التفاسير

< >
عرض

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً
٧٧
-النساء

حاشية الصاوي

قوله: {أَلَمْ تَرَ} الاستفهام تعجبي، أي تعجب يا محمد من قومك كيف يكرهون القتال مع كونهم قبل ذلك كانوا طالبين له وراغبين فيه. قوله: (وهم جماعة من الصحابة) منهم عبد الرحمن بن عوف، والمقداد بن الأسود، وسعد بن أبي وقاص، وقدامة بن مظعون، وجماعة كانوا بمكة يتحملون أذى الكفار كثيراً، والله يأمرهم بالتحمل والكف عن القتال في نيف وسبعين آية، فكانوا يقولون لولا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بالقتال كرهوا ذلك فنزلت الآية، وقوله: (بمكة) متعلق بـ (طلبوه) وليس ذلك نفاقاً منهم، وإنما كراهتهم ذلك، إما لغلبة الرأفة عليهم أو لمحبتهم المعيشة في طاعة الله، وإلا لذمهم الله على ذلك، ولما نزلت الآية، أقلعوا عما خطر ببالهم، وشمروا عن ساعد الجد والاجتهاد، وجاهدوا في الله حق جهاده.
قوله: و {إِذَا فَرِيقٌ} قيل إذ ظرف مكان وقيل ظرف زمان وقيل حرف والأولى الأول، وعليه فإذا خبر متقدم، وفريق مبتدأ مؤخر، ومنهم صفة لفريق، وكذلك جملة {يَخْشَوْنَ} ويصح أن تكون حالاً لوجود المسوغ، والتقدير ففي الحضرة فريق كائن منهم خاشون أو خاشين. وقوله: {كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ} مفعول مطلق أي خشية كخشية الله. قوله: (أي عذابهم بالقتل) ويحتمل أن المراد بخشيتهم احترامهم القرابة. قوله: (ونصب أشد على الحال) أي من خشية الثاني، لأنه نعت نكرة تقدم عليها. قوله: (دل عليه إذا الخ) المناسب أن يقول وجواب لما إذا وما بعدها. قوله: (أي فاجأتهم الخشية) الأوضح أن يقول فاجأ كتب القتال عليهم الخشية، لأن الخشية فاجأت كتب القتال لا ذواتهم. قوله: (جزعاً من الموت) يحتمل أنهم قالوا ذلك لاعتقادهم أن القاتل يقطع المقتول من أجله، فأعلمهم الله تعالى أن الأجل محتم، لا يزيد بالبعد عن القتال ولا ينقص به، وليس ذلك نقصاً فيهم. قال تعالى: {} ويحتمل أنهم قالوا ذلك بحسب الطبيعة البشرية، وليس عندهم اعتقاد ذلك. قوله: {قُلْ} (لهم) أي ليزدادوا رغبة في دار البقاء، وزهداً في دار الفناء.
قوله: {خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ} أي لأنه لا كدر فيها ولا نصب، ولذلك حين دخولها يقولون: الحمد لله الذي أذهبَ عنَّا الحزن. قوله: (بترك معصيته) أي كالشرك وغيره، ومعلوم أن كل من زادت تقواه، كان نعيمه في الآخرة أكبر. قوله: (بالتاء والياء) أي فهمل قراءتان سبعيتان، فعلى التاء يكون خطاباً لهم، وعلى الياء يكون تحديثاً عنهم، والمعنى بلغتهم يا محمد أنهم لا يظلمون فتيلاً. وقوله: (قدر قشرة النواة) تقدم أنه غير مناسب، والمناسب تفسيره بالخيط الذي يكون في باطن نواة.