التفاسير

< >
عرض

فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلْكُبْرَىٰ
٣٤
يَوْمَ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ مَا سَعَىٰ
٣٥
وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ
٣٦
فَأَمَّا مَن طَغَىٰ
٣٧
وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا
٣٨
فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ
٣٩
وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ
٤٠
فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ
٤١
يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا
٤٢
فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَٰهَا
٤٣
إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَٰهَآ
٤٤
إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَٰهَا
٤٥
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَٰهَا
٤٦
-النازعات

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلْكُبْرَىٰ} قال: الطامة: هي الصيحة، سميت: طامة؛ لأنها تطم الأشياء وتعمها، وسميت: كبرى؛ لأنها إن طمعت بالعذاب فهو يدوم ولا ينقطع، وإن أحاطت بالثواب والكرامة فهو يدوم ولا ينطقع؛ فسميت: كبرى؛ لدوامها.
وقوله - تعالى -: {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ مَا سَعَىٰ}: ما عمل، وتذكره يكون بوجهين:
أحدهما: بقراءته كتابه؛ [كقوله تعالى]:
{ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً } [الإسراء: 14] والتذكر الثاني يكون بالجزاء.
فالتذكر الأول يكون باللطف من الله تعالى، وإلا فالمرء قد يكتب أشياء، ثم ينساها إذا طالت المدة، ولا يتذكر بالقراءة، ففيما لم يتول كتابته أحق ألا يتذكر، لكن الله - تعالى - بلطفه يذكره بالقراءة؛ فيعرف به صدق ما كتبته الملائكة، ويعرف أنه إذا عوقب، عوقب جزاء ما كسبته يداه، ويكون الجزاء أبلغ في التذكير؛ فيتذكر في ذلك الوقت، أيضاً.
وقوله - عز وجل -: {وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ} وقرئ (لمن ترى) فتضيف الرؤية إلى الجحيم؛ كقوله:
{ إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً } [الفرقان: 12].
وقوله - عز وجل -: {لِمَن يَرَىٰ} جائز أن يتكون الرؤية كناية عن الدخول؛ فيكون قوله: {لِمَن يَرَىٰ} أي: لمن يدخلها ويحضرها، وهو كقوله:
{ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } [الأعراف: 56]، ومعناه: أن رحمة الله للمحسنين، وقال تعالى: { وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ } [الأعراف: 19]، وأريد بالقرب: التناول؛ فكنى عنه بالقرب؛ فجائز أن تكون الرؤية هاهنا كناية عن الدخول والحضور؛ فيكون فيه إخبار عن إحاطة العذاب بجميع أبدانهم.
وجائز أن يكون أهل الرؤية هم أهل الجنة، فيرونها مشاهدة؛ فيتلذذون بذلك لما نجوا وفازوا بالنعيم، كما تألموا بذكرها عندما كانت غائبة لا يرونه؛ قال الله تعالى:
{ وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } [المؤمنون: 60]، وقالوا: { إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا... } الآية [الطور: 26-27].
وقوله - عز وجل -: {فَأَمَّا مَن طَغَىٰ}، أي: عصى، وتمرد.
أو طغى بأنعم الله - تعالى - فاستعملها في معاصيه، أو جاوز حدود الله.
وقوله - عز وجل -: {وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} جائز أن يكون إيثاره أن يبتغي بمحاسنه الحياة الدنيا حتى أنساه ذلك عن الآخرة، وإذا ابتغى بها الحياة الدنيا، لم يبق له في الآخرة نصيب؛ لأنه قد وفى له عمله؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -:
{ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا } [هود: 15].
وقوله - عز وجل -: {فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ}، أي: يأوي إليها.
وقوله - تعالى -: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ}:
جائز أن يكون أريد بالمقام حساب ربه أو مقامه عند ربه، فأضيف إلى الله تعالى؛ لأن البعث مضاف إليه، فكل أحواله أضيف إليه أيضا.
وجائز أن يكون الخوف راجعا إلى الحالة التي هو فيها؛ فيخاف أن يكون مقامه في موضع نَهَى الله تعالى عن المقام فيه.
وقوله - عز وجل -: {وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ}، ليس هذا نهيَ قول، وإنما نهيه إياها أن يكفها عن شهواتها ولذاتها، وكفها أن يشعرها عذاب الآخرة، ويخوفها آلامها وعقابها، فإذا فعل ذلك سهل عليها ترك الشهوات الحاضرة، وسهل عليها العمل للآخرة، والناس في نهي النفس عن هواها على ضربين.
فمنهم من يقهرها فلا يعطيها شهواتها، فهو أبدا في جهد وعناء.
ومنهم من يذكرها العواقب ويريها ما أعد لأهل الطاعة، ويعلمها ما يحل بالظلمة؛ فيصير ذلك لها كالعيان؛ فتختار لَذَّات الآخرة على لذات الدنيا؛ إذ ذلك أدوم وألذ، ويسهل عليه العمل للآخرة، والهوى هو ميل النفس إلى شهواتها ولذتها؛ ففيه أن الأنفس جبلت على حب الشهوات والميل إ ليها، ولا تنتهي عن ذلك إلا بما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ}:
هي القيامة، سميت: ساعة؛ لما يخف أمرها على من إليه تدبيرها.
أو سميت: ساعة؛ لسرعة كونها إذا أتى وقتها.
أو سميت: لقربها إلى الحالة التي كانوا عيها؛ كقوله تعالى:
{ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ } [النحل: 1].
ثم إن كان هذا السؤال من المؤمنين فهو سؤال استهداء، كأنه لما قيل لهم:
{ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ } [الانفطار: 1]، و { إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ } [الانشقاق: 1]، قالوا: متى تكون الساعة؟ فنزلت هذه الآية.
وجائز أن يكون السؤال من الكفرة؛ لما ذكرنا أنه ليس في تبيين وقتها كثير منفعة حتى تقع الحاجة للمسلمين إلى تبيينه بالسؤال؛ فيسألونه سؤال استهزاء واستخفاف برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسألونه استعجالها بقوله:
{ يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا } [الشورى: 18]؛ فكانوا يسألونه عن شيء يعلمون أنهم متعنتون في السؤال؛ قصدا منهم للتمويه والتلبيس على الضعفة والأتباع؛ لأنهم كانوا يعلمون أن ذلك الوقت ليس هو وقت مجيء الساعة، فإذا طلبوا الاستعجال علما أنه لا يتهيأ له أن يريهم في ذلك الوقت؛ إذ ذلك يخرج مخرج خلاف الوعيد؛ فيحتجون عل الضعفة أنه لو كان صادقا في مقالته: إن الساعة تكون، لكانوا متى طلبوا مجيئها، يأتيهم بها.
وقوله - عز وجل -: {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَٰهَا}، أي: لست أنت من علمها في شيء.
هذا إن ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطلع عليها [أو لست أنت من أخبرها في شيء؛ إذا لم يثبت، ولم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطلع عليها].
وقوله - عز وجل -: {إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَٰهَآ}، أي: منتهى علمها؛ فيكون هذا نهياً للسائلين عن العود إلى السؤال.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَٰهَا} فهو صلى الله عليه وسلم كان منذرا للعاملين جملة بقوله:
{ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً } [الفرقان: 1]، لكنه ينتفع بإنذاره من يخشى الإنذار.
وقوله - عز وجل -: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَٰهَا} قال أهل التأويل في هذه الآية: إنهم إذا رأوا الساعة، استقصروا هذه الأيام، وقلت الدنيا في قلوبهم حين عاينوا الآخرة.
وجائز أن يكون تأويله: أنهم لو أرادوا الساعة للحالة التي هم فيها، لم يلبثوا فيها إلا عيشة أو ضحاها، فلا يقع ذلك موقع التهويل والتخويف، والله أعلم [بالصواب، وإليه المرجع والمآب].