التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً
١
-النساء

حاشية الصاوي

سورة النساء مدنية
مائة وخمس أو ست أو سبع وسبعون آية
مدنية أي كلها، وإن خوطب بمطلعها أهل مكة، لأن القاعدة أنه متى قيل في القرآن {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} كان خطاباً لأهل مكة، ومتى قيل {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} كان خطاباً لأهل المدينة. قوله: (وخمس أو ست) أو لتنويع الخلاف فهي مائة وسبعون جزماً والخلاف فيما زاد. قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} الخطاب للمكلفين عموماً، ذكوراً وإناثاً، إنساً أو جناً، لأن لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وليس مخصوماً بمن كان موجوداً وقت النزول، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قال تعالى:
{ وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ } [الإسراء: 106].
قوله: {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ} أي امتثلوا أوامره واجتنبوا نواهيه، ولذلك يحصل بالإسلام، فإنّ المسلم العاصي قد اتقى الشرك وهو أعظم المنهيات بالإيمان وهو أعظم المأمورات، لكن يقال لها تقوى عامة، وتقوى الخواص هي الانهماك في طاعة الله، وعدم الشغل بغيره ولو مباحاً، والآية صادقة بهذه المراتب كلها.
قوله: {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} تأكيد للأمر المتقدم، فالمعنى اتَّقوا الله لأنه مالككم ومربيكم، ومن أوصافه أنه خلقكم وأنشأكم من نفس واحدة، فمن كان بهذه الصفات فهو أحق بأن يتقى، لأنه لا استغناء عنه، بل كان من خلقه مفتقر إليه في كل لمحة وطرفة ولحظة، وفي ذلك إشارة إلى أن التقوى تكون في حق بعضنا بعضاً لأن أصلنا واحد، فواجب علينا اتقاء ربنا لأنه الخالق لنا، واتقاء بعضنا بعضاً لأننا كلنا من أصل واحد.
قوله: {وَخَلَقَ مِنْهَا} أي من تلك النفس الواحدة. قوله: {زَوْجَهَا} يقال في الأنثى زوج وزوجة، والأفصح الأول. قوله: (حوّاء) بالمد سميت بذلك لأنها خلقت من حي. قوله: (من ضلع من أضلاعه) أي بعد أن أخذه النوم ولا يشعر بذلك ولم يتألم، فلما استيقظ من النوم وجدها فمال إليها فأراد أن يمد يده إليها، فقالت له الملائكة معه يا آدم حتى تؤدي مهرها، قال فما مهرها؟ قالوا حتى تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية ثلاثة صلوات، وفي رواية سبعة عشر، وفي ذلك إشارة إلى أنه عليه الصلاة والسلام الواسطة لكل موجود حتى أبيه آدم. إن قلت: حيث كانت حواء مخلوقة من ضلع آدم فهي أخت لأولاده، فمقتضاه أنه يحل لكم يخلق منها التزوج بها في شرعه. أجيب: بأن تفرع حواء من آدم فهي أخت لأولاده، فمقتضاه أنه يحل لمن يخلق منها التزوج بها في شرعه. أجيب: بأن تفرع حواء من آدم ليس كتفرع الولد من الوالد، بل نباتها من الضلع كما تنبت النخلة من النواة، فلا يحكم عليها بأنها بنت آدم ويقال لها أخت أولاده، بل هي أمهم لا غير، واختلف هل كان خلق حزاء خارج الجنة، وبه قال جماعة، وقال ابن عباس وجماعة أنه كان دتخل الجنة، ولا مانع من كونه أخذه النوم فيها، لأن الممنوع النوم بعد دخولها يوم القيامة. قوله: {وَنِسَآءً} (كثيرة) أشار بذلك إلى أن في الآية اكتفاء، ورد أن حواء حملت من آدم عشرين بطناً، أو أربعين بطنا في كل بطن ذكر وأنثى، وكان يزوج ذكر هذه البطن لأنثى البطن الأخرى، فنزلت اختلاف البطون منزلة اختلاف الآباء والأمهات، وما مات حتى اجتمع من ذريته مباشرة وبواسطة فوق المائة ألف يشتغلون بأنواع الصنائع والتجارة.
قوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} معطوف على قوله: {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ}. قوله: {ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ} أي يقسم بعضكم على بعض لأنه عظيم جليل، فحيث كان كذلك فهو أحق بأن يتقى. قوله: (فيه إدغام التاء الخ) أي فأصله تتساءلون بهن قلبت التاء سيناً ثم أدغمت في السين وإنما قلبت التاء سيناً لقرب مخرجيهما. قوله: (يحذفها) أي التاء الثانية وحذفت تخفيفاً. قال ابن مالك:
وما بتاءين ابتدى قد يقتصر فيه على تا كتبين العبر
قوله: (حيث يقول بعضكم الخ) أي فيدخل الحمى ولا يتعرض له، وكان ذلك في الجاهلية، والمعنى اتقوا الله لأنه ربكم وخالقكم من نفس واحدة، ولأنه عظيم يقسم به وتقضى الحوائج باسمه. قوله: {وَٱلأَرْحَامَ} هكذا بالنصب معطوف على لفظ الجلالة، والعامل فيه اتقوا، ولذا قدره المفسر، وقوله: (أن تقطعوها) إشارة إلى أن الكلام على حذف مضاف تقديره واتقوا قطع الأرحام لما في الحديث: "الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله، ومواصلة الأرحام تختلف باختلاف الناس، فمنهم الغني والفقير، فالواجب على الغني المواصلة بالهدايا والتحف والكلام اللين، وعلى الفقير باللين والسعي لهم ومعاشرتهم بالمعروف، ولا فرق بين الأحياء والأموات". قوله: (وفي قراءة بالجر) أي مع تخفيف تساءلون وهي لحمزة، وأما قراءة النصب فبالتشديد والتخفيف، فالقراءات ثلاثة وكلها سبعية. قوله: (عطفا على الضمير في به) أي من غير عود الخافض، وهي وإن كانت لغة فصيحة إلا أنها خلاف الكثير، وقد أشار لذلك ابن مالك بقوله:

وعود خافض لدى عطف على ضمير خفض لازماً قد جعلا
وليس عندي لازماً إذ قد أتى والنظم والنثر الصحيح مثبتا

فأشار بالنثر الصحيح إلى الآية، والنظم إلى قول الشاعر:

قد بدت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيام من عجب

بجر الأيام. قوله: (وكانوا يناشدون بالرحم) هذا مرتب على القراءة الثانية، أي فالمعنى اتّقوا الله لأنكم تناشدون به، واتقوا الأرحام لأنكم تناشدون بها، ومن التناشد بها قول هارون لأخيه موسى صلوات الله وسلامه عليهما: "يا ابن آم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي". قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} هذا تعليل لقوله: {ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ} والرقيب لغة من ينظر في الأمور ويتأمل فيها، واصطلاحاً الحفيظ الذي لا يغيب عن حفظه شيء، وهذا المعنى هو المراد في حق الله تعالى. قوله: (حافظاً لأعمالكم) أي جميعها خيرها وشرها، سرها وجهرها، قال تعالى: { سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِٱلَّيلِ وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ } [الرعد: 10] { يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ } [غافر: 19]. قوله: (أي لم يزل متصفاً بذلك) جواب عن سؤال مقدر تقديره أن لفظ كان يفيد الانقطاع، فيفيد أن الله اتّصف بالحفظ فيما مضى وانقطع، فأجاب بأن كان هنا للاستمرار، أي هو متصف بذلك أزلاً أبدياً. وقوله: (ونزل في يتيم) أي بحسب ما كان، وإلا فوقت طلبه رشيداً. قوله: "طلب من وليه) أي وكان عماً لذلك اليتيم. قوله: (فمنعه) أي فلما منعه شكا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية، فلما سمعها الولي قال أطعت الله وأطعت رسوله، ونعوذ بالله من الحوب الكبير.