التفاسير

< >
عرض

إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ
١
وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ
٢
وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ
٣
وَإِذَا ٱلْعِشَارُ عُطِّلَتْ
٤
وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ
٥
وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ
٦
وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ
٧
وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ
٨
بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ
٩
وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتْ
١٠
وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتْ
١١
وَإِذَا ٱلْجَحِيمُ سُعِّرَتْ
١٢
وَإِذَا ٱلْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ
١٣
عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ
١٤
-التكوير

حاشية الصاوي

قوله: {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ} الخ، الأرجح عند جمهور النحاة، أن الاسم المرفوع الواقع بعد {إِذَا} الشرطية، مرفوع بفعل محذوف يفسره المذكور، ويمنع أن يكون مرفوعاً بالابتداء، لأن أدوات الشرط لا يليها إلا الأفعال لفظاً أو تقديراً، وأجاز الأخفش والكوفيون ايلاءها الاسم، فيرفع الاسم مبتدأ، وما بعده خبره، و{وَإِذَا} في المواضع الاثنى عشر شرطية، جوابها قوله: {عَلِمَتْ نَفْسٌ} ولا يجوز الوقف اختياراً قبل الجواب. قوله: (لففت) المناسب أن يقول لفت، والمعنى: لف بعضها ببعض، ورمي بها في البحر، ثم يرسل الله عليها ريحاً دبوراً فتضربها فتصير ناراً. قوله: (بنورها) أي ضوئها. قوله: {سُيِّرَتْ} أي في الهواء بعد تفتيتها. قوله: (فاصرت هباء) أي بعد صيرورتها كالصوف المندوف، فأولاً تتفتت ثم تصير كالصوف المندوف.
قوله: {وَإِذَا ٱلْعِشَارُ} جمع عشراء، كالنفاس جمع نفساء، وهي التي أتى على حملها عشرة أشهر إلى أن تضع، وخصها بالذكر لأنها أغلى ما يكون عند أهلها، وأنفس أموالهم، لما ورد
"أنه صلى الله عليه وسلم مر في أصاحبه بعشار من النوق، فغض بصره فقيل له: هيه أنفس أموالنا، فلم لا تنتظر إليها، فقال: قد نهاني الله عن ذلك ثم تلا {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} الآية" ، وإذا كان هذا حالهم مع أنفس أموالهم، فحالهم مع غيره أولى، وإلى هذا يشير المفسر بقوله: (ولم يكن أعجب إليهم منها). قوله: (تركت بلا راع) أي مهملة، وقوله: (أو بلا حلب) بفتح اللام مصدر حلب يحلب بالضم، ويقال بالسكون من باب قتل.
قوله: {وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ} أي دواب البر، وقوله: (جمعت) أي من ناحية. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أوقدت فصارت ناراً) هذا أحد أقوال ي تفسير التسجير، وقيل: سجرت ملئت من الماء، وقيل: اختلط عذبها بمالها حتى صارت بحراً واحداً، وقيل: يبست، ويمكن الجمع بين تلك الأقوال، فأولاً يفيض بعضها لبعض ثم تيبس ثم تقلب ناراً، ثم ما تقدم من الآيات الست، يجوز أن يكون مقدمة للنفخة الأولى، فالأحياء يشاهدون ذلك، لما روي عن أبي بن كعب قال: ست آيات من قبل يوم القيامة، بينما الناس في أسواقهم، ذهب ضوء الشمس وبدت النجوم، فتحيروا ودهشوا، فبينما هم كذلك، إذا وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت واضطربت واحترقت فصارت هباء منثوراً، ففزع الإنس إلى الجن، والجن إلى الإنس، واختلطت الدواب والوحوش والهوام والطير، وماج بعضها في بعض، فذلك قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ} ثم قالت الجن للإنس: نحن نأتيك بالخبر، فانطلقوا إلى البحار، فإذا نار تتأجج، فبينما هم كذلك، انصدقت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا، فبينما هم كذلك، إذ جاءتهم ريح فأماتتهم، ويجوز أن يكون في النفخة الثانية، ويقال في تعطيل العشار، يحتمل أنه كناية عن شدة الهول، حتى لا يلتفت الشخص إلى أنفس أمواله، أو تبعث معطلة بلا راع، ولا يلتفت لها صاحبها، لأن البهائم تحشر للقصاص من بعضها البعض، وأما الست الباقية فتحصل بالنفخة الثانية اتفاقاً. قوله: (قرنت بأجسادها) أي ردت الأرواح إلى أجسادها، فالتزويج على هذا جعل الشيء زوجاً، النفوس بمنى الأرواح، وقيل: قرن كل امرئ بشيعته فاليهود يضم لليهود، والنصراني للنصارى، وهكذا، وقيل: قرن الرجل الصالح بالرجل الصالح في الجنة، والرجل السوء بالرجل السوء في النار، وقيل: زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرنت الكفار بالشياطين، وكذلك المنافقون، وفي الحقيقة يحصل كل. قوله: (الجارية) المراد بها مطلق الأنثى، وقوله: (والحاجة) أي الفقر، فكان الرجل في الجاهلية، إذا ولدت له بنت فأراد أن يستحييها، ألبسها جبة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية، وإذا أراد قتلها تركها، حتى إذا كانت بنت ست سنين يقول لأمها، طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى احمائها، وقد حفر لها بئراً في الصحراء، فيذهب بها إلى البئر فيقول لها: انظري فيها، ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى تستوي بالأرض. وقال ابن عباس: كانت الحامل إذا قربت ولادتها، حفرت حفرة فمتخضت على رأس تلك الحفرة، فإذا ولدت بنتاً رمت بها في الحفرة، وإذا ولدت ولداً أبقته. قوله: (تبكيتاً لقائلها) جواب عما يقال: ما معنى سؤال المؤودة، مع أن مقتضى الظاهر سؤال القاتل عن قتله إياها، فأجاب: بأن سؤالها هي لافتضاح القاتل وتبيكته، ولا يلزم من السؤال تعذيب القاتل، لأنه يقال: إن كان القاتل من أهل الفترة فلا يعذب، وإنما يرضي الله المقتولة بإحسانه، وأن كان ممن بلغته الدعوة، فهو آثم يعذب على القتل إن لم يغفر له الله تعالى. قوله: (وقرئ بكسر التاء) أي الثانية على أنها تاء المؤنثة المخاطبة، والفعل مبني للمفعول، وهذه القراءة شاذة، وقرئ شذوذاً أيضاً ببناء سئل للفاعل، مع قتلت بضم التاء للمتكلم، وبسكونها على التأنيث، فالقراءات الشاذة ثلاث. قوله: (صحف الأعمال) أي فإنها تطوى عند الموت، وتنشر عند الحساب. قوله: (بالتخفيف والتشديد) سبعيتان. قوله: (فتحت وبسطت) أي بعد أن كانت مطوية. قوله: (نزعت عن أماكنها) أي أزيلت عنه، فالكشط القلع عن شدة التزلق والقشط لغة فيه، وبها قرئ شذوذاً، فالسماء تنزع من أماكنها، كما ينزع الغطاء عن الشيء، وقيل: تطوى كما يطوى السجل. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما سبعيتان. قوله: (أججت) أي أوقدت للكفار. قوله: (قربت لأهلها ليدخولها) أي هيئت وأحضرت لهم وسهل طريقها، لا أنها تزول عن موضعها. قوله: (أول السورة) أي الواقعة في أولها، وقوله: (وما عطف عليها) أي وهو أحد عشر.
قوله: {عَلِمَتْ نَفْسٌ} إن قلت: إن النفس نكرة في سياق الإثبات وهي لا تعم. أجيب بجوابين، الأول: أن العموم استفيد من قرينة المقام والسياق، الثاني: أن وقوعها في سياق الشرط، كوقوعها في سياق النفي فتعم أيضاً، ومعنى العلم بما أحضرته، أنها تشاهد أعمالها مكتوبة في الصحف.