، ومنتهى أصله.
وقيل: {أَزْوَاجاً}، أي: جعل لكل أحد شكلا من جنسه؛ فجعل للذكر أنثى زوجا من جنسه.
وقوله - عز وجل -: {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً}، قيل: السبات: التمدد.
وقيل: السبات: النوم الذي لا حركة فيه؛ ولهذا قيل للذي شبه بالميت: مسبوت.
وقيل: السبات: الراحة؛ ولذلك سمى: السبت؛ لأنه يوم راحة وترك العمل في بني إسرائيل.
ثم في إنشاء النوم دليل سلطانه، ودخول الخلق بأجمعهم تحت تدبيره؛ إذ لم يتهيأ لأحد الاحتراز من النوم حتى لا يعتريه؛ بل يقهر الجبابرة فيذلهم، ولا يمكنهم الخلاص عنه بالحيل والأسباب، ثم النوم كأنه من أثقل الأحمال وأشدها، ثم إذا زايل الإنسان، وعاد المرء إلى حال اليقظة، وجد في نفسه خفة وراحة ومن شأن هذا الإنسان: أنه إذا حمل الحمل الثقيل، مسه من ذلك فتور وكلال لا يزول عنه ساعة ما يضع الحمل عن نفسه؛ بل يبقى ذلك الكلال فيه إلى مدة، فمن تدبر في أمر النوم، دله على عظيم شأ،ه وعجائب تدبيره.
وقوله - عز وجل -: {وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً}، فهذا اللباس لباس الأعين لا غير؛ ألا ترى أنه لا يستغنى بلباس الليل عما أخذ عليه من اللباس للصلاة، ولا يعمل الليل عم اللباس المعروف في دفع أذى البرد والحر.
وقال بعضهم: اللباس: السكن؛ كما قال في آية آخرى:
{ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً } [الأنعام: 96] وكأن الذي حملهم على هذا التأويل هو أن تمام السكن والراحة يقع بالنوم؛ فصرفوه إليه.
وقوله - عز وجل -: {وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً}، أي: يتعيش فيه، لا أن يكون نفسه معاشا، كما سماه: مبصرا؛ لما يبصر به، لا أنه في نفسه مبصرا.
وقوله - عز وجل -: {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً}، أي: السماوات، فذكرهم؛ هذا لينبههم على قدرته وسلطانه؛ فعرفوا أنه فعال لما يريد، قادر على ما يشاء.
وقوله - عز وجل -: {وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً}، فكأن السراج هو الشمس هاهنا، جعلها تتوهج وتتلألأ ما بين السماء والأرض.
وقوله - عز وجل -: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً}: منهم من ذكر أن المعصرات هي السحاب التي أنشئ فيها القطر؛ يقال للجارية التي قد دنت حيضتها: معصرة، فشبه السحاب بمعاصر الجواري.
وقيل: سمى السحاب: معصرا؛ لأنه يعصر المطر.
وقيل: هي ذوات الأعاصير؛ يعني: الرياح، كقوله:
{ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ } [البقرة: 266]، أي: ريح.
وعن الحسن: هي السماوات.
وقال الزجاج: المعصر: هو الذي قد أتى وقت إرسال القطر منه؛ كما يقال: مجرز لما أتى وقت جرازه.
ثم في إنزال الماء من المعصرات تذكير النعم والقدرة والحكمة، وكل وجه من هذه الأوجه الثلاثة يوجب القول بالبعث:
فأما وجه تذكير النعم، فهو أن القطر ينزل من السماء متتابعا، ثم الله - تعالى - بلطفه يمنع اتصال بعض ببعض والتصاقه، ويرسل كل قطرة إلى الأرض بحيالها، وينزل بعضها على بعض؛ لينتفع بها، ولو التصق بعضها ببعض واصتل، لم يقم لها شيء؛ فكانت تصير سببا للتعذيب والإهلاك، فبفضله ورحمته أنزلها متتابعة؛ لينتفع بها الخلق، ويتمتعوا بها.
وفيه تذكير القوة والحكمة - أيضا - لأنه أنشأ السحاب الثقال، وساقه إلى الموضع الذي قدر أن يرسل القطر هنالك، ومعلوم أن ذلك الإرسال ليس من فعل السحاب؛ لأن السحاب يمتنع عن إرسال القطر حتى ينتهي إلى الموضع الذي أمر بإرسال القطر فيه، ولو كان ذلك للسحاب نفسه، لكان أينما مر يعمل في الإرسال، ولو كان ذا ثقب لكانت الريح متى دختل في الثقب أرسل السحاب ما أنشئ يه من القطر، فإذا لم يوجد ذلك بان أن الله - تعالى - بحكمته وقدرته ولطفه هو الذي أنشأ فيه ذلك، ودبر إرساله، لا أن يكون ذلك عمل السحاب، ولو أراد أحد من حكماء الأرض أن يعرف المعنى الذي له صلح ذلك السحاب أن يستمسك فيه القطر، ولا يستمسك في مكان آخر، لم يقف عليه، فذكرهم، ليعلموا أن حكمته ليست على الوجه الذي ينتهي إليه حكم البشر، ولا قدرته مقدرة بقوى البشر؛ بل هو قادر على ما يشاء، فعال لما يريد.
وفيه أن تدبير السماء والأرض والهواء يرجع إلى الواحد القهار؛ إذ لا يتهيأ لأحد أن يمنع القطر المرسل من السماء عن الوصول إلى الموضع الذي أمر أن ينتهي إليه.
والثجاج: القطر المتتابع بعضه على إثر بعض، والثج: الصب؟ والإراقة.
وقوله - عز وجل -: {لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً}:
جائز أن يكون ذكر الحب؛ لأن المقصود من زراعة ما يكون له الحب - الحب؛ فذكره؛ لما إليه ينتهى القصد، ويكون ذكر النبات منصرفا إلى ما لا حب له؛ لأن القصد من زراعته النبات لا غير.
وجائز أن يكون منصرفا إلى شيء واحد؛ لأن الذي فيه الحب فيه النبات أيضا.
وقوله - عز وجل -: {وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً} قد ذكرنا أن الجنة هي اسم المكان الملتف بالأشجار، وهي التي اجتمعت فيها الأشجار.