التفاسير

< >
عرض

إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ
١٢
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ
١٣
وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ
١٤
ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ
١٥
فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ
١٦
هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ
١٧
فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ
١٨
بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ
١٩
وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ
٢٠
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ
٢١
فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ
٢٢
-البروج

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ}، أي: أخذه للانتفام شديد، يشتد على الذي يعذب؛ كقوله - تعالى -: { وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } [هود: 102].
وقوله: {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ}.
قال بعضهم: يبدئ العذاب، ثم يعيده.
وقال بعضهم: يبدئ الخلق، ثم يعيده بعدما أماته.
وقوله: {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ} الغفور: هو الستور يستر على المعذب ذنبه إذا تاب حتى لا يذكر به، ولولا ذلك لم يكن يصفو له نعيم الآخرة عن التنغيص.
[وقوله]: {ٱلْوَدُودُ}: الذي يتودد إلى خلقه فيما ينعم عليهم ويحسن إليهم؛ قال [النبي] - عليه السلام -: "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها"؛ فجعل الإحسان سبب التودد.
والثاني: أن كل من واد آخر، فالحق عليه أن يوده في الله - تعالى - لأنه به نال ما به يتودد؛ قال الله - تعالى -:
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً } [مريم: 96]، فكأنه يقول: هو المستوجب للمودة من الخلق.
وقوله - عز وجل -: {ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ} منهم من جعل المجيد نعتا للعرش.
ومنهم من جعله نعتا لله تعالى.
فمن جعله نعتا للعرش فهو مستقيم؛ لأنه وصفه في مكان آخر بالكريم بقوله:
{ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ } [المؤمنون: 116]، والمجيد يقرب معناه [من] معنى الكريم؛ لأن الكريم هو الذي عظم قدره وشرفه، والمجيد كذلك هو الشريف المعظم، وعظم قدر العرش في قلوب الخلق وعلا حتى زعم بعض الناس أنه مكان الرب تعالى، والكريم الشاهد هو الذي يطمع عنده وجود ما يرجى ويؤمل، ويؤمن منه ما يتقى ويحذر، وسمى الله - تعالى - النبات: كريما بقوله: { فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ } [لقمان: 10]؛ لما فيه من عظم المنافع، والكريم: هو النافع للخلق.
وقوله - عز وجل -: {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}، أي: ما يريد تكوينه بكونه؛ فيكون فيه إيجاب القول بخلق أفعال العباد، وأنه شاء لكل أحد ما علم أنه يكون منه؛ لأنه امتدح - رجل وعلا - بالفعل لما يريد، ولو لم يثبت له صنع في أفعال العباد، لكان لا يختص بهذا الامتداح؛ بل يكون واحد مستوجبا لهذا المدح؛ فثبت أن كون حقائق الأشياء بما لله - تعالى - فيه صنع.
والثاني: أن إحداث شيء في سلطان آخر وفي مملكته من حيث لا يشاؤه ولا يريده آية الضعف والقهر، ومن ذلك وصفه، لم يجز أن يكون ربّاً؛ لذلك لزم وصف الله - تعالى - بذلك.
وجائز أن يكون قوله - تعالى -: {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}، أي: البعث، وهو أنه أنشأ هذا الخلق للعاقبة، وهكذا فعل كل مختار أنه يقصد بفعله العاقبة إلا أن يكون جاهلا بها.
وقوله - عز وجل -: {هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ} [الآية].
قد وصفنا ما في ذكر الأنباء من الفوائد، وقد ذكرنا أن فيها إثبات رسالته؛ على ما تقدم ذكره غير مرة.
وقوله - عز وجل -: {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ}، أي: كفروا أنعم الله - تعالى - فهم في تكذيب بأنعم الله تعالى.
أو لما جحدوا أنعم الله - تعالى - لم يوفقهم للإيمان به؛ فجعلوا على التكذيب.
وقوله - عز وجل -: {وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ}، أي: من وراء تكذيبهم محيط بما ينزل بهم من العذاب ليس يوعدهم عن غفلة وخيال كما يفعله ملوك الدنيا؛ قد يوعدون بالعذاب، ولا يدرون أنهم يتمكنون من ذلك أم لا؟ والله - تعالى - ينزل عليهم عذابه كما أوعد.
أو يكون قوله: {مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ}، أي: عالم بما يسرون ويخفون عن الخلق، لا يعزب عنه شيء.
وقوله - عز وجل -: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ} سماه: مجيدا، وكريما، وحكيما، وهذه أوصاف من وصف بها في الشاهد فإنما استحق الوصف بفعل وجد منه، ولا يوجد من القرآن فعل يستحق به الوصف، فالوصف به يحتمل أوجها:
أحدها: {مَّجِيدٌ}، أي: يصير من تبعه وعمل بما فيه مجيدا حكيما كريما؛ كقوله تعالى:
{ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً } [يونس: 67]، أي: يبصر به أو يكون قوله: {مَّجِيدٌ}، [و] { كَرِيمٌ } [الواقعة: 77]، أي: على الله تعالى.
أو سماه: كريماً، مجيداً، حكيماً؛ لعظم قدره.
أو سماه: كريماً، حكيماً، مجيداً؛ لما يوجد منه ما يوجد من الكرماء والحكماء والأمجاد.
وقوله: {فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ}: منهم من حقق اللوح والقلم، وقد وصفه أهل التفسير.
ومنهم من جعل اللوح عبارة عن ما يلوح - أي: يظهر - للملك من الأمر، لا على تحقيق اللوح، وسمت الباطنية [القلم: المبدع] الأول، واللوح: المبدع الثاني، وجعلوا المبدع الأول علة كون المبدع الأول: بارئا، والمبدع الثاني: خالقا ورحمانا، وسمت الفلاسفة المبدع الأول: عقلا والثاني: نفسا، ثم حدث التوالد من الأنفس.
فأما جعلهم الأول أصلا وعلة ليس كما ذكروا، فذلك يحتمل أن يجعل الأول أصلا للثاني وعلة كما استقام أن تجعل النطفة أصلا لخلق البشر، ولكنه لا يجوز أن يسمى بواحد من الاسمين اللذين ذكرتهما الباطنية والفلاسفة؛ لأنه لا يجوز إنشاء الأسماء لهذه الأشياء اختراعا، بل تسميهما بما جاءت بهما التسمية من عند الحجة، وإنما جاءت التسمية من عند الحجة باللوح والقلم؛ فلا تسميهما بغيرهما.
وقوله - عز وجل -: {مَّحْفُوظٍ}، أي: عن أعدائه؛ فلا يتمكنون من تغييره وتبديله.
وأخبر أنه أنزل إليه على يدي رسول قوي؛ فلا يقدر أحد أن يغلبه؛ فيحرف ما فيه.
ووصفه بالأمنة في نفسه بقوله:
{ ذِي قُوَّةٍ... } إلى قوله: { أَمِينٍ } [التكوير: 20-21]؛ ليؤمن تغييره بنفسه، والله الهادي للعباد والموفق للرشاد، [ولا حول ولا قوة إ لا بالله العلي العظيم].