التفاسير

< >
عرض

وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
١٢٢
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ
١٢٣
وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
١٢٤
-التوبة

حاشية الصاوي

قوله: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي لا ينبغي، ولا يجوز لهم أن ينفروا جميعاً، بل يجب عليهم أن يتقسموا قسمين، طائفة تكون مع رسول الله لتلقي الوحي، وطائفة تخرج للجهاد. قوله: (فهلا) أشار بذلك إلى أن {فَلَوْلاَ} للتحضيض. قوله: (ومكث الباقون) قدره إشارة إلى أن قوله: {لِّيَتَفَقَّهُواْ} الخ، علة لمحذوف، ولا يصح أن يكون علة لقوله: {نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} قوله: {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ} عطف على قوله: {لِّيَتَفَقَّهُواْ} فيه إشارة إلى أنه ينبغي لطالب العلم تحسين مقصده، بأن يقصد بطلبه العلم تعليم غيره، واتعاضه هو في نفسه، لا الكبر على العباد، والتشدق بالكلام. قوله: {إِذَا رَجَعُوۤاْ} أي من كان في الغزو، قوله: { إِلَيْهِمْ} أي إلى من مكث ليتفقه في الدين. قوله: (قال ابن عباس) إلخ، المقصود من ذلك، دفع التعارض بين هذه الآية وما قبلها. قوله: (مخصوصة بالسرايا) أي وهي التي أرسلها ولم يخرج معها. قوله: (فيما إذا خرج النبي) أي لأنه لا عذر، حينئذ لمن يتخلف، لأن صاحب الشريعة الذي يتعلمونها منه مصاحب لهم.
قوله: {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ} ليست هذه الآية ناسخة لآية:
{ وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً } [التوبة: 36] على التحقيق، بل هذه الآية تعليم لآداب الحرب، وهو أن يبدأوا بقتال الأقرب فالأقرب، حتي يصلوا إلى الأبعد، فبهذا يتمكنون من قتالهم كافة، لأن قتلهم دفعة واحدة لا يتصور، ولذا قاتل رسول الله أولاً قومه، ثم انتقل إلى سائر العرب، ثم إلى قتال أهل الكتاب، ثم إلى قتال أهل الروم والشام، ثم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم انتقل أصحابه إلى قتال العراق، ثم بعد ذلك إلى سائر الأمصار. قوله: { يَلُونَكُمْ} من الولي وهو الأقرب، وفي فعله لغتان: وليه يليه وهو الأكثر، والثانية من باب وعد، والآية منها وهي قليلة الاستعمال، فأصله يوليون، حذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، ثم نقلت ضمة الياء إلى اللام بعد سلب حركتها، فالتقى ساكنان، حذفت الياء لالتقائهما. قوله: (شدة) أي صبراً وتحملاً. قوله: (أي أغلظوا عليهم) أشار بذلك إلى أن في الآية استعمال السبب في المسبب، لأن وجدان الكفار الغلظة، مسبب عن إغلاظ المسلمين عليهم.
قوله: {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ} المعنى إذا نزلت سورة من القرآن، والحال أن المنافقين ليسوا حاضرين وقت النزول، وليس فيها فضيحة، وأما ما يأتي فيحمل على ما إذا كانوا حاضرين ذلك، والحال أن فيها بيان أحوالهم، فلا تنافي بين المحلين كما يأتي. قوله: (لأصحابه) أي أو لضعفاء المؤمنين. قوله: (يفرحون بها) أي لأنه كلما نزل شيء من القرآن، ازدادوا إيماناً، وهذا الحكم باق إلى الآن، فمن يفرح بكلام الله وبحامليه، فهو من المؤمنين الصادقين، ومن ينفر من سماعه ومن حامليه، فهو إما كافر أو قريب من الكفر. قوله: (كفراً إلى كفرهم) أشار بذلك إلى أنه ضمن الزيادة معنى الضم، والمعنى زادتهم كفراً مضموماً إلى كفرهم، لأن كفرهم يزيد بزيادة جحدهم المنزل، وسمي الكفر رجساً، لكونه أقبح الأشياء، والرجس هو الشيء المستقذر. قوله: (بالياء) أي فالاستفهام حينئذ للتوبيخ، قوله: (والتاء) أي فالاستفهام للتعجب، لأن الخطاب حينئذ للصحابة.