التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ
٢٣
قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ
٢٤
-التوبة

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} تحتمل الولاية: الموافقة لهم في الحقيقة في الدين، ومن تولاهم - في الحقيقة - فهو منهم، وهو ظالم، فإن كان هذا فهو ظالم لا شك، فلم يكن لقوله: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} معنى.
وتحتمل الولاية: الموافقة لهم في الظاهر على غير حقيقة، لكن إظهار على غير حقيقة يباح في حال إضرار عند خوف الهلاك وذهاب الدين، فيجوز أن يكون قوم أسروا الإيمان في أنفسهم وكتموه، ويظهرون الموافقة لهم في الظاهر؛ إشفاقاً على دينهم، وخوفاً على أنفسهم، فيباح لهم ذلك؛ لما ذكرنا.
فلما أن جعل الله الهجرة، وجعل المؤمنين مأوى وأنصاراً يلجئون ويأوون إليهم - لم يعذروا في إظهار الموافقة لهم، وإن كانوا في السر ليسوا على دينهم؛ لما ذكرنا.
فهذا يدل على أن من أجرى كلمة الكفر على لسانه في غير اضطرار يصير كافراً؛ على ما جعل هؤلاء أولياء الكفرة حقيقة ظلمة مثلهم إذا تولوهم في الظاهر، وإن لم يكونوا في الحقيقة كذلك، وهذا أشبه، وهو ما قال - عز وجل -:
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ } الآية [النساء: 97]، لم يعذروا في تركهم الهجرة؛ فعلى ذلك هؤلاء إذا أظهروا الموافقة لهم بعد ما جعل لهم المأوى والأنصار، صاروا هم - في الحقيقة - كذلك، نهانا عن موالاة الكفرة جملة بقوله: { لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ } [آل عمران: 28] وقال: { لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ } [المائدة: 51]، وقال: { لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ } [الممتحنة: 1] هذا النهي لنا في جملة الكافرين، ثم نهانا عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء؛ كقوله: { لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ } [المائدة: 51]، ثم نهانا أن نوالي المتصلين من الآباء والأمهات وغيرهم من القرابات؛ لما تقع الشبه في موالاة المختصين بهم، فخص النهي فيه، وكذلك في تخصيص اليهود والنصارى؛ لما بيننا وبينهم موافقة في التوحيد والكتب، فخص النهي في ذلك.
ثم الولاية التي نهانا عنها تخرج على وجوه:
أحدها: المودة والمحبة، أي: لا تودوهم ولا تحبوهم.
والثاني: ألا نتخذهم موضع سرنا وبطانتنا؛ كقوله:
{ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً... } الآية [آل عمران: 118].
والثالث: ولاية الطاعة لهم، أي: لا تطيعوهم؛ كقوله:
{ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ يَرُدُّوكُم } الآية [آل عمران: 100]، وقوله: { إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ } [آل عمران: 149] نهانا أن نحبهم ونودهم، ونهانا - أيضاً - أن نتخذهم موضع سرنا، ونفشي إليهم سرائرنا، ونهانا أن نطيعهم فيما يدعوننا إليه ويسرون - والله أعلم - للخلاف الذي بيننا وبينهم في الدين.
وقوله - عز وجل -: {إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ}.
أي: اختاروا الكفر على الإيمان، والمحبة - هاهنا - محبة الاختيار والإيثار.
وقوله - عز وجل -: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا} [هو] مقابل قوله:
{ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ } [التوبة: 20] إلى آخره.
وقوله - عز وجل -: {إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ} وما ذكر، أي: إن كان طاعة هؤلاء ورضاهم أحبّ إليكم من طاعة الله وطاعة رسوله ورضاه، وأحب من جهاد في سبيله {فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ}: هو حرف وعيد، أي: انتظروا {حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ}، أي: بعذابه.
[و] قال أهل التأويل: حتى يأتي بأمره في فتح مكة.
ودل ما ذكر في قوله: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ} على أن المراد من قوله: {لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ} الآباء والأبناء جميعاً، {وَإِخْوَانُكُمْ} الإخوان، وجميع المتصلين بهم؛ دليله ما ذكر في آخره؛ حيث قال: {إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ}، ذكر الأبناء والأزواج والعشيرة، والله أعلم.
وقوله: {وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا}. قال بعضهم: اكتسبتموها.
وقال أبو بكر الأصم: {وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا}، أي: أموال جعلوها حلالاً وحراماً، ويقولون: الله أذن لنا في ذلك؛ كقوله:
{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ } [يونس: 59].
وقوله - عز وجل -: {وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا}.
كانوا يخشون فواتها وذهابها، لا الكساد؛ إذ في الهجرة تركها رأساً.