التفاسير

< >
عرض

إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً
١٢
وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً
١٣
لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً
١٤
قُلْ أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً وَمَصِيراً
١٥
-الفرقان

حاشية الصاوي

قوله: {إِذَا رَأَتْهُمْ} أي حقيقة بعينها لما في الحديث: "من كذب علي متعمداً، فليتبوأ بين عيني جهنم مقعداً، قيل يا رسول الله أولها عينان؟ قال أما سمعتم الله عز وجل يقول: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} يخرج عنق من النار له عينان يبصران، ولسان ينطق فيقول: وكلت بمن جعل مع الله إلهاً آخر، فلهو أبصر به من الطير يحب السمسم فيلتقطه" وفي رواية: "يخرج عنق من النار يوم القيامة، له عينان يبصران، وأذنان يسمعان، ولسان ينطق يقول: إني وكلت بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر، وبالمصورين" . وهذا مذهب أهل السنة، وقالت المعتزلة: الكلام على حذف مضاف، أي رأت زبانيتها بناء منهم على أن الرؤية مشروطة بالحياة. قوله: {مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} قبل مسيرة سنة، وقيل مائة سنة، وقيل خمسمائة سنة. قوله: (أو سماع التغيظ رؤيته وعلمه) أشار بذلك إلى أن السماع ليس على حقيقته، بل المراد منه الرؤية والعلم. وأجيب أيضاً: بأن المراد سماع ما يدل عليه وهو الغليان، وقد أفاده أولاً، فتحصل أن المفسر أجاب بجوابين.
قوله: {وَإَذَآ أُلْقُواْ} أي طرحوا. قوله: {مَكَاناً} منصوب على الظرفية أي في مكان. قوله: (بالتشديد والتخفيف) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (بأن يضيق عليهم) أي كضيق الحائط على الوتد الذي يدق فيه بعنف. قوله: (لأنه في الأصل صفة له) أي وهو نكرة، ومن المعلوم أن نعت النكرة إذا تقدم عليها يعرب حالاً، كقول الشاعر:

لمية موحشاً طلل

والأصل لمية طلل موحش.
قوله: {مُّقَرَّنِينَ} حال من الواو في {أُلْقُواْ} والتقرين تقييد الأرجل وجمع الأيدي والأعناق في السلاسل. قوله: (مصفدين) من التصفيد وهو الشد والإيثاق بالقيود. قوله: {دَعَوْاْ هُنَالِكَ} أي في ذلك المكان. قوله: {ثُبُوراً} أي فيقولون: يا ثبوراه، هذا أوانك فاحضر، لأنه أخف مما هم فيه. قوله: (فيقال لهم) أي على سبيل التهكم والسخرية بهم. قوله: {ثُبُوراً وَاحِداً} أي مرة واحدة. قوله: (كعذابكم) تشبيه في الكثرة، وفي نسخة باللام، أي لأجل دوام عذابكم وكثرته، فينبغي أن يكون دعاؤكم كذلك. قوله: {قُلْ أَذٰلِكَ خَيْرٌ} الاستفهام للتوبيخ والتقريع، وإلا فليس في النار خير. قوله: (في علمه تعالى) جواب عما يقال: إنها لم تكن جزاء ومصيراً الآن، فأجاب: بأن المعنى قد سبق علم الله، بأنها تكون لهم جزاء ومصيراً. قوله: (مرجعاً) أي مستقراً.