التفاسير

< >
عرض

فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ
١٥
ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ
١٦
وَٱللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ
١٧
وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ
١٨
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ
١٩
ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ
٢٠
مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ
٢١
وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ
٢٢
وَلَقَدْ رَآهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ
٢٣
وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ
٢٤
وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ
٢٥
فَأيْنَ تَذْهَبُونَ
٢٦
إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ
٢٧
لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ
٢٨
وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ
٢٩
-التكوير

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ * ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ}: الأشياء التي وقع بها القسم تقتضي أحكاما ثلاثة.
أحدها: ما من شيء خلقه الله - تعالى - إلا وفيه دليل وحدانيته، وآية ربوبيته، إذا أنعم النظر فيه، ويثبت علمه وحكمته، ويدل على قدرته وسلطانه، وفي تثبيت القدرة والسلطان إيجاب القول بالبعث، وإيجاب القول بالرسل، ونهي عن عبادة غير الله، فلو أنعموا النظر فيها وتفكروا في أمرها، لأداهم ذلك إلى القول بالبعث، ودعاهم إلى وحدانية الرب والإقرار بالرسل؛ فلا يدعون أن معه آلهة أخرى، ولا كانوا ينكرون البعث، ولا يكذبون الرسول؛ فأقسم بهذه الأشياء على التأكيد لحججه؛ ليعلموا أنه رسول من عنده، أو أن القرآن من عنده، أو أن الأوامر من عنده، أو الرسول من عنده.
أو يكون القسم تلقينا من الله تعالى - لرسوله بأن يقسم لهم بهذه الآشياء؛ ليزيل عنهم الشبه والشكوك التي اعترضت للكفرة في أمره - عليه السلام - ويدعوهم إلى النظر في حججه وآياته.
ثم القسم بما لطف من الأشياء ودق، وبما كثف وغلظ، وبما كبر وصغر، وبما ظهر وخفي، تنفق كلها في إزالة الشبهة وإثبات التوحيد والرسالة والبعث، بل الأعجوبة فيما لطف من الأشياء أعظم منها فيما كثف وغلظ، فأقسم مرة بالكواكب، ومرة بظلمة الليل وما يضحى، وبما شاء من خلقه؛ إذ الخلائق كلها في الشهادة على وحدانيته وإثبات ربوبيته وإثبات علمه وحكمته وقدرته وسلطانه - متفقة.
ولأن ما لطف من الأشياء وخفي منها يتصل بما ظهر منها، فيتضمن ذكر ما خفي منها واستتر ذكر ما ظهر منهاـ وفي ذكر ما ظهر منها ذكر منشئها؛ فيكون القسم في الحقيقة بالله تعالى.
ثم اختلف في (الخنس) و(الكنس):
قال أبو بكر: إن (الخنس) هي النجوم تخنس بالنهار، وتظهر بالليل.
وقال الحسن: الخنس: هي النجوم اللاتي يطلعن في مطالها ويغبن في مغاربها، و{ٱلْكُنَّسِ}: هي النجوم اللاتي يطلعن في مطالعها [ثم] يكنسن ويختفين إلى أن يعدن إلى مطالعهن فيطلعن.
وقيل: {بِٱلْخُنَّسِ * ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ} هي خمس كواكب لهن مجار في السماء يظهرن بالليل ويستترن بالنهار، وسائر الكواكب ثوابت.
ثم قيل: الخنوس والكنوس واحد، وهو الاختفاء والغروب في مغاربها والدخول فيها.
وقيل: الخنوس: الاختفاء، والكنوس: التأخر، وكذا قال الفراء: هي النجوم الخمسة تخنس في مجراها، وترجع.
وفي حديث كعب: "فتخنس بهم النار كما تخنس النجوم الخنس"، أي: تحيد بهم وتتأخر، والله أعلم.
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: هي الوحوش اللاتي تخنس من الإنس، وتكنس في مكانسهن، وأيما كان فهي كلها دالة على الوجوه التي ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: {وَٱللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} قيل: إذا أقبل؟
وقيل: إذا أقبل وإذا أدبر.
وقوله: {وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ}: إذا انفجر، وإذا ارتفع، وفي إقبال الليل وإقبال النهار تثبيت القدرة والسلطان؛ وذلك أن ظلمة الليل إذا غشت سترت عن وجوه الأشياء وكشف [النهار] عنها الستر، ولو أراد أحد أن يغطي الأشياء كلها بالحيل والأسباب لم يتمكن منها، ولو أراد نزع الغطاء عنها، لم يملك، فذكرهم هذا؛ ليعلموا أن من بلغت قدرته هذا لا يعجزه أمر، ولا يتعذر عليه البعث؛ بل هو قادر على إحيائهم وبعثهم.
وقوله - تعالى -: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} فموضع القسم على هذا، وعلى قوله - تعالى -: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ}.
ثم تأويل قوله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}، أي: هذا الذي أتاكم به محمد صلى الله عليه وسلم تلقاه عن رسول كريم على ربه، وهو جبريل - عليه السلام - ثم نسب هاهنا إلى الرسول؛ لما سمع منه، ولم يكن من قبله، وقال في آية أخرى:
{ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ } [التوبة: 6] فسماه: كلام الله؛ على الموافقة، أو لما أن ابتداءه يرجع إليه، لا أن يكون المسموع كلامه، كما يقال: هذا قول أبي حنيفةرحمه الله ، وهذا قول فلان الشاعر، وليس الذي سمعته قول من نسب إليه، ولكن نسب إليه؛ لأن ابتداءه يرجع إليه؛ فكذلك سمي: كلام الله؛ لأنه يدل على كلامه، ولما يرجع إليه ابتداؤه، لا أن يكون هو نفس كلامه.
وقوله - عز وجل -: {ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ} وفي وصفه بالقوة فائدتان:
إحداهما: ما ذكرنا أن فيه بيان الأمن عن تغيير يقع فيه من الأعداء من الجن والشياطين والإنس، يحتجز عنهم بقوته؛ فلا يتمكنون منه حتى يغيروه ويبدلوه، ووصفه بالأمنة في نفسه ليأمن الخلق ناحيته.
أو وصفه بالقوة على التخويف والتحذير للذين عادوا محمدا صلى الله عليه وسلم فيخبرهم أن معه من يدفع عنه شرهم وكيدهم إن هموا ذلك به.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل - عليه السلام -:
"إن الله تعالى وصفك بالقوة فما أثرك قوتك؟ فقال: لما أمرني الله تعالى بإهلاك قوم لوط - عليه السلام - فقلعت قرياتهم ورفعتها بجناح واحد إلى السماء ثم قبلتها" .
وليس بنا إلى أن نعرف قوته حاجة، وإنما بنا الحاجة إلى أن نعرف ما المعنى والحكمة في ذكر قوته؟!.
وقوله - عز وجل -: {عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ}: إن كان المراد من العرش: الملك، فمعناه: عندي ذي الملك مكين؛ أي: ذو قدرة ومنزلة.
وقيل: العرش: السرير، فإن كان كذلك، فتأويله: أنه مكين عند من له سرير الملك.
وقوله - عز وجل -: {مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} قيل: إن جبريل - عليه السلام - رسول إلى الملائكة كما هو رسول إلى الناس، فإن كان كذلك ففيه إخبار أن الملائكة الذين يعبدها بعض الكفرة يطيعون جبريل - عليه السلام - فيما يأرمرهم وينهاهم، فما بالهم يتركون طاعته والائتمار بأمره؟!.
وقوله - عز وجل -: {ثَمَّ أَمِينٍ}، أي: هم يأتمنونه، ولا يتهمونه في شيء مما يجيء به إليهم، فكيف يتهمه هؤلاء فيما يأتي إلى الرسول من الوحي؟!.
وقوله: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} منهم من يقول بأن الكفرة نسبوه إلى الجنون حين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته فغشي عليه، وكان يتغير في كل مرة يأتي به جبريل - عليه السلام - بالوحي لون وجهه؛ فينسبونه إلى الجنون لهذا.
ومنهم من يقول: إما نسوبه إلى الجنون؛ لأنه أظهر المخالفة لأهل الأرض، وكان في أهل الأرض الجبابرة والفراعنة الذين من عادتهم القتل والتعذيب لمن أظهر الخلاف لهم؛ فكان ذلك منه مخاطرة بنفسه وروحه؛ حيث انتصب لمعاداة من لا طاقة له بهم، ومن قام بخلاف من لا طاقة له به، وانتصب لمعاداته، فذلك منه حمق وجنون في الشاهد؛ فنسبوه إلى الجنون لهذا.
ومنهم من ذكر أنهم لم ينسبوه إلى الجنون لما ذكرنا، ولكن شدة سفههم هو الذي حملهم على هذا؛ فنسبوه إلى الجنون مرة، وإلى أنه ساحر أخرى، ومرة قالوا: علمه بشر، ومرة قالوا:
{ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ } [ص: 7]؛ فكانوا ينسبونه إلى كل ما ذكرنا، لا عن بحث منهم في حاله، ولكن على السفه والعناد؛ ألا ترى أنهم نسبوه إلى الجنون مرة، وإلى السحر ثانيا، وهما أمران متناقضان؛ لأن الساحر هو الذي بلغ في العلم غايته، والجنون هو النهاية في الجهل، ولو كانوايقولونه عن بحث وتدبر لكانوا لا يأتون بالمختلف من القول؛ فيظهر جهلهم لمن يريدون صده عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، بل كانتوا يتفقون على كلمة واحدة، فيصدرون عنها حتى يقع التلبيس منهم موقعه؛ فيصلون إلى مرادهم من صد الناس عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم.
وكذلك فيما زعموا أنه علمه بشر، وأنه إفك افتراه؛ أتوا بالمختلف من القول؛ لأن اختلافه وافتراءه يثبت أنه عالم بنفسه، مستغنٍ عن تعليم غيره، وحاجته إلى أن يتعلم من غيره تثبت عجزه وجهله عن الاختلاق بنفسه، فهذا كله يدل على أنهم لم ينسبوه إلى الجنون لأعلام ظهرت لهم منه، ولكنهم قذفوه بكل ما حضرهم؛ سفها منهم وعنادا.
ثم إن كانوا نسبوه إلى الجنون لما غشي عليه عندما رأى جبريل - عليه السلام - على صورته فقد أتاهم بما لم تفكروا فيه لعلموا أنه ليس بصاحبهم جنة؛ كما قال [الله] - تعالى -:
{ قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ } [سبأ: 46]، وذلك أنه أتاهم بحكم عجز حكماء الإنس والجن [عن] إتيان مثله، وأتاهم بكتاب عجز أهل الكتاب عن إتياه مثله، فلو تفكروا فيه لعلموا أنه ليس من فعل المجانين، ولا من علومهم، ولكنه من عند الله أكرم به.
وإن كانوا بما نسبوه إلى الجنون لما خاطر بروحه، فهم - بحمد الله تعالى - لم يتهيأ لهم أن يمكروا به، ولا أن يقتلوه؛ بل أظفره الله عليهم، وأظهره على الدين كله؛ فصار ذلك الوجه الذي به نسبوه إلى الجنون آية رسالته، وعلم نبوته.
وقوله - عز وجل -: {وَلَقَدْ رَآهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ} قال الحسن: إنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه بقلبه؛ أي: عظمته وسلطانه من وجه لا يقع به تشابه، وخص بالأفق؛ لأنه من الأفق تنزل البركات وتنزل الملائكة وأنواع الخير كلها، والمراد من ذلك الأماكن كلها.
وغيره من أهل التفسير صرف الرؤية إلى جبريل، عليه السلام.
وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل جبريل - عليه السلام - أن يراه على صورته، فقال له جبريل - عليه السلام -: "إن الأرض لا تسعني، ولكن إذا صليت الفجر، فانظر إلى أفق السماء؛ فهنالك تراني"، ففعل فرآه على صورته، ثم دنا منه، فكان قاب قوصين أو أدنى، فذكر الأفق؛ لأن الشيء من البعد لا يتهيأ أن يرى من أقطار الأرض؛ لذلك خصت الأفق؛ إذ كذلك تقع رؤية ما بعد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ}، وقرئ (بظنين).
قال أبو عبيد: والظنين أولى؛ [لأن الظنين] هو المتهم، والضنين: البخيل، ولم نيسب أحد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البخل حتى ينفي عنه البخل بهذه الآية، وقد كنوا يتهمونه على الغيب، وهو القرآن، فكانوا يقولون: علمه بشر، وليس من عند الله، ويقولون - أيضا -: إن هذا إلا إفك افتراه؛ فبرأه الله تعالى مما قالوا بقوله: {وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ}.
ومن قرأه بالضاد فهو يحتمل أوجها:
أحدها: ما ذكره أبو بكر الأصم، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يضن بشيء علمه الله - تعالى - عن أحد من أصحابه كما يفعله غيره من العلماء؛ لأن العلماء لا يريدون أن يعلموا من اخلتف إليهم كل ما عندهم من العلوم حتى يُستغنى عنهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يود أن يعلم جميع ما علم من العلوم أصحابه؛ فكان يقوم على تعليم كل منهم بقدر طاقته، ولم يكن يمتنع عن التعليم بُخلآ منه وضنّاً.
وجائز أن يكون برأه الله - تعالى - من هذا؛ لما علم أنه يكون في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خص بعض أصحابه بتعليم أشياء لم يطلع عليها غيرهم، وتخصيص بعض دمون بعض بتعليم ما عنده بخل في الشاهد؛ فكان في قوله: {وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ} تكذيب أولئك الذين يدعون هذا، وهذا كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته" ، فكأنه قال هذا لما علم أنه يكون في أمته من يتقدم الشهر بالصيام، فقال هذا؛ ليعرف خطأ من يتقدم الشهر بالصيام عل الخطأ والجهالة، ليس على إصابة الحق؛ فعلى ذلك الحكم فيما ذكرنا.
ثم صرفوا تأويل الغيب إلى القرآن، وهو عندنا في القرآن وفي غيره من الأشياء التي أطلع الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم عليها.
وجائز أن يكون الضن منصرفا إلى الشفاعة التي أكرم الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم بها، فهو لا يخص بعض أمته دون بعض بالشفاعة، بل يعمهم جميعا؛ فيكون في هذا تحريض على الاتباع له، والانقياد لطاعته.
ويحتمل وجها آخر: وهو أنه ليس بضنين في أداء شكر ما أنعم الله - تعالى - عليه؛ حيث غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، بل اجتهد في أداء شكره حتى ذكر أنه تورمت قدماه من طول القيام، فقيل له: ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟!. فقال: "أفلا أكون عبدا شكورا؟!".
وقوله - عز وجل -: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} يحتمل وجهين:
أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس من شياطين الإنس، ولا بمجنون كما ذكرتم؛ بل هو رسول كريم.
أو الذي أتاكم به من القرآن لم يتلق من الشياطين، ولا هو من قبلهم كما تلقته الكهنة والسحرة من أقوالهم؛ بل هو ذكر من الله - تعالى - للعالمين أنزله الروح الأمين القوي الذي لا يصل إليه الشيطان فيغيره ويبدله.
وقوله - عز وجل -: {فَأيْنَ تَذْهَبُونَ}، أي: فأين تذهبون عن طاعته واتباعه والانقياد له وقد أتاكم ما يلزمكم طاعته واتباعه.
وقوله - عزو جل -: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}، أي: عظة للعالمين، يذكرهم بما يحق عليهم في حالهم، ويبين لهم ما يؤتى وما يتقى، وما تصير إليه عواقبهم.
أو أن يكون قوله: {ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}، أي: شرف لهم، يشرف قدرهم به، ويصيرون أئمة يقتدى بهم ويختلف إليهم؛ ليتعلم منهم، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: {فَأيْنَ تَذْهَبُونَ} يحتمل أوجها غير ما ذكرنا:
أحدهما: أن هذا القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم تلقاه من رسول كريم على الله - تعالى - فإذا لم تؤمنوا به، ولم يتقبلوه فما ذهبتم إلا إلى قول شيطان رجيم.
ويحتمل {فَأيْنَ تَذْهَبُونَ}؟ وإلى من تفزعون إذا أتاكم بأس الله - عز وجل - ونقمته إذا لم تؤمنوا بالله تعالى، وأنكرتم البعث، ولم تصدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبركم به؟! فإذا حل بكم ما أنذركم به فإلى من تلجئون؟! وهو كقوله - تعالى -:
{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } [الملك: 28].
أو إذا لم تؤمنوا بالله - تعالى - ولم تتبعوا ما أتاكم به محمد صلى الله عليه وسلم وقد تقرر عندكم صدقه أنما أتاكم من الآيات بالمعجزة، فبأي حديث تصدقونه بعد ذلك وتذهبون إليه؟! وهو كقوله تعالى:
{ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ } [المرسلات: 50]؟!.
وقوله - عز وجل -: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} معناه - والله أعلم -: أن هذا القرآن ذكر لمن شاء أن يستقيم من العالمين، فهو في نفسه ذكر وآيات وهدى، ولكن ينتفع بهذا الذكر من شاء الاستقامة، ويهتدي به من طلب الهداية؛ قال - تعالى -:
{ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } [البقرة: 2] وهو في نفسه هدى، ولكن يهتدي بهداه المتقون، ومن ليس بمتقٍ فهو عمى عليه ورجس، وقال: { إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ } [يس: 11]، وهو كان ينذر من اتبع ومن لم يتبع، ولكن معناه: أنه ينتفع بالذي تنذر به من اتبع الذكر، وقال: آيات لأولي الأبصار، وهي في أنفسها آيات، ولكن ينتفع بآياته أولو الأبصار.
وقوله - عز وجل -: {لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يحمل على تحقيق المشيئة، ويكون تأويله: أن من أراد الاستقامة على أمر الله - تعالى - أو على الحق، فهذا الذكر - وهو القرآن - يقيمه على الحق وعلى الأمر، ويهديه إلى ذلك.
أو أن يكون هذا على تحقيق الفعل؛ فيكون معناه: من استقام منكم على الحق والأمر فهو ذكر له.
والأصل أن المشيئة وصف فعل كل مختار، وإذا كان هكذا، صارت المشيئة مقترنة [بالفعل]، فإذا فعل فقد شاء؛ فكان في إثبات الفعل إثبات المشيئة؛ لذلك استقام حمله على ما ذكرنا، وهو أن يجعل أحدهما كناية عن الآخر.
وقوله - عز وجل -: {وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ}، فإن كان قوله: {لِمَن شَآءَ مِنكُمْ} على تحقيق المشيئة، فمعناه، أنكم لا تشاءون الاستقامة - على ما ذكرنا - إلا أن يشاء الله.
وإن كان على تحقيق الفعل، فتأويله: أنكم ما استقمتم على الطريقة إلا بمشيئة الله تعالى.
وقال بعضهم: تأويل قوله: {وَمَا تَشَآءُونَ}، أي: لم تكونوا تشاءون إنزال هذا الكتاب، فأنزله الله تعالى على رسوله - عليه السلام - بغير مشيئتكم.
وهذا غير محتمل عندنا؛ لأنه قد سبق من القوم الإرادة والسؤال بإرسال الرسول إليهم بقوله:
{ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ } [فاطر: 42]، فثبت أنه قد سبق منهم السؤال بإرسال الرسول وإنزال الكتاب عليه، لكن تأويله ما ذكرنا.
ثم في هذه الآية دلالة أن كل من شاء الله تعالى منه الاستقامة توجد منه الاستقامة، ولا يجوز أن يشاء من أحد استقامته ولا يستقيم، كما قالت المعتزلة؛ لأن الله - تعالى - مَنَّ على من استقام بمشيئته استقامته، فلو لم توجد الاستقامة من كل من شاء منه الاستقامة، لم يكن للامتنان معنى؛ لأن الاستقامة وغير الاستقامة تكون به، لا بالله تعالى، والله المستعان، [ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم].