التفاسير

< >
عرض

يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٦
وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
٧
-المائدة

حاشية الصاوي

قوله: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} إنما وجه الخطاب للمؤمنين، وإن كان الكفار مخاطبين بفروع الشريعة أيضاً على الصحيح لعدم صحتها منهم إلا بالإسلام. قوله: {إِذَا قُمْتُمْ} أي اشتغلتم بها قولاً وفعلاً من قيام أو غيره. قوله: (أي أردتم القيام) دفع بذلك ما يقال إن مقتضى الآية أن الطهارة لا تجب إلا بعد الشروع في الصلاة، فأجاب بأن المراد أردتم القيام، أي قصدتموه وعزمتم عليه، وشرعت الطهارة قبل الصلاة، لأن المصلي يناجي ربه وهو في حضرته، فيحتاج قبل ذلك للنظافة من الحدثين الأصغر والأكبر، ومن الخبيثين الحسي والمعنوي كالذنوب، ليرتب على ذلك قبول طاعته. قوله: (وأنتم محدثون) أي حدثاً أصغر، وأخذ المفسر هذا من قوله فيما يأتي {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً} وفيه إشارة للجواب عن إِشكال البيضاوي حيث قال ظاهر الآية أن كل قائم إلى الصلاة يجب عليه الوضوء وإن لم يكن محدثاً، وقوله: (وأنتم محدثون) أي ممنوعون من الصلاة لعدم وجود الطهارة فيشمل من ولد، ولم يحصل منه ما يوجب الوضوء إلى أن بلغ فيجب عليه الوضوء، لأنه كان ممنوعاً من الصلاة قبل ذلك لعدم وجود الطهارة، ولذا علق الوضوء بالقيام للصلاة. قوله: {وُجُوهَكُمْ} أي ليغسل كل منكم وجهه ولو تعدد وحده، طولاً من منابت شعر الرأس المعتاد لآخر الذقن، وعرضاً ما بين وتدي الأذنين، ويخلل لحيته إن كانت خفيفة وإلا غسل ظاهرها فقط، ويتتبع أسارير جبهته والوترة ولا يلزمه غسل داخل العينين، وأما المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين فسنة. قوله: (أي معها) أشار بذلك إلى أن إلى بمعنى مع، وهذا أسهل ما قيل، وقيل إن إلى عاد بابها من الانتهاء، والغاية داخلة، وقيل خارجة، وقيل إن كان ما بعدها من جنس ما قبلها دخلت وإلا فلا، والأصح أن إلى لا يدخل ما بعدها فيما قبلها عكس حتى، قال سيدي علي الأجهوري:

وَفِي دُخُولِ الْغَايَةِ الأَصَحّ لاَ تَدْخُل مَع إلَى وَحَتَّى دَخَلاَ

وأما في الآية فإما أن يقال إنها بمعنى مع، أو الغاية داخلة على خلاف القاعدة لوجود القرينة، فغسل المرافق واجب لذاته، وليس من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. قوله: (كما بينته السنة) أي فبينت السنة أن المرافق تغسل مع الأيدي، ويجب تخليل أصابع الأيدي عند مالك لوجوب الدلك عنده. قوله: (الباء للإلصاق) وقيل للتبعيض لدخولها على متعدد، وأما في وليطوفوا بالبيت فللإلصاق، لدخولها على غير متعدد، وأورد على ذلك آية التيمم، فإن قيل إنها للإلصاق يقال أي فرق بينهما، ولما كان هذا المعنى معرضاً، عدل عنه المفسر وجعلها للإلصاق في كل، وأحال بيان ذلك للسنّة. قوله: (أي ألصقوا المسح بها) لعل في كلام المفسر تسامحاً، لأن المسح معنى من المعاني لا يلصق، لأن الإلصاق لا يكون إلا بين جسمين، إلا أن يقال المراد بالمسح آلته وهو اليد. قوله: (من غير إسالة ماء) بيان لحقيقة المسح من حيث هو، لا لما لا يكفي في الوضوء، فإن الغسل يكفي أيضاً. قوله: (وهو) أي المسح. قوله: (وهو مسح بعض شعره) وقال أبو حنيفة يجب مسح ربع الرأس، وقال مالك وأحمد يجب مسح الجميع، كما يجب مسح الوجه في التيمم. قوله: (بالنصب) أي لفظاً وهي قراءة نافع وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم، وقوله: (والجر) أي وهي لباقي السبعة. قوله: (على الجوار) أي فهو في المعنى منصوب بفتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المجاورة، واعتض هذا الحمل بأنه لم يرد الجر بالمجاورة إلا في النعت، ومع ذلك فهو ضعيف، والأولى أن يقال إنه مجرور لفظاً، ومعنى معطوف على الرؤوس والمسح مسلط عليه، ويحمل على حالة لبس الخف، أو يقال إن المراد بالمسح الغسل الخفيف، وسماه مسحاً رداً على من يتبع الشك ويسرف في الماء وهو بعيد. قوله: (وهما) أي الكعبان. قوله: (عند مفصل) بفتح الميم وكسر الصاد، وأما بكسر الميم وفتح الصاد فهو اللسان، ويجب على الإنسان في غسل رجليه أن يتتبع العقب بالغسل لما في الحديث: "ويلٌ للأعقاب من النار" وتسن الزيادة على محل الفرض عند الشافعي، وفسر بها الغرة والتحجيل الواردين في الحديث، وكره مالك ذلك، وفسر الغرة والتحجيل بإدامة الطهارة. قوله: (والفصل) هو مبتدأ وخبره (يفيد) وقصده بذلك تتميم الفرائض السنة عند الشافعي، ومحصل ذلك أن الواو إن كانت لا تقتضي ترتيباً لكن وجدت قرينة تفيد الترتيب وهو الفصل بين المغسولات بالرأس الممسوح، لكن يقال إن ذلك ظاهر في غير الوجه مع الأيدي، وعند مالك ليس الترتيب فرضاً. وإنما هو سنة إبقاء للواو على ظاهرها ولم يعتبر تلك القرينة. قوله: (وجوب النية) أي لأنه عبادة، وكل عبادة تحتاج لنية، فتحصل أن فرائض الوضوء عند الإمام الشافعي ستة: الأربعة القرآنية، والنية، والترتيب. وعند مالك سبعة: الأربعة، والنية، والموالاة بأن لا يفرق بين أجزائه تفريقاً متفاحشاً، والتدليل وهو إمرار باطن الكف على الأعضاء. وعند الحنفية الأربعة القرآنية لا غير.
قوله: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً} أي بمغيب الحشفة، أو خروج المني بلذة معتادة في اليقظة، أو مطلقاً في النوم، أو الحيض، أو النفاس، لأن الخطاب عام للذكور والإناث. قوله: (أي أحدث) أي فالمجيء من الغائط كناية عن الحدث، وعبر عنه بالغائط، لأن العادة قضاء الحاجة في الغائط، بمعنى المكان المنخفض. قوله: (سبق مثله) أي فيقال هنا جامعتم أو جسستم باليد. قوله: (مع المرفقين) أي فهو فرض عند الشافعي حملاً على آية الوضوء، وعند مالك مسح المرفقين سنّة، وإنما الفرض للكوعين. قوله: (بضربتين) أي فهما فرض عند الشافعي، وعند مالك الأولى فرض والثانية سنّة. قوله: (وبينت السنة الخ) جواب من الشافعية والحنفية عن التعارض الواقع بين آية الوضوء وآية التيمم. قوله: (من الوضوء والغسل والتيمم) أي فأوجب ما ذكر عند القدرة عليه، ووجود الماء أو الصعيد، فإن فقدا معاً سقطت عنه الصلاة، وقضاؤها على المعتمد عند مالك، ويصلي ويقضي عند الشافعي. قوله: (من الأحداث والذنوب) أي فإذا تطهر الإنسان فقد خلص من الحدث والذنوب، لأنه ورد أن الذنوب تتساقط مع غسل الأعضاء. قوله: (بالإسلام) الباء للتعدية، والجار والمجرور متعلق بنعمة، فهو أعظم النعم، لأنه به ينال كل خير.
قوله: {إِذْ قُلْتُمْ} ظرف لقوله: {وَاثَقَكُم بِهِ}. قوله: (حين بايعتموه) أي عند العقبة سنة الهجرة، لما جاءه سبعون من الأنصار، ورئيسهم إذ ذاك البراء بن معرور، وكان له اليد البيضاء في الميثاق، حتى أنه قال: والذي بعثك بالحق، لنمنعك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحرب كابراً عن كابر، وبايعوه على أن يقاتلوا معه الأسود والأبيض، وكذلك بيعة الرضوان تحت الشجرة، حين صده المشركون عن البيت، أشاع إبليس أن عثمان قتل، فبايع النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على عدم الرجوع حتى يقتلوا أو يدخلوا مكة، وهكذا حمل المفسر على عهد النبي أصحابه، ويحتمل أن المراد العهد الواقع يوم ألست بربكم، فيكون المعنى: اذكروا نعمة الله عليكم، حيث خلقكم على التوحيد في عالم الأرواح، وجعل عالم الأجساد موافقاً له، فالإيمان نعمة عظيمة لموافقته للإجابة الواقعة يوم ألست بربكم، وكل صحيح، لكن إن كان المراد عهد الله الأزلي فالنسبة له ظاهرة، وإن كان المراد عهد النبي لأصحابه، فإسناد العهد لله، لأنه هو المعاهد حقيقة، قال تعالى:
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } [الفتح: 10] الآية.
قوله: {سَمِعْنَا} أي سماع قبول. قوله: (مما نحب) أي بأن كان موافقاً لما تهزاه نفوسهم، وقوله: (ونكره) أي بأن لك يكن موفقاً، كالجهاد وأداء الزكاة مثلاً. قوله: (بما في القلوب) أي من الإخلاص وغيره، فذات الصدور صفة لموصوف محذوف تقديره الأمور الخفية صاحبات الصدور التي لا يطلع عليها إلا الله.