التفاسير

< >
عرض

هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْغَاشِيَةِ
١
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ
٢
عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ
٣
تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً
٤
تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ
٥
لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ
٦
لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ
٧
-الغاشية

حاشية الصاوي

قوله: {هَلْ أَتَاكَ} أشار المفسر إلى أن {هَلْ} بمعنى قد، وقوله: {أَتَاكَ} أي في هذه السورة، فالماضي إخبار عما وقع له في الحال، ويصح أن يراد بالاستفهام، والتعجب والتشويق إلى استماع حديثها المذكور بقوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ} الخ، قوله: {ٱلْغَاشِيَةِ} من الغشاء وهو الغطاء، ومنه الغشاوة وهي شيء يغطي العين. قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ} الخ، استئناف واقع في جواب سؤال مقدر تقديره وما حديث الغاشية، و{وُجُوهٌ} مبتدأ سوغ الابتداء به وقوعه في معرض التفصيل، و{خَاشِعَةٌ} خبره، {عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ} خبران آخران. قوله: {يَوْمَئِذٍ} أي يوم إذ غشيت، فالتنوين عوض عن جملة. إن قلت: إنه لم يتقدمها جملة يصح أن يكون التنوين عوضاً عنها. أجيب: بأن تقدمها لفظ الغاشية، وهو في معنى الجملة، لأن أل موصولة باسم الفاعل، فكأنه قال التي غشيت، فالتنوين عوض عن هذه الجملة التي انحل لفظ الغاشية إليها. قوله: (عبر بها عن الذوات) أي فهو مجاز مرسل من التعبير عن الكل بالجزء، خص الوجه لأنه أشرف الأعضاء، ولأنه يظهر عليه ذلك أولاً. قوله: (بالسلاسل والأغلال) أي بسبب جر السلاسل وحمل الأغلال، وكذلك يخوضون في النار خوض الإبل في الوحل، والصعود والهبوط في تلال النار، قال تعالى: { إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ } [غافر: 71-72] وهذا جزاء لما ارتكبوه من إراحة أبدانهم في اللذات والشهوات قال سعيد بن جبير: تكبرت في الدنيا عن طاعة الله تعالى، فأعملها الله تعالى وأنصبها في النار، بجر السلاسل الثقال وحمل الأغلال والوقوف حفاة عراة في العرصات، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. قوله: (بضم التاء وفتحها) أي فهما قراءتان سبعيتان، والضمير للوجوه على كل.
قوله: {نَاراً حَامِيَةً} أي لأنه أوقد عليها مدة طويلة، ففي الحديث:
"أحمى عليها ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة" . قوله: {آنِيَةٍ} أي بلغت أناها في الحرارة، والمعنى انتهى حرها. قوله: {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ} قال أبو الدرداء والحسن: إن الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع، حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع، وهو ذو غصة فيغصون به، فيذكرون أنهم كانوا يحيزون الغصص في الدنيا بالماء، فيستسقون فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون من عين آنية، لا هنيئة ولا مريئة، فإذا أدنوه من وجوههم، سلخ جلود وجوههم وشواها، فإذا وصل بطونهم قطعها، فذلك قوله تعالى { وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ } [الكهف: 29] وقوله تعالى: { وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ } [محمد: 15]. إن قلت: كيف حصر الطعام هنا في الضريع، مع أنه في الحاقة قال: { وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ } [الحاقة: 36]؟ أجيب أن العذاب ألوان، والمعذبون أنواع، فمنهم من يكون طعامه الزقوم، ومنهم من يكون طعامه الضريع، ومنهم ما يكون الغسلين، وهكذا.
قوله: {لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ} كل منهما صفة لضريع، والمعنى: لا يحصل السمن لآكله، ولا يدفع عنه جوعاً.