التفاسير

< >
عرض

لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً
١٨
وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَان ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً
١٩
وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ ٱلنَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً
٢٠
وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً
٢١
-الفتح

حاشية الصاوي

قوله: {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي فعل بهم فعل الراضي من الثواب والفتح المبين؛ وفي ذلك تلميح إلى أن الكافرين غير راض عنهم، فلهم الخذلان في الدنيا والآخرة، وكان سبب هذه البيعة على ما ذكره محمد بن إسحاق عن أهل العلم، "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خراش بن أمية الخزاعي حين نزل الحديبية، فبعثه إلى قريش بمكة، وحمله على جملة صلى الله عليه وسلم ليبلغ أشرافهم أنه صلى الله عليه وسلم جاء معتمراً، ولم يجيء محارباً، فعقروا جمل رسول الله وأرادوا قتله، فمنعهم الأحابيش فخلوا سبيله، فأتى لرسول الله فأخبره، فدعا رسول الله عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فقال: يا رسول الله إني أخاف على نفسي قريشاً، وليس في مكة من بني عدي بن كعب أحد، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أقربها مني، لوجود عشيرته فيها، وهو عثمان بن عفان، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائراً لهذا البيت، معظماً لحرمته، وكتب له كتاباً بعثه معه، وأمره أن يبشر المستضعفين بمكة بالفتح قريباً، وأن الله سيظهر دينه، فخرج عثمان وتوجه إلى مكة، وقبل أن يدخلها، فنزل عن فرسه وحمله بين يديه، ثم أردفه وأجاره، حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم الكتاب واحداً واحداً، فصمموا على أنه لا يدخلها هذا العام، وقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، قال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان المسلمون قالوا: هنيئاً لعثمان خلص إلى البيت وطاف به دوننا، فقال صلى الله عليه وسلم: إن ظني له أن لا يطوف حتى يطوف مهنا، وبشر عثمان المستضعفين، واحتسبته قريش عندها، فبلغ رسول الله والمسلمين أن عثمان قد قتل، فقال رسول صلى الله عليه وسلم: لا نبرح حتى نناجز القوم، ودعا الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، وضع النبي صلى الله عليه وسلم شماله في يمينه وقال: هذه عن عثمان، وهذا يشعر بأن النبي قد علم بنور النبوة، أن عثمان لم يقتل حتى بايع عنه. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما بايع الناس: اللهم إن عثمان في حاجتك وحاجة رسولك فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يده لعثمان، خيراً من أيديهم لأنفسهم، ولما سمع المشركون بهذه البيعة، خافوا وبعثوا بعثمان وجماعة من المسلمين وكانوا عشرة، دخلوا بإذنه صلى الله عليه وسلم" .
قوله: {إِذْ يُبَايِعُونَكَ} ظرف لرضي، وعبر بصيغة المضارع استحضاراً لصورة المبايعة. قوله: {تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ} معمول ليبايعونك. قوله: (هي سمرة) بضم الميم من شجر الطلح وهو الموز، كما عليه جمهور المفسرين في قوله تعالى: { وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ } [الواقعة: 29] وهذه الشجرة قد أخفيت، لئلا يحصل الافتتان بها، وروي أن عمر بلغه أن قوماً يأتون الشجرة ويصلون عندها فتوعدهم، ثم أمر بقطعها فقطعت. قوله: (أو أكثر) وقيل أربعمائة وهو الصحيح، وقيل خمسمائة. قوله: (أن يناجزوا قريشاً) أي يقاتلوهم. قوله: {مَا فِي قُلُوبِهِمْ} معطوف على {يُبَايِعُونَكَ}. قوله: (بعد انصرافهم من الحديبية) أي في ذي الحجة، فأقام صلى الله عليه وسلم بالمدينة بقيته وبعض المحرم، ثم خرج إلى خيبر في بقية المحرم سنة سبع. قوله: {مَغَانِمَ} معطوف على {فَتْحاً} و {يَأْخُذُونَهَا} صفة لمغانم أو حال منها.
قوله: {وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ} الالتفات إلى الخطاب لتشريفهم في مقام الامتنان، وهو لأهل الحديبية. قوله: (من الفتوحات) أي غير خيبر، مما استقبلهم بعد، كفتح مكة وهوازن وبلاد كسرى والروم. قوله: (غنيمة خيبر) مقتضى ما تقدم، من أن السورة نزلت كلها في رجوعه من الحديبية أن يكون قوله: {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ} من التعبير بالماضي عن المستقبل، لتحقق وقوعه من الإخبار بالغيب. قوله: (في عيالكم) أي عن عيالكم، والجار والمجرور بدل من قوله: {عَنْكُمْ} والمراد بالناس، أهل خيبر وحلفاؤهم من بني أسد وغطفان. قوله: (لما خرجتم) أي للحديبية، وقوله: (وهمت بهم اليهود) أي يهود خيبر، هما بأخذ عيال النبي والصحابة من المدينة، في غيبة النبي للحديبية، وكان هو السبب في أخذ خيبر. قوله: (عطف على مقدر) هذا أحد قولين، والآخر أنها زائدة، وعليه فيكون تعليلاً لقوله: {كَفَّ}. قوله: {آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} أي أمارة يعرفون بها صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في وعده إياهم، عند الرجوع من الحديبية بتلك الغنائم. قوله: (أي طريق التوكل عليه) فسر الصراط المستقيم بما ذكر، لأن الحاصل من الكف ليس إلا ذلك، ولأن أصل الهدى حاصل قبله.
- تنبيه - أن
"رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية، أقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المحرم، ثم خرج إلى خيبر في بقية المحرم سنة سبع، وكان إذا غزا قوماً ينتظر الصباح، فإن سمع أذاناً كف عنهم، وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم، فلما أصبح ولم يسمع أذاناً أغار عليهم، فلما أصبح ولم يسمع أذاناً ركب عليهم، فخرجوا بمكاتلهم ومساحييهم، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا محمد والخميس أي الجيش، فلما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم قال: الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذرين، وعن سلمة بن الأكوع قال: خرجنا إلى خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل عمي عامر يرتجز بالقوم:
_@_تالله لولا الله ما اهتدينا_@_ ولا تصدقنا ولا صلينا_@_ _@_ونحن عن فضلك ما استغنينا_@_ فثبت الأقدام إن لاقينا_@_ _@_وأنزلن سكينة علينا_@_ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا؟ قال: أنا عامر، قال: غفر لك ربك، قال: وما استغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان يخصه إلا استشهد، قال: فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل له: يا نبي الله، لولا متعتنا بعامرـ قال: فلما قدمنا خيبر، قدم مهلكهم مرحب يخطر بسيفه يقول:
_@_قد علمت خيبر أني مرحب_@_ شاكي السلاح بطل مجرب_@_ _@_إذا الحروب أقبلت تلهب_@_ قال: وبرز له عمي عامر فقال:
_@_قد علمت خيبر أني عامر_@_ شاكي. السلاح بطل مغامر_@_ قال: فاختلفا بضربتيهما، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يسفل، فرجع سيفه على نفسه فقطه أكحله، فكانت فيها نفسه رضي الله عنه، قال سلمة: فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: بطل عمل عامر، قتل نفسه، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي فقلت: يا رسول الله، بطل عمر عمي عامر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال ذلك؟ قلت: ناس من أصحابك، قال: كذب من قال ذلك، بل له أجره مرتين، ثم أرسلني إلى علي وهو أرمد فقال: لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله، أو يحبه الله ورسوله؛ قال: فأتيت علياً فجئت به أقوده وهو أرمد، حتى أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فبصق في عينيه فبرئ وأعطاه الراية، فخرج مرحب فقال:
_@_قد علمت خيبر أني مرحب_@_ شاكي السلاح بطل مجرب_@_ _@_إذا الحرب أقبلت تلهب_@_ فقال علي رضي الله عنه:
_@_أنا الذي سمتني أمي حيدره_@_ كليث غابات كريه المنظره_@_ _@_أو فيهم بالصاع كيل السندرة_@_ قال: فضرب مرحبا فقتله، ثم كان الفتح على يده"
، أخرجه مسلم بهذا اللفظ، وفي رواية أخرى "أنه خرج بعد مرحب أخوه ياسر وهو يرتجز، فخرج إليه الزبير بن العوام، فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب، أيقتل ابني يا رسول الله؟ قال: بل ابنك يقتله إن شالله الله، ثم التقيا فقتله الزبير، ثم لم يزل رسول الله يفتح الحصون، ويقتل المقاتلة، ويسبي الذرية، ويحوز الأموال، فجمع السبي فجاء دحية فقال: يا رسول الله، أعطيت دحية صفية بنت حيي، فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير، لا تصلح إلا لك، قال: ادعوه فجاء بها، فلما نظر إليها النبي صلى الله عليه وسلم قال: خذ جارية من السبي غيرها، فأعتقها النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجها، فلما دخل بها، رأى في عينها أثر خضرة، فسألها عن سببها فقالت: إني رأيت في المنام وأنا عروس بكنانة بن الربيع، أن قمراً وقع في حجري، فقصصت رؤياي على زوجي فقال: ما هذا إلا أنك تمنيت ملك الحجاز محمداً، ثم لطم وجهي لطمة اخضرت منها عيني، فلما ظهر رسول الله على خيبر، أراد اخراج اليهود منها، فسألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم بها، على أن يكفوهم العمل، ولهم نصف الثمر، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: نقركم بها على ذلك ما شئنا، فقروا بها حتى أجلاهم عمر في إمارته إلى تيماء وأريحاء" . قال محمد بن إسحاق: لما سمع أهل فدك بما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يحقن دماءهم وأن يسيرهم، ويخلوا لهم الأموال، ففعلوا بهم، ثم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم على النصف كأهل خيبر ففعل، فكانت خيبر للمسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب، فلما تطمأن رسول الله، أهدت له زينب بنت الحرث، امرأة سلام بن مشكم اليهودية شاة مصلية - يعني مشوية - وسألت: أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قيل لها: الذراع، فأكثرت فيها السم، وسمت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدري رسول الله، تناول الذراع، فأخذها فلاك منها قطعة فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور، فأخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما بشر فأساغها، يعني ابتلعها، وأما رسول الله فلفظها ثم قال: إن هذا العظم يخبرني أنه مسموم، ثم دعا بها فاعترفت، فقال: ما حملك على ذلك، فقالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك فقلت: إن كان ملكاً استرحنا منه، وإن كان نبياً فسيخبر، فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات بشر على مرضه الذي توفي فيه، فقال: يا أمر بشر، ما زالت أكلة خيبر التي أكلت مع ابنك تعاودني، فهذا أول قطع أبهري؛ فكان المسلمون يرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيداً، مع ما أكرمه الله به من النبوة. قوله: (مبتدأ) أي وخبره قوله: {قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا} قوله: {وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا} صفة لمغانم المقدر، وسوغ الابتداء بالنكرة الوصف، وهذا أسهل الأعاريب، ولذا اختاره المفسر. قوله: (هي فارس والروم) أي وباقي الأقطار. قوله: {قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا} أي أعدها لكم في قضائه وقدره، فهي محصورة لا تفوتكم. قوله: (أي لم يزل متصفاً) أشار بذلك إلى أن المراد من {كَانَ} الاستمرار.