التفاسير

< >
عرض

وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ
٣٥
-البقرة

حاشية الصاوي

قوله: {وَقُلْنَا يَآءَادَمُ} هذه الجملة معطوفة على جملة (وإذا قلنا للملائكة) من عطف قصة على قصة وإنما عطفت عليها لوقوعها بعدها، فإنه بعد أمر الملائكة بالسجود لآدم، وامتناع إبليس منه، أمر آدم بسكنى الجنة، قوله: (ليعطف عليه) { وَزَوْجُكَ} إن قلت إن فعل ا لأمر يعمل في الظاهر والمعطوف على الفاعل فاعل فيقتضي عمله في الظاهر، أجيب بأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، وفصل بالضمير المنفصل لقول ابن مالك:

وإن على ضمير رفع متصل عطفت فافصل بالضمير المنفصل

قوله: (وكان خلقها) أي الله وقوله: (من ضلعه) أي آدم فلذلك كان كل ذكر ناقصاً ضلعاً من الجانب الأيسر، فجهة اليمين ثمانية عشر، واليسار سبعة عشر، وقد خلقت بعد دخوله الجنة نام فلما استيقظ وجدها فأراد أن يمد يده إليها فقالت له الملائكة مه يا آدم حتى تؤدي مهرها، فقال وما مهرها فقالوا ثلاث صلوات أو عشرون صلاة على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يقال إن شرط الصداق عود منفعته للزوجة، لأننا نقول ليس المقصود منه حقيقة المهر، وإنما هو ليظهر قدر محمد لآدم من أول قدم، إذ لولاه ما تمتع بزوجه، فهو الواسطة لكل واسطة حتى آدم، وقوله من ضلعه الأيسر أي وهو القصير، ووضع الله مكانة لحماً من غير أن يحس آدم بذلك، ولم يجد له ألماً، ولو وجده لما عطف رجل على امرأة، والنون في قلنا للعظمة، وقوله: و{ٱسْكُنْ} أي دم على السكنى، فإنه كان ساكناً فيها قبل خلق حواء، واستشكل شيخ الإسلام هذه الآية بأنه أتى في هذه الآية بالواو في قوله: {وَكُلاَ} وفي آية الأعراف بالفاء، هل لذلك من حكمة أجاب بأن الأمر هنا في هذه الآية كان داخل الجنة، فلا ترتيب بين السكنى والأكل، وفي آية الأعراف كان خارجها، فحسن الترتيب بين السكنى والأكل ا.هـ. والحق أن يقال: إن ذلك ظاهر إن دل دليل على اختلاف القصة ولم يوجد فالقصة واحدة، والأمر في الموضعين ايحتمل أن يكون داخل الجنة أو خارجها، فعلى الأول معنى اسكن دم على السكنى، والفاء في آية الأعراف بمعنى الواو، وعلى الثاني معناه ادخل على سبيل السكنى، فتكون الواو بمعنى الفاء.
قوله: {رَغَداً} يقال رغد بالضم رغادة من باب ظرف، ورغد رغداً من باب تعب اتسع عيشه. قوله: {حَيْثُ شِئْتُمَا} أي في أي مكان أردتماه. قوله: (أو غيرهما) قيل شجر التين أو البلح أو الأرتج، والأقرب أنها الحنطة، وفي الحقيقة لا يعلمها إلا الله. قوله: {فَتَكُونَا} مسبب عن قوله ولا تقربا وتعبيره بعدم القرب منها كناية عن عدم الأكل، كقوله تعالى:
{ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ } [الإسراء: 32] فالنهي عن القرب يستلزم النهي عن الفعل بالأولى. قوله: (العاصين) أي الذين تعدوا حدود الله.