التفاسير

< >
عرض

كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ
١١
إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا
١٢
فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا
١٣
فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا
١٤
وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا
١٥
-الشمس

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ}:
ولم يبين لمن كذبوا، وقد بينه في آية أخرى فقال:
{ كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ } [الشعراء: 141].
وقوله - عز وجل -: {بِطَغْوَاهَآ} يحتمل وجهين:
أي: لأجل معصيتها وطغيانها؛ إذ الحامل لهم على التكذيب طغيانهم وتركهم التفكر في أمره؛ وإلا لو تفكروا فيما جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم [لم يجدوا] موضع التكذيب.
والثاني: بأهل طغواها، أي: كذبت ثمود بسبب أهل الطغيان؛ فيكون في هذه الآية إبناء أنهم لم يكذبوا رسولهم بشبهة اعترضت لهم، أو بحجة كانت لهم، بل كذبوه عن عناد منهم، وتيقين منهم برسالته، وذلك أن حجة نبيهم صالح - عليه السلام - جاوزت الحجج؛ لأنهم أوتوا الناقة على سؤال سبق منهم، وعلى تعد في السؤال؛ إذ كان لهم أن يطالبوه بالحجة على دعى الرسالة، ولم يكن لهم أن ينصوا السؤال على شيء يشيرون إليه، فهم بإشارتهم إلى سؤال الناقة كانوا معتدين فيه.
ثم من حكمة الله - تعالى - أن الحجة إذا كانت على أثر السؤال، ثم ظهر التكذيب من السائلين هو الاستئصال في الدنيا، وقد وجد من أولئك القوم السؤال والتكذيب؛ فعوقبوا بالاستئصال، قال الله - تعالى -:
{ وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً } [الإسراء: 59]؛ فبين الله - تعالى - المعنى الذي [لأجله] لم يرسل الآيات التي سألت الكفرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أنهم لو أوتوا، ثم عندوا، استؤصلوا؛ فقد أراد الله - تعالى - إبقاء أمته إلى أن تقوم الساعة، وأرسله رحمة للعالمين، وجعل حجته من وجه فيها رحمة للعالمين، وهي القتال، ووجه الرحمة فيه: أنهم كانوا يمتنعون عن ابتاعه؛ لحب الدنيا وشهواتها؛ فكان يمنعهم ذلك عن النظر في حججه وآيات رسالته؛ فكان في الجهاد ما يضيق عليهم المعاش، ويضطرهم إلى النظر في الحجج؛ فيحملهم ذلك على تصديقه والإيمان به؛ فثبت أن في القتال رحمة عليهم.
وقوله - عز وجل -: {إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا}.
أي: قام أشقاها، وصار أشقاها بما أحدث من الكفر بعقر الناقة.
وروي عن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي - رضي الله عنه -:
"ألا أخبرك بأشقى الناس، رجلين؟ قال: بلى، يا رسول الله. فقال: أحيمر ثمود، عاقر الناقة، والذي يضرب على هذه - وأشار إلى هامته - حتى بيتل منها هذه وأشار إلى لحيته" فصار عاقر الناقة أشقى الناس بما ذكرنا.
وجائز أن يكون قاتل علي، صار أشقى الناس؛ لأنه استحل قتله.
وقوله - عز وجل -: {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا}:
فهو يحتمل وجهين:
أحدهما: أي: أحذروا ناقة الله، وهو كقوله:
{ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [الأعراف: 73].
والثاني: أي: قال لهم: ذروا ناقة الله تأكل في أرض الله، وذروا بين النقة وسقياها - أي: شربها - ثم أضيفت الناقة إلى الله - تعالى - لوجهين:
أحدهما: أن الله - تعالى - لم يأذن لأحد بالتملك عليها؛ حتى ينسب إليه الملك، بل بقيت غير مملوكة لأحد؛ فأضيفت إلى الله - تعالى - كما أضيفت إليه المساجد؛ لما لا ملك لأحد عليها.
أو أضيفت إلى الله - تعالى - على معنى التفضيل، والأصل أن إضافة الأشياء إلى الله - تعالى - بحق الجزيئات على تفضيل تلك الأجزاء من بين غيرها، وإضافة الأشياء إلى الله - تعالى - يحق الكليات، تخرج مخرج تعظيم الله تعالى، فإذا قيل: رب المساجد، أريد به: تفضيل المساجد من بين سائر البقاع، وإذا قيل: رب العرش، أريد به تعظيم العرش، وكذلك إذا قيل: رب الناقة، أريد به تعظيم أمرها، وإذا قيل: رب العالمين، ورب كل شيء، أرشيد به تعظيم الرب، جل جلاله.
وقوله - عز وجل -: {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا}:
يحتمل أن يكونوا كذبوا صالحا في رسالته، أو كذبوه فيما أخبرهم من حلول العذاب بهم إذا عقروا الناقة، فعقروها مع ذلك.
وقوله - عز وجل -: {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ}، قال بعضهم: اي: أطبق عليهم العذاب على الصغير والكبير، ومنه من يقال: بعير مدموم؛ إذا كان سمينا أطبق شحمه على لحمه.
وقال بعضهم: دمدم علهيم، أي: دمر عليهم بذنبهم، وذنبهم ما تعدا من تكذيبهم الرسول، وعقرهم الناقة.
وقوله - عز وجل -: {فَسَوَّاهَا}:
يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه سواهم بالأرض؛ كقوله - عز وجل -:
{ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ } [النساء: 42].
أو سوى بين الصغير والكبير وفي الإهلاك؛ فالصغار منهم يومئذ ماتوا بآجالهم، والكبار منهم استؤصلوا بذنوبهم.
وقوله: {وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا}:
جائز أن تكون الإضافة منصرفة إلى الله تعالى، وهو أن يكون الله لما أهلكهم لم يخف تبعة الإهلاك.
ووجه الخوف: هوأنه فيما أهلكهم، أهلكهم بما أوجبت الحكمة إهلاكهم، ولم يلحقه تقصير في الحكمة، ولا وجد العائب في ذلك مقالا.
وهكذا قال الحسن: ذلك ربنا، لم يخف مما أنزل عليهم العذاب.
أو يكون منصرفا إلى العاقر؛ فيكون معناه: أنه عقرها، ولم يخف العاقبة التي حذرهم بها صالح - عليه السلام - من قوله:
{ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [الأعراف: 73].
وقال بعضهم: {وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا}، أي: لم يعلم ما يحل به من عقر تلك الناقة، ولو علم لم يفعل.
ويجوز استعمال الخوف في موضع العلم؛ لأن الخوف إذا بلغ غايته، صار علما.
ثم الحكمة في ذكر قصة ثمود وجهان:
أحدهما: أن في ذكرها تثبيت [رسالة محمد صلوات الله عليه، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم] لم يوجد منه الاختلاف إلى من عنده علم الأنباء والأخبار، ولا كان يعرف الكتابة؛ ليقع له المعرفة بهما؛ فثبت أنه بالوحي علم.
والثاني: أن في ذكرها تحذيرا لمكذبي الرسل، فحذروا بها لمتنعوا عن تكذيبه؛ فلا يحل بهم كما حل بمكذبي صالح - عليه السلام - من يأسه وعذابه، والله يهدي.