التفاسير

< >
عرض

إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً
١٠
فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً
١١
ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً
١٢
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى
١٣
وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً
١٤
-الكهف

حاشية الصاوي

قوله: {إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ} أي نزلوه وسكنوه. وحاصل قصتهم كما قال محمد بن إسحاق: لما طغى أهل الإنجيل، وكثرت فيهم الخطايا، حتى عبدوا الأصنام وذبحوا لها، وبقي فيهم من هو على دين عيسى، مستمسكين بعبادة الله وتوحيده، وكان بالروم ملك يقال له دقيانوس، عبد الأصنام، وذبح للطواغيت، وكان يحمل الناس على ذلك، ويقتل من خالفه، فمر بمدينة أصحاب الكهف، وهي مدينة من الروم يقال لها أفسوس، واسمها عند العرب طرطوس، فاستخفى منه أهل الإيمان، فصار يرسل أعوانه، فيفتشون عليهم ويحضرونهم له، فيأمرهم بعبادة الأصنام، ويقتل من يخالفه، فلما عظمت هذه الفتنة، وراى الفتية ذلك، حزنوا حزناً شديداً، وكانوا من أشراف الروم، وهم ثمانية، وكانوا على دين عيسى، فأخبر الملك بهم وبعبادتهم، فبعث إليهم، فأحضروا بين يديه يبكون، فقال: ما منعكم أن تذبحوا لآلهتنا وتجعلوا أنفسكم كأهل المدينة؟ فاختاروا إما أن تكونوا على ديننا، وإما أن نقتلكم، فقال له أكبرهم: إن لنا إلهاً عظمته ملء السماوات والأرض، لن ندعو من دونه إلهاً أبداً، اصنع ما بدا لك، وقال أصحابه مثل ذلك. فأمر الملك بنزع لباسهم، والحلية التي كانت عليهم، وكانوا مسورين ومطوقين، وكانوا غلماناً مرداً حساناً جداً، وقال: سأتفرع لكم وأعاقبكم، وما يمنعني من فعل ذلك بكم، إلا أني أراكم شباباً، فلا أحب أن أهلككم، وإني قد جعلت لكم أجلاً، تدبرون فيه أمركم، وترجعون إلى عقولكم، ثم إنه سافر لغرض من أغراضه، فخافوا أنه إذا رجع من سفره، يعاقبهم أو يقتلهم، فاستشوروا فيما بينهم، واتفقوا على أن يأخذ كل واحد منهم نفقة من بيت أبيه، يتصدق ببعضها ويتزود بالباقي، ففعلوا ذلك، وانطلقوا إلى جبل قريب من مدينتهم يقال له ينجلوس فيه كهف، ومروا في طريقهم بكلب فتبعهم، فطردوه فعاد، ففعلوا ذلك مراراً، فقال لهم الكلب: أنا أحب أحباب الله عزَّ وجل، فناموا وأنا أحرسكم فتبعهم ، فدخلوا الكهف وقعدوا فيه، ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسريح والتحميد، وجعلوا نفقتهم تحت يد واحد منهم اسمه تمليخا، كان يأتي المدينة يشتري لهم الطعام سراً، ويتجسس لهم الخبر، فلبثوا في ذلك الغار ما شاء الله، ثم رجع الملك دقيانوس من سفره إلى المدينة، وكان تلميخا يومئذ بالمدينة يشتري لهم طعاماً، فجاء وأخبرهم برجوع الملك وأنه يفتش عليهم، ففزعوا وشرعوا يذكرون الله عز وجل، ويتضرعون إليه في دفع شره عنهم، وذلك عند غروب الشمس، فقال لهم تمليخا: يا إخوتاه، كلوا وتوكلوا على ربكم، فأكلوا وجلسوا يتحدثون ويتواصون، فبينما هم كذلك، إذ ألقى الله عليهم النوم في الكهف، وألقاه أيضاً على كلبهم، وهو باسط ذراعيه على باب الكهف، ففتش عليهم الملك فدل عليهم، فتحير فيما يصنع بهم، فألقى الله في قلبه أن يسد عليهم باب الغار، وأراد الله عز وجل أن يكرمهم بذلك ويجعلهم آية للناس، وأن يبين لهم أن الساعة آتية، وأنه قادر على بعث العباد من بعد الموت، فأمر الملك بسده وقال: دعوهم في كهفهم يموتون جوعاً وعطشاً، ويكون كهفهم الذي اختاروه قبراً لهم، وهو يظن إنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم، وقد توفى الله أرواحهم وفاة نوم، ثم إن رجلين مؤمنين في بيت الملك دقيانوس يكتمان ايمانهما، شرعا يكتبان قصة هؤلاء الفتية، فكتبا وقت فقدهم وعددهم وأنسابهم ودينهم، وممن فروا في لوحين من رصاص، وجعلاهما في تابوت من نحاس، وجعلا التابوت في البنيان وقالا: لعل الله أن يظهر على هؤلاء الفتية قوماً مؤمنين قبل يوم القامة، فيعرفوا من هذه الكتابة خبرهم، ثم مات الملك دقيانوس هو وقومه؛ ومر بعده سنون وقرون، وتغايرت الملوك ثم ملك تلك المدينة رجل صالح يقال له بيطروس، واختلف الناس عليه، فمنهم المؤمن بالساعة، ومنهم الكافر بها فشق ذلك عليه، حيث كان يسمعهم يقولون: لا حياة إلا حياة الدنيا، وإنما تبعث الأرواح دون الأجساد، فجعل يتضرع ويقول: رب أنت تعلم اختلاف هؤلاء، فابعث لهم آية تبين لهم أمر الساعة والبعث، فأراد الله أن يظهره على الفتية أصحاب الكهف، ويبين للناس شأنهم، ويجعلهم آية وحجة عليهم، ليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، فألقى الله في قلب رجل من أهل تلك الناحية، أن يهدم ذلك البناء الذي على باب الكهف، ويبني بحجارته حظيرة لغنمه، فهدمه وبنى به حظيرة لغنمه، فلما انفتح باب الكهف، بعث الله هؤلاء الفتية، فجلسوا فرحين مسفرة وجوههم طيبة نفوسهم، وقد حفظ الله عليهم أبدانهم وجمالهم وهيئتهم، فلم يتغير منها شيء، فكانت هيئتهم وقت أن استيقظوا، كهيتئهم وقت أن رقدوا، ثم أرسلوا تلميخا إلى المدينة ليشتري لهم الطعام، فذهب فرأى المدينة قد تغير حالها وأهلها وملكها، وقد أخذه أهل المدينة وذهبوا به إلى ذلك الملك المؤمن، فأخبره تمليخا بقصته وقصة أصحابه، فقال بعض الحاضرين: يا قوم لعل هذه آية من آيات الله، جعلها الله لكم على يد هذا الفتى، فانطلقوا بنا حتى يرينا أصحابه، فانطلق أريوس وأسطيوس من عظماء المملكة، ومعهما جميع أهل المدينة، كبيرهم وصغيرهم، نحو أصحاب الكهف لينظروا إليهم، فأول من دخل عليهم، هذان العظيمان الكبيران، فوجدا في أثر البناء تابوتاً من نحاس، ففتحاه فوجدوا فيه لوحين من رصاص مكتوباً فيهما قصتهم، فلما قرأوهما عجبوا وحمدوا الله الذي أراهم آية تدلهم على البعث، ثم أرسلوا قاصداً إلى ملكهم الصالح بيدروس، أن عجل بالحضور إلينا، لعلك ترى هذه الآية العجيبة، فإن فتية بعثهم الله وأحياهم، وكان قد توفاهم ثلاثمائة سنة وأكثر، فلما جاءه الخبر، ذهب همه، وقال أحمدك رب السماوات والأرض، تفضلت عليّ ورحمتني، ولم تطفئ النور الذي جعلته لآبائي، فركب وتوجه نحو الكهف، فدخل عليهم وفرح بهم واعتنقهم ووقف بين أيديهم، وهم جلوس على الأرض، يسبحون الله ويحمدونه، فقالوا له: نستودعك الله، والسلام عليك ورحمة الله، حفظك الله وحفظ ملكك، ونعيذك بالله من شر الإنس والجن، فينما الملك قائم، إذ رجعوا إلى مضاجعهم فناموا، وتوفى الله أنفسهم، فقام الملك إليهم، وجعل ثيابهم عليهم، وأمر أن يجعل كل رجل منهم في تابوت من ذهب، فلما مشى ونام، أتوه في منامه فقالوا له: إنا لم نخلق من ذهب ولا فضة، ولكنا خلقنا من الترا وإلى التراب نصير، فاتركنا كما كنا في الكهف على التراب، حتى يبعثنا الله منه، فأمر الملك عند ذلك بتابوت من ساج فجعلوا فيه، وأمر أن يبنى على باب الكهف مسجد فيه، ويسد به باب الغار فلا يراهم أحد، وجعل لهم عيداً عظيماً، وأمر أن يؤتى كل سنة اهـ ملخصاً من الخازن. قوله: (جمع فتى) أي كصبي وصبية. قوله: (أصلح) أي أو أيسر. قوله: (هداية) أي تثبيتاً على الإيمان، وتوفيقاً للأعمال الصالحة.
قوله: {فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ} مفعوله محذوف تقديره حجاباً مانعاً لهم من السماع، وهذا هو المعنى الحقيقي، وليس مراداً بل المراد أنمناهم، ففي الكلام تجوز، حيث شبه إلقاء النوم بضرب الحجاب، واستعير اسم المشبه به للمشبه، واشتق من الضرب ضربنا بمعنى أنمنا، استعارة تصريحية تبعية. قوله: (معدودة) أشار بذلك إلى أن عدداً مصدر بمعنى معدود نعت لسنين، وسيأتي عدها في الآية. قوله: (علم مشاهدة) جواب عما يقال: كيف قال تعالى: {لِنَعْلَمَ} مع أنه تعالى عالم بكل شيء أزلاً، فأجاب بقوله: (علم مشاهدة) والمعنى ليظهر ويشاهد ويحصل لهم ما تعلق به علمنا أزلاً من ضبط مدتهم. قوله: (الفريقين المختلفين) قيل المراد بالفريقين أصحاب الكهف، لافتراقهم فرقتين: فرقة تقول يوم، وفرقة تلوق بعض يوم، وقيل هم أهل المدينة، افترقوا فرقتين في قدر مدتهم بالتخمين والظن. قوله: (فعل) أي ماض وليس اسم تفضيل، لأنه لا يبنى من غير الثلاثي. قوله: (للبثهم) أشار بذلك إلى أن ما مصدرية مراعى فيها اعتبار المدة، وقوله: (متعلق بما بعده) أي حال منه، و{أَمَداً} مفعول {أَحْصَىٰ}.
قوله: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم} أي نفصل لك يا محمد خبرهم. قوله: {بِٱلْحَقِّ} الباء للملابسة، والجار والمجرور حال من نبأ. قوله: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ} أي شباب كانوا من عظماء أهل تلك المدينة، وأحدهم كان وزيراً للملك. قوله: {آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ} أي صدقوا به وانقادوا لأحكامه. قوله: (قويناها على قول الحق) أي حيث خالفوا الملك، ولم يحصل لهم منه رعب ولا خوف. قوله: {إِذْ قَامُواْ} ظرف لربطنا، أي ربطنا على قلوبهم وقت قيامهم. قوله: (بين يدي ملكهم) أي واسمه دقيانوس. قوله: {فَقَالُواْ} أي خطاباً للملك ثلاث جمل، وآخرها قوله: {شَطَطاً}. قوله: {لَن نَّدْعُوَاْ} أي نعبد. قوله: (أي قولاً ذا شطط) أشار بذلك إلى أن شططاً منصوب على المصدرية، صفة لمحذوف على حذف مضاف، أي إفراط في الكفر، أي مجاوزة الحد فيه.