التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ
١١١
-التوبة

حقائق التفسير

قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} [الآية: 111].
سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزار يقول: سمعت ابن عطاء يقول: فى قوله {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} قال: نفسك موضع كل شهوة وبلية ومالك محل كل أثم ومعصية، فأراد أن يزيل ملكك عما يضرك، ويعوضك عليه ما ينفعك عاجلاً وآجلاً.
قال سهل: لا نفس للمؤمن إنها دخلت فى البيع من الله، فمن لم يبع من الله حياته الفانية كيف يعيش مع الله ويحيا حياة طيبة قال الله عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ}.
قال جعفر فى قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ} قال: مكر بهم على لسان الحقيقة وعلى لسان المعاملة اشترى منهم الأجساد لمواضع وقوع المحبة من قلوبهم وأحياهم بالوصلة.
وقال بعضهم: من سمع الخطاب فانتبه له، كان كأبى بكر رضى الله عنه لما قيل له: ماذا أبقيت لنفسك؟ قال: "الله ورسوله" أى أبقيت لنفسى من لا يفنى ولا يزال باقيًا. فأبقى ببقائهما دون الأعراض التى هى عوارى.
وقال بعضهم: اشترى منك ما هو محل الآفات و البَليَّات وهو النفس والمال، وجعل ثمنهما الجنة، فإن آنس قلبك كان الثواب عليه المشاهدة والقربة.
قال الحسين: نفوس المؤمنين نفوس أبية استرقها الحق فلا يملكها سواه.
قال النصرآباذى: سُئل الجنيد رحمة الله عليه متى أشترى؟ قال: حين لأمنى أزال عنهم العلل يزول ملكهم عن أنفسهم وأموالهم ليصلحوا المجاورة للحق ومخاطبته.
قال ابن عطاء: مكر بهم وهم لا يشعرون، لكن الكلام فيه من جهة المعاملة مليح اشترى منهم الأجساد لمواضع وقوع المحبة من قلوبهم، فاجتباهم بالوصلة.
قال النصرآباذى: اشترى منك ما هو صفتك، والقلب تحت صفته فلم تقع عليه المبايعة.
قال النبى صلى الله عليه وسلم:
" "قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن" " قال: مباينه منك فى الابتداء أوجبت المشاراة، ومن لم يباين الحق لم يقع عليه اسم الشراء ألا ترى أن الله الكريم خاطب الكليم بقوله: { وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي } [طه: 41] فلا شراء ولا بيع ولا مباينة بحال.
قال أبو عثمان: اشترى من المؤمنين أنفسهم، كى لا يخاصموا عنها، فإنها ليست لهم، والإنسان لا يخاصم عما ليس له.
قال أبو بكر الوراق: اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ولا شىء يتقرب به العبد إلى الله فى أداء الأوامر والفرائض، إلا النفس والمال فاشترى منهم النفس والمال لئلا ينظروا إلى ما يبدو منهم من أنواع القرب، لأنهم باعوا قبل فلا يعجبوا بشىء من أفعالهم، ولا يفتخروا بشىء من طاعاتهم، لأن مواضعها النفس والمال، وليس لهم عليها ملك، ومن لا يملك الأصل كيف يفتخر بالفرع.
قوله تعالى: {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ}.
قال الحسين: عهد الحق فى الأزل إلى خواصه باختصاص خاصيته، خصهم بها من بين تكوينه فأظهر آثار أنوار ذلك عليهم عند استخراج الذر، فرأى آدم الأنوار تتلألأ فقال: من هؤلاء؟ ثم أظهر سمات ذلك حين أوجدهم، وهى آثار ذلك العهد الذى عهد إليهم، فوفى لهم بعهودهم {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ} قال: {فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ}.
قال النصرآباذى: البشرى فى هذا البيع أنه يوفى بما وعد، بأن لهم الجنة ويزيد لمن يشاء، فضلاً منه وكرمًا بالرؤية والمشاهدة ولو لم يكن فيه إلا مساواة المساومة لكان عظيمًا، فكيف المبايعة والمشاراة.