التفاسير

< >
عرض

وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ
٥٩
وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّٰكُم بِٱلَّيلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
٦٠
-الأنعام

حاشية الصاوي

قوله: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ} لما بين سبحانه وتعالى أولاً أنه منفرد بإيجاد كل شيء خيراً كان أو شراً لقوله: { إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ } [الأنعام: 57] الآية، بين ثانياً أنه منفرد بعلم الغيب بقوله: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ} فهو كالدليل لما قبله كأنه قال العذاب والرحمة بقدرة الله، ولا يعلم وقت مجيء ذلك إلا الله لأن عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، وعنده خبر مقدم، ومفاتح الغيب مبتدأ مؤخر، وتقديم الظرف يؤذن بالحصر وهو منصب على الجميع، فلا ينافي أن بعض الأنبياء والأولياء يطلعه الله على بعض المغيبات الحادثة، قال تعالى: { عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ } [الجن: 26-27] وأما من قال إن نبينا أو غيره أحاط بالمغيبات علماً كما أحاط علم الله بها فقد كفر. قوله: (خزائنه) أشار بذلك إلى أن مفاتح جمع مفتح بفتح فكسر كمخزن وزنا ومعنى العلوم المخزونة، وقوله: (أو الطرق) أي فهو جمع مفتح بكسر ففتح بمعنى الطرق التي توصل إلى تلك العلوم المخزونة الغيبية {لاَ يَعْلَمُهَآ} أي الخزائن أو الطرق تفصيلاً إلا هو، وأما علمنا فيها فهو على سبيل الإجمال، وهو تأكيد لما علم من تقديم الظرف. قوله: (علم الساعة) أي وقت مجيئها وتفصيل ما يحصل فيها. قوله: (الآية) أي وهي: { يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ } [الشورى: 28] أي المطر، أي لا يعلم وقت مجيئه وعدد قطراته ونفع الناس به إلا الله، { وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلأَرْحَامِ } [لقمان: 34]، أي من كونه ذكراً أو أنثى شقياً أو سعيداً يعيش أو يموت. { وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً } [لقمان: 34] أي لا تعلم نفس ما يعرض لها في المستقبل من خير أو شر، وغير ذلك من الأحوال التي تطرأ على الأنفس، قال الشاعر:

وأعلم علم اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عمى

{ { وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ } [لقمان: 34] أي بأي محل يكون قبض روحها فيه أو دفنها فيه، إن الله عليم خبير ببواطن الأشياء كظواهرها، وهذا التفسير لابن عباس، وقال الضحاك ومقاتل: مفاتح الغيب خزائنه الخفية في الأرض، والأقرب والأتم أن المراد بمفاتح الغيب الأمور المغيبة الخفية جميعها كانت الخمسة أو غيرها. قوله: {مَا} (يحدث) {فِي ٱلْبَرِّ} أي من خير أو شر. قوله: (القرى التي على الأنهار) أي فيعلم رزق أهلها وعددهم وغير ذلك، وقال جمهور المفسرين: المراد البر والبحر المعروفان، لأن جميع الأرض إما بر أو بحر، وفي كل عوالم وعجائب وسعها علمه وقدرته.
قوله: {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ} أي من الشجر إلا يعلمها، أي وقت سقوطها والأرض التي تسقط عليها. قوله: {وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلأَرْضِ} أي هي والتي يضعها والزارع للنبات فيعلم موضعها وهل تنبت أو لا، وقيل المراد بالحبة التي في الصخرة التي في الأرض التي قال فيها الله يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله وكل صحيح. قوله: {وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ} عطف عام، لأن جميع الأشياء إما رطبة أو يابسة. فإن قلت: إن جميع هذه الأشياء داخل تحت قوله وعنده مفاتح الغيب، فلم أفردها بالذكر؟ أجيب: بأنه من التفصيل بعد الإجمال، وقدم ذكر البر والبحر لما فيهما من جنس العجائب ثم الورقة لأنه يراها كل أحد، لكن لا يعلم عددها إلا الله، ثم ما هو أضعف من الورقة وهو الحبة، ثم ذكر مثالاً يجمع الكل وهو الرطب اليابس. قوله: (عطف على ورقة) أي الثلاثة معطوفة على ورقة، لكن لا يناسب تسليط السقوط عليها فيضمن السقوط بالنسبة للحبة والرطب واليابس معنى الثبوت. قوله: (بدل اشتمال من الاستثناء قبله) أي وهو قوله إلا يعلمها، وذلك لأن دائرة العلم أوسع من دائرة اللوح، فذات الله وصفاته أحاط بها العلم لا اللوح، والكائنات وما يتعلق بها أحاط بها اللوح والعلم، وهذا على أن المراد بالكتاب اللوح كما أفاده المفسر، وإن أريد بالكتاب علم الله يكون بدل كل من كل لزيادة التأكيد والإيضاح. قوله: (يقبض أرواحكم) ما ذكره المفسر بناء على أن الإنسان له روحان، روح تقبض بالنوم وتبقى روح الحياة فإذا أراد الله موته قبضهما جميعاً وعليه جملة من المفسرين ويشهد له آية الزمر، قال تعالى:
{ ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا } [الزمر: 42] الآية، ويقرب هذا أحوال الأولياء لأن لهم حالة تسرح فيهم أرواحهم وترى العجائب كالنائم، والمشهور أنها روح واحدة، ويكون معنى يتوفاكم يذهب شعوركم لأنهم عرفوا النوم بأنه فترة طبيعية تهجم على الشخص قهراً عليه، تمنع حواسه الحركة وعقله الإدراك. قوله: {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ} أي لأنه الخالق للأفعال والحركات والسكنات، فهو المغير للأشياء ولا يتغير، قال العارف:

ولي في خيال الظل أكبر عبرة لمن كان في بحر الحقيقة راقي
شخوص وأشكال تمر وتنقضي فتفنى جميعاً والمحرك باقي

قوله: {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ} ثم في كل للترتيب الرتبي، لأن بعد النوم البعث بالإيقاظ إلى انقضاء الأجل ثم بعده البعث بالإحياء من القبور ثم الإخبار بما وقع من العباد. قوله: {لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ} الجمهور على بناء يقضي للمجهول، وأجل نائب فاعل والفاعل محذوف إما عائد على الله أو على الشخص، ومعنى قضاء الشخص أجله استيفاؤه إياه، وقرئ بالبناء للفاعل، وأجلاً مفعوله، والفاعل مستتر عائدة على الله. قوله: (فيجازيكم به) أي إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.