التفاسير

< >
عرض

فَوَقَٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً
١١
وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً
١٢
مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً
١٣
وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً
١٤
-الإنسان

حاشية الصاوي

قوله: {فَوَقَٰهُمُ ٱللَّهُ} الفاء سببية، أي فسبب خوفهم، دفع الله عنهم شر ذلك اليوم وشدته، وذكر القرطبي في تذكرته حديثاً في بيان ما ينجي المؤمن من أهوال يوم القيامة، وهو ما روي عن عبد الرحمن بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ونحن في مسجد المدينة فقال: "إني رأيت البارحة عجباً، رأيت رجلاً من أمتي جاءه ملك الموت ليقبض روحه، فجاءه بر والديه فرده عنه. ورأيت رجلاً من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر، فجاءه وضوؤه فاستنقذه من ذلك. ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته الشياطين، فجاءه ذكر الله تعالى فخلصه من بينهم، ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب، فجاءت صلاته فاستنقذته من أيديهم. ورأيت رجلاً من أمتي يهلث عطشاً، كلما ورد حوضاً منع منه، فجاءه صيامه فسقاه وأوراه. رأيت من أمتي والنبيون قعود حلقا حلقا، كلما دنا لحلقة طرد، فجاءه اغتساله من الجنابة فأخذ بيده وأقعده إلى جنبي. ورأيت رجلاً من أمتي بين يديه ظلمة، ومن خلفه ظلمة، وعن يمينه ظلمة وعن شماله ضلمة، ومن فوقه ظلمة، ومن تحته ظلمة، فهو متحير فيها، فجاءه حجة وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور. ورأيت رجلاً من أمتي يكلم المؤمنين فلا يكلمونه، فجاءته صلة الرحم فقالت: يا معشر المؤمنين كلموه، فإنه كان واصلاً للرحم، فكلموه وصافحوه. ورأيت رجلاً من أمتي يتقي وهج النار وشررها بيده عن وجهه، فجاءته صدقته فصارت ستراً على وجهه وظلاً على رأسه. ورأيت رجلاً من أمتي قد اخذته الزبانية من كل مكان، فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، فاستنقذاه من ايديهم وأدخلاه مع ملائكة الرحمة. ورأيت رجلاً من أمتي جاثياً على ركبتيه بينه وبين الله حجاب، فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده وأدخله على الله. ورأيت رجلاً من أمتي قد اهوت صحيفته من قبل شماله، فجاءه خوفه من الله، فأخذ صحيفته فجعلها في يمينه. ورأيت رجلاً من أمتي قد خف ميزانه، فجاءته افراطه فثقلوا ميزانه. ورأيت رجلاً من أمتي قائماً على شفير جهنم، فجاءه وجله من الله فاستنقذه من ذلك ومضى. ورأيت رجلاً من أمتي هوى في النار، فجاءته دموعه التي بكاها من خشية الله في الدنيا، فاستخرجته من النار. ورأيت رجلاً من أمتي قائماً على الصراط يرعد كما ترعد السعفة في ريح عاصف، فجاء حسن الظن بالله تعالى فسكن رعدته ومضى. ورأيت رجلاً من أمتي على الصراط، يزحف احياناً ويحبو احياناً ويتعلق احياناً، فجاءته صلاته علي فأخذت بيده واقامته ومضى على الصراط. ورأيت رجلاً من أمتي انتهى إلى ابواب الجنة فاغلقت الأبواب دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله، ففتحت له الأبواب كلها وأدخلته الجنة" .
- قلت - هذا حديث عظيم، ذكر فيه أعمالاً خاصة تنجي من اهوال خاصة والله اعلم. وروى الطبراني عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لقم أخاه لقمة حلوة، صرف الله عنه مرارة الموقف يوم القيامة" .
قوله: {نَضْرَةً} أي بدل العبوس. قوله: {وَسُرُوراً} أي فرحاً في قلوبهم بدل الحزن. قوله: (بصبرهم عن المعصية) أي بترك فعلها، وكذا على الطاعة بفعلها، وعلى المعصية بالاسترجاع وعدم الشكوى. فأقسام الصبر ثلاثة، وإنما اقتصر المفسر على الصبر عن المعصية، لأن يستلزم القسمين الآخرين، فمن صبر عن المعصية، فقد أدام الطاعة ولم يشك مولاه. قوله: (حال من مرفوع ادخلوها) أي ويصح أن يكون حالاً من مفعول {جَزَاهُمْ}. قوله: (في الحجال) واحده حجلة بفتحتين، وهي المسماة بالناموسية. قوله: (حال ثانية) أي من المقدر المذكور، أو من المفعول. قوله: (أي لا حراً ولا برداً) أي فهي معتدلة الهواء. قوله: (وقيل الزمهرير القمر) أي لأجل مقابلة قوله: {شَمْساً}. قوله: (من غير شمس ولا قمر) أي بنور العرش، وهو أقوى من نور الشمس والقمر. قوله: (عطف على محل لا يرون) أي أو عطف على متكئين. قول: (شجرها) أشار بذلك إلى أن المراد بالظلال الشجر نفسه، فدفع بذلك ما يقال: إن الظل إنما يوجد حيث توجد الشمس، ولا شمس في الجنة. قوله: {وَذُلِّلَتْ} عطف على {دَانِيَةً} وجعلت فعليه إشارة إلى أن التذليل متجدد، بخلاف التظليل فدائم، ولذا أتى فيه بجملة اسمية. قوله: (أدنيت ثمارها) أي سهل تناولها تسهيلاً عظيماً لكل أحد.