التفاسير

< >
عرض

وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً
١
وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً
٢
وَٱلسَّابِحَاتِ سَبْحاً
٣
فَٱلسَّابِقَاتِ سَبْقاً
٤
فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً
٥
يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ
٦
تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ
٧
قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ
٨
أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ
٩
يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي ٱلْحَافِرَةِ
١٠
أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً
١١
قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ
١٢
فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ
١٣
فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ
١٤
-النازعات

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً}، اختلف في تأويله:
فمنهم من حمل ذلك كله على الملائكة، فقال: {وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً} هم الملائكة الذين ينزعون أرواح الكفرة، ويغرقون إغراقا؛ أي: يشددون في النزع كما يغرق النازع في القوس، أو يشتد عليه شدة الأمر على الغريق، أو تنزع أرواح الكفرة فتغرق في النار.
قوله - عز وجل -: {وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً}، قيل: أي: ينشط أرواح الكفرة نشطا عنيفا، أي: تنزع ملائكة العذاب أرواح الكفرة من أجوافهم نزعا شديدا.
وقيل: هذا في حق المؤمنين أن الملائكة تنشط أرواح المؤمنين؛ أي: تحلها حلا رقيقا، كما ينشط من العقال؛ فيجبر بهذا عن خفة ذلك على المؤمنين، ويخبر بالأول عن شدته على الكافر.
وقوله - عز وجل -: {وَٱلسَّابِحَاتِ سَبْحاً} قيل: إن الملائكة يسلون أرواح الصالحين سلا رقيقا.
وقيل: الملائكة يسبحون بين السماء والأرض.
قوله - عز وجل -: {فَٱلسَّابِقَاتِ سَبْقاً}، أي: تسبق الملائكة إلى أرواح المؤمنين.
وقيل: {فَٱلسَّابِقَاتِ سَبْقاً} الملائكة الذين يسبقون بالوحي إلى الأنبياء، عليهم السلام.
وقيل: هم الكَرُوبِيُّون، الذين لا يفترون عن تسبيح رب العالمين.
وقوله - عز وجل -: {فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً}: هم الملائكة المكلون بأمور الخلائق وأرزاقهم.
ومنهم: من صرف تأويل الآيات إلى النجوم: أنهن النجوم اللاتي يطعلن من مطالعهن لحوائج الخلق، ولأمور جعلت لها، ويغربن في مغاربهن، ثم ينشطن إلى مطالعهن، فيطلعن منها؛ أي: لا يطلعن كرها؛ بل ناشطات لأمر الله - تعالى - إلى ما سخرن له.
{وَٱلسَّابِحَاتِ سَبْحاً}: النجوم أيضا، وسبحهن: دورانهن في الأفق لأمور، خفي ذلك على الخلق؛ لقوله:
{ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } [الأنبياء: 33].
وقوله: {فَٱلسَّابِقَاتِ سَبْقاً} أي: يسبق بعضها بعضا، أو تسبقن الشياطين بالرجم والطرد، لا تدعهن يقربون إلى السماء، وبه قال الحسن، والله أعلم.
ومنهم: من صرف تأويل الآيات إلى مختلف الأشياء، فقال: {وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً} هي القسي ينزعها الإنسان، فيغرق في نزعها، {وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً} هي الأَوْهاق تنشط بها الدابة تكون منه في جهة.
{وَٱلسَّابِحَاتِ سَبْحاً}: هي السفن.
{فَٱلسَّابِقَاتِ سَبْقاً}: هن الخيل.
{فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً}: هي الملائكة، وبه قال عطاء.
ومنهم: من صرفها إلى أنفس المؤمنين وأرواحهم، فقال: {وَٱلنَّازِعَاتِ}: هي الأنفس التي تغرق في الصدر، {وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً} حين تنشط من القدمين.
وقيل: إن أنفس المؤمنين ينشطن إلى الخروج عن الأبدان إذا عاينوا ما أعد لهم في الجنة.
{وَٱلسَّابِحَاتِ سَبْحاً}: هي أرواح المؤمنين، سميت: سابحات؛ لسهولة الأمر عليها، كما يسهل الخروج من الماء لمن يعلم السباحة.
وقوله: {فَٱلسَّابِقَاتِ} - أيضا -: هي أرواح المؤمنين، سميت: سابقات؛ لما تكاد تسبق فتخرج قبل وقتها؛ لما تعاين من كرامات الله تعالى وما ينتشر من الخير؛ يؤيد هذا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر" .
وقيل: ذلك عند موتة المؤمن إذا حضره الموت صار في ذلك الوقت كالمسجون الذي يتمنى الراحة والخلاص منه؛ لأنه يرى ما أعد له من الثواب؛ فتتهوع نفسه تود لو خرجت حتى تصل إلى ما أعد لها من الكرامة، والكافر إذا رأى عندما حُضِرَ جعل يبتلغ نفسه؛ كراهة أن يخرج، فتصير الدنيا في ذلك الوقت كالجنة له فيما لا يجب مفارقها من شدة ما يرى من عذاب الله تعالى.
وعلى هذا قيل في تأويل قوله - عليه السلام -:
"من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومنه كره لقاء الله كره الله لقاءه" : إن ذلك عند الموت [أن المؤمن إذا حضره الموت] ورأى ثوابه من الجنة، ود أن تخرج نفسه؛ فيحب لقاء الله تعالى، ويحب الله لقاءه، والكافر يكره في ذلك الوقت أن تخرج نفسه، فذلك حين كره لقاء الله، وكره الله لقاءه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً}، قالوا جميعا: المراد منها الملائكة الموكلون بأمور الخلق وأرزاقهم، ونحو ذلك، والله أعلم.
ثم اختلف في الذي قصد إليه باليمين والقسم:
فمنهم من ذكر أن الذي وقع عليه القسم قوله - عز وجل -: {لَمَرْدُودُونَ فِي ٱلْحَافِرَةِ} على معنى: إنكم مبعوثون، وأن القيامة حق، فكأنه أقسم بهذه الأشياء أهم لمبعوثون، وأضمر الجواب هاهنا؛ لما دل عليه المعنى؛ فاكتفى به.
ومنهم من ذكر أن القصد من اليمين قوله: {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ}، فأقسم بما ذكر أن النخفتين كائنتان: فالنفخة الأولى يموت بها الخلق، والنفخة الثانية؛ لإحياء الأموات، والراجفة هي النفخة، فجائز أن يكون على حقيقة النفخة؛ فتكون النفخة علامة الموت والحياة، لا أن تكون علة الإماتة والإحياء.
ثم اختلفوا بعد هذا:
فمنهم: من يحمله على التحقيق؛ فيزعم أن النفخة الأولى يهلك بها الخلق، والنفخة الثانية يحيا بها الخلق.
ومنهم من ذكر أن النفخات ثلاث: فالنفخة الأولى؛ للتفزيع والتهويل؛ قال الله - تعالى -:
{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ... } الآية [الحج: 1-2]، والنفخة الثانية يهلك بها الخلق بقوله: { وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ... } الآية [النمل: 87]، والنفخة الثالثة يحيا بها الخلق بقوله: { ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } [الزمر: 68].
ومنهم من ذكر أن هذا ليس على تحقيق النفخ؛ بل على التمثيل، فمثل به إما لخفة البعث والإحياء على الله - تعالى - وسهولته كفخة النفخ على النافخ.
أو مثل به؛ لسرعته؛ كما قال تعالى: {وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} [النحل: 77].
وقالوا: الرجفة: هي الزلزلة: والتحرك، {تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ} وهي الزلزلة الأخرى.
ثم إن كان القسم على إثبات البعث، ففيها ذكر إشارة إلى أحوال البعث وأفعالها، وإن كان موجفة، على قوله: {يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} فكأنهم سألوا: كيف تكون القلوب في ذلك اليوم؟ فقال: تكومن واجفة، والواجفة: الخائفة الوجلة.
وقوله - عز وجل -: {أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ}، أي: ذليلة.
ووجه تخصيص الأبصار والقلوب - والله أعلم -: هو أنه لا يتهيأ لأحد استعمال قلبه وبصره، بل يحدث للقلوب فِكَرٌ وبدوا لا يمكنه أن يدفع عنها الفكر، وكذلك هذا في البصرح فيخبر أن ما نزل بهم من الخوف والهيبة يمنع القلوب والأبصار عن عملها؛ فلا تنظر إلا إلى الداعي، ولا يحدث للقلوب فكر، بل تكون الأفئدة هواء، لا تقر؛ لشدة ما حل بها [من الخوف]؛ إذ المرء إذا أحزنه أمر فهو يعمل أنواعا من الحيل ويوقع بصره على شيء فشيء؛ رجاء أن يستدرك ما فيه خلاصه وسلامته من ذلك الأمر؛ ثم ينقطع عنهم التدبير في ذلك اليوم؛ فتكن القلوب هواء لا تقر في موضع، ولا تقف على تدبيره؛ لشدة ما حل بهم، وتكون الأبصار خاشعة ذليلة إلى ما يدعو الداعي.
وقوله - عز وجل -: {يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي ٱلْحَافِرَةِ}، أي: يقولون: أئنا لنرد إلى ما كنا عليه في الدنيا في ابتداء الأمر خلقا جديدا؛ يقال: أتى فلان فلانا، فرجع على حافرته؛ يقول: على مجيئه الأول.
ويقال: النقد عن الحافرة؛ أي: عند أول البيع والكلام، فقالوا هذا على جهة الإنكار بالبعث والاستهزاء به.
قال أبو بكر: هذا مأخوذ من حافر الدابة، وهو أن الفارس يمكنه أن يصرفها بحافرتها إلى الموضع الذي ابتدأ السير منه من وراء.
وقوله - عز وجل -: {أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً} و(ناخرة)؛ فالناخرة: هي البالية التي لم تفتت بعد، والنخرة هي التي صارت رفاتا ودرست حتى تنسفها الريح.
وقوله - عز وجل -: {قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ}، قال الحسن وأبو بكر: هذا منهم تكذيب للبعث؛ أي: لا يكن أبدا.
وقال غيرهما: معناه: أن لو كانت كرة كما يزعمها المسلمون فهي كرة خاسرة على المسلمين؛ لأنهم ظنوا أنهم إذا كانوا في الدنيا أنعم حالا وأرغد عيشا، وكان المسلمون في ضيق من العيش وشدة من الحال - أن يكونوا كذلك في الآخرة؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -:
{ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً } [الكهف: 36] فكانوا يظنون أنهم بما أنعم الله - تعالى - عليهم إنما أنعم؛ لأنهم أقرب منزلة، وأعظم درجة من المؤمنين؛ إذ لا يجوز أن يضيق على أوليائه، ويوسع على أعدائه، فإذا وسع عليهم ظنوا أنهم هم المفضلون في الدنيا والآخرة، وأن من خالفهم هم الأخسرون.
ومنهم من قطع هذا الكلام عن مقالة الكفرة، وزعم أن هذا الوصف راجع إلى الكفرة، فقيل: خاسرة؛ لما خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم، وخاسرة، أي: مخسرة.
وقوله - عز وجل -: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ}، ففيه إخبار عن سرعة كون ذلك الوقت وسهولته على الله تعالى.
وقوله - عز وجل -: {فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ}، قيل: الساهرة: هي وجه الأرض.
وجائز أن يكون أريد بهذا أن العيون تسهر في ذلك اليوم، ولا يعتريها النوم؛ بل تكون مهطعة إلى الداعي ذليلة.