التفاسير

< >
عرض

ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ
٢٨٥
-البقرة

حاشية الصاوي

قوله: {ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ} روى مسلم عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ هاتين الآيتين آخر سورة البقرة كفتاه" . قيل عن قيام الليل كما روي عن ابن عمر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أنزل الله علي آيتين من كنوز الجنة ختم بهما سورة البقرة من قرأهما بعد العشاء مرتين أجزأتاه عن قيام الليل آمن الرسول إلى آخر السورة" . وقيل كفتاه من شر الشيطان فلا يكون عليه سلطان، وإنما ختم السورة بهاتين الآيتين لأنها بينت فرض الصلاة والزكاة والصوم والحج والطلاق والإيلاء والحيض والجهاد وقصص الأنبياء فناسب أن يذكر تصديق النبي والمؤمنين بجميع ذلك.
قوله: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ} أي فاشترك الرسول والمؤمنون في أصل الإيمان، لكن افترقا من جهة أخرى، وهو أن إيمان الرسول من قبيل حق اليقين، وإيمان المؤمنين من قبيل علم اليقين أو عين اليقين فالافتراق من حيث المراتب لا من حيث أصله. قوله: (عطف عليه) أي فهو مرفوع بالفاعلية والوقف عليه، ويدل على صحة هذا قراءة علي بن أبي طالب وآمن المؤمنون فأظهر الفعل ويكون قوله: {كُلٌّ آمَنَ} جملة مبتدأ وخبر تدل على أن جميع من تقدم ذكره آمن بما ذكر. قوله: (عوض عن المضاف إليه) أي فيكون الضمير الذي ناب عنه التنوين في كل راجعاً إلى الرسول والمؤمنين أي كلهم، وتوحيد الضمير في آمن مع رجوعه إلى كل المؤمنين، ليكون المراد بيان كل فرد منهم من غير اعتبار الاجتماع.
قوله: {كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ} كل مبتدأ أخبر عنه بخبرين راعى في اولهما لفظ كل فأفرد، وفي ثانيهما معناها فجمع حيث قال: (وقالوا سمعنا) الخ. قوله: (بالجمع والأفراد) أي في الكتب قراءتان سبعيتان. قوله: (يقول الخ) قدر الفعل ليفيد أن هذه الجملة منصوبة بقول محذوف، وهذا القول المضمر في محل نصب على الحال أي قائلين. قوله: {بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} أي في الإيمان به وأضيف بين إلى أحد وهو مفرد، وإن كانت قاعدتهم أنه إنما يضاف إلى متعدد نحو بين زيد وعمر، ولأن أحد يستوي فيه الواحد والمتعدد. وقلة: (فنؤمن ببعض الخ) بالنصب في حين النفي فالنفي مسلط عليه، وسيأتي وصفهم في قوله تعالى:
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ } [النساء: 150] الآية. قوله: (سماع قبول) فيه تعريض بالرد على من قال سمعنا وعصينا، قوله: {وَأَطَعْنَا} أي انقذنا للطاعة ولو بالعزم عليها.
قوله: {غُفْرَانَكَ} مفعول المحذوف قدره بقوله نسألك، ومعنى الغفران ستر الذنوب كبيرها وصغيرها جليها وخفيها، فالإنسان يطلب المغفرة ولو في حالة الطاعة بسبب ما يطرأ عليها من العجب وحب المحمدة وغير ذلك من الآفات التي تذهبها، فالعارف لا يعتمد على أعماله أبداً، وعلامة ذلك كونه يجدد التوبة والاستغفار ولو كان متلبساً بأكبر الطاعات. قوله: {رَبَّنَا} منادى وحرف النداء محذوف أي يا ربنا. قوله: {وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} قيل معطوف على محذوف تقديره لك المبدأ وإليك المصير. قوله: (ولما نزلت الآية قبلها) أي قوله وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله. قوله: (من الوسوسة) أي التي تطرأ على القلب كالهاجس وهو ما لاح وذهب بسرعة، والخاطر وهو ما لاح ومكث برهة من الزمن، وحدث النفس وهو تزيينها الأمور وتحسينها، وهذه لا تكتب خيراً كانت أو شراً، والهم وهو ترجيح الفعل وهو يكتب إن كان خيراً لا شراً، وأما العزم فيكتب خيره وشره.