التفاسير

< >
عرض

بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ
٤
وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ
٥
قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ
٦
ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ
٧
-فصلت

حاشية الصاوي

قوله: {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ} أي تكبراً وعناداً، واستفيد منه أن الأقل لم يعرض، بل خضع وانقاد وآمن، وذلك كأبي بكر وأضرابه.
قوله: {وَقَالُواْ} معطوف على {فَأَعْرَضَ} وقوله: {قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ} جمع كنان، وهو ما تجعل فيه السهام، ويسمى جعبة بفتح الجيم، ويجمع على جعاب. قوله: {مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} ما واقعة على التوحيد، والفعل مرفوع بضمة مقدرة على الواو، والفاعل مستتر تقديره أنت، ونا مفعوله. قوله: {وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ} شهوا أسماعهم بآذان فيها صمم، من حيث إنها تمج الحق، ولا تميل إلى استماعه. قوله: {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} {مِن} لابتداء الغاية، والمعنى: أن الحجاب ناشئ من جهتنا، فلا نستطيع التوصل لما عندك، والحجاب ناشئ من جهتم، فلا تستطيع التوصل لما عندنا، فنحن معذورون في عدم التوصل لما عندك، والحجاب ناشئ من جهتك. قوله: (خلاف) أي مخالفة في الدين. قوله: {فَٱعْمَلْ} (على دينك) أي استمر عليه، وقوله: {إِنَّنَا عَامِلُونَ} أي مستمرون على ديننا.
قوله: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} هذا رد لما زعموا من الحجاب كأنه قال: دعواكم الحجاب باطلة لا أصل لها، لأني بشر من جنسكم، تعرفون حالي وطبعي، وأعرف حالكم وطبعكم، فلست مغايراً لكم، حتى يكون بيني وبينكم حجاب وتباين، ولست بداع لكم إلى شيء لا تقبله العقول والأسماع بل أنا ذاه لكم إلى توحيد خالقكم وموجدكم، الذي قامت عليه الأدلة العقلية والنقلية. قوله: {ٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ} ضمنه معنى توجهوا، فعداه بإلى. قوله: {وَٱسْتَغْفِرُوهُ} أي مما أنتم عليه من سوء العقيدة، وفيه إشارة إلى أن الاستقامة لا تتم، إلا بالاستغفار والندم على ما مضى، بحيث يكره أن يعود الكفر، كما يكره الوقوع في النار.
قوله: {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ} مبتدأ وخبر، وسوغ الابتداء به قصد الدعاء. قوله: {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ} إنما خص منع الزكاة، وقرته بالكفر في الآخرة، لأن المال أخو الروح، فإذا بذله الإنسان في سبيل الله، كان دليلاً على قوته وثباته في الدين، قال تعالى:
{ وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰلَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ } [البقرة: 265] إلخ، أي يثبتون أنفسهم، ولذا كان صلى الله عليه وسلم يؤلف حديث العهد بالإيمان بالمال، وقاتل أبو بكر مانعي الزكاة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، ففي هذه الآية تخويف وتحذير للمؤمنين من منع الزكاة، وتحضيض على أدائها، وقال ابن عباس: هم الذين لا يقولون لا إله إلا الله، وهي زكاة الأنفس، والمعنى: لا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد. فإن قلت: على تفسير الجمهور يشكل بأن الآية مكية، والزكاة فرضت بالمدينة، فلم يكن هناك أمر بالزكاة حتى يذم مانعها. والجواب: أن المراج بالزكاة، صرف المال في مراضي الله تعالى.