التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
٩٠
وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ
٩١
-النحل

حاشية الصاوي

قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ} هذه الآية من ثمرات قوله: { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ } [النحل: 89] حتى قال العلماء: إن لم يكن في القرآن غير هذه الآية، لكفت في البيان والهدى والرحمة، لأنها آمرة بكل خير، ناهية عن كل شر. قوله: (التوحيد) أي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وهذا التفسير وارد عن ابن عباس، وفي رواية عنه أيضاً: العدل خلع الأنداد، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، وأن تحب للمرء ما تحب لنفسك، فإن كان مؤمناً، تحب أن يزداد إيماناً، وإن كان كافراً تحب أن يكون أخاك في الإسلام. وفي رواية: العدل التوحيد، والإحسان الأخلاص، وكل هذا أفاده المفسر بقوله: (التوحيد والانصاف) أي في كل أمور، فالانصاف في التوحيد، اعتقاد أن الله متصف بكل كمال، منزه عن كل نقص، والانصاف في الاعتقاد، نسبة الأفعال كلها لله، ونسبة الكسب للعبيد، خلافاً للجبرية والمعتزلة، فالفرقة الأولى نفت الكسب أصلاً. وقالوا: العبد كالخيط المعلق في الهواء، لا فعل له أصلاً، وتعذيب الله له ظلم، وهؤلاء كفار. والفرقة الثانية قالوا: العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية، وهؤلاء فساق، وكلا المذهبين جور، والانصاف نسبة الأفعال كلها لله، خيرها وشرها، ظاهرها وباطنها، ولكن من الأفعال ما هو جبري، وهذه لا كسب للعبد فيها، ولذا لا يثاب عليها ولا يعاقب، ومنها ما هو اختياري، وهذه للعبد فيها نوع كسب، ولذا يثاب عليه إن كان خيراً، ويعاقب عليه إن كان شراً، وهذا مذهب أهل السنة، خرج من بين فرث ودم، لبناً خالصاً سائغاً للشاربين، والانصاف في العبادات، عدم التفريط والإفراط فيها، بل يكون بين ذلك قواماً، والانصاف في النفقات، أن لا يسرف ولا يقتر، قال تعالى: { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ } [الإسراء: 29] والانصاف بين عباد الله: يقسم لزوجاته، وينصر المظلوم على الظالم، ويعامل الخلق باللطف والرفق، وغير ذلك.
قوله: {وَٱلإحْسَانِ} أي مع الله ومع عباده، فالإحسان مع الله، أداء فرائضه على الوجه الأكمل، والإحسان مع عباده، أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك،. قوله: (كما في الحديث) أي فقد سأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان، فقال له عليه الصلاة والسلام:
"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" ، والمعنى أن تعبد الله ملاحظاً لجلاله، كأنك تراه ببصرك، وهذا مقام المشاهدة فإن لم تصل لهذه المرتبة، فلاحظ أنه يراك وأنك في حضرته، وهذا مقام المراقبة، فمثل المشاهد كالبصير الجالس في حضرة الملك، فأدبه من جهتين؛ كونه رائياً الملك، وكون الملك رائياً له، ومثل المراقب كمثل الأعمى الجالس في حضرة الملك، فأدبه من جهة ملاحظته، كون الملك رائياً له.
قوله: {وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} أي التصدق على القريب، وهو آكد من التصدق على غيره، لأن فيه صدقة وصلة، قال عليه الصلاة والسلام:
"إن أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم" . قوله: (من المكفر والمعاصي) أي فيدخل فيه الزنا وغيره، فهو تعميم بعد تخصيص. قوله: (اهتماماً به) أي لأنه أعظم المعاصي بعد الكفر، ولذا قال بعض العلماء: أعجل العقوبة على المعاصي العقوبة على البغي. وفي الحديث: "لو أن جبلين بغى أحدهما على الآخر؛ لانتقم الله من الباغي" . وفيه أيضاً "الظلمة وأعوانهم كلاب النار" . قوله: (كما بدأ بالفحشاء كذلك) أي اهتماماً به، لأن فيه ضياع الأنساب والأعراض، ويترتب عليه المقت والعقوبة من الله، قال تعالى: { وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً } [الإسراء: 32].
قوله: {يَعِظُكُمْ} حال من فاعل يأمر وينهى، أي يأمركم وينهاكم، حال كونه واعظاً لكم. قوله: (في الأصل) أي فأصله تتذكرون، قلبت التاء ذالاً، وأدغمت في الدال. قوله: (هذه أجمع آية) الخ، روي
"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على الوليد بن المغيرة. فقال: أعدها يا محمد، فلما قرأها قال: إن له حلاوة، وإن عليه طلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر" ، ولكونها أجمع آية استعملها الخطباء في آخر الخطبة.
قوله: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} هذا من جملة المأمور به على سبيل التفصيل، وبدأ بالأمر بالوفاء بالعهد، لأنه آكد الحقوق، وهذه الآية نزلت في الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، ولكن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. قوله: (من البيع) بكسر الباء جمع بيعة، وهي المعاهدة على أمر شرعي. قوله: (والإيمان) جمع يمين، أي وأوفوا بما حلفتم عليه، ولا تحنثوا في أيمانكم، أي إذا ان فيها صلاح، وإلا فالحنث خير، لقوله عليه الصلاة والسلام:
"من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه" فهو عام مخصوص. قوله: (وغيرها) أي كالمواعيد، فالمراد من العهد كل ما يلزم الإنسان الوفاء به، سواء أوجبه الله على الشخص، أو التزمه الشخص من نفسه، كعهود المشايخ التي يأخذونها على المريدين، بأنهم يلازمون طاعة الله، ولا يخالفونه في أمرنا، فالواجب على المريدين الوفاء بها، حيث كانت المشايج موزونين بميزان الشرع، متصفين بالأخلاق الحميدة والأفعال السديد. قوله: {بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} أي تغليظها، والتوكيد مصدر وكد بالواو، ويقال أكد بالهمزة، فمصدره التأكيد، وهما لغتان. قوله: {كَفِيلاً} أي شهيداً. قوله: (والجملة حال) أي من فاعل تنقضوا.