التفاسير

< >
عرض

قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ
٣٤
-النمل

لطائف الإشارات

ويقال إِنَّ: {وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ} مِنْ قوْلِها.
ويقال: تغييرُ الملوك إذا دخلوا قريةً - عن صفتها - معلومٌ، ثم يُنْظَر... فإن كان الداخِلُ عادلاً أزال سُنَّةَ الجَوْرِ، وأثبت سُنَّةَ العَدْلِ، وإِنْ كان الداخلُ جائراً أزال الحَسَنَ وأثبت الباطلَ. هذا معلوم؛ فإنَّ خرابَ البلادِ بولاةِ السُّوءِ، حيث يستولي أسافلُ الناس وأَسقاطُهم على الأعزة منهم، وكما قيل:

يا دولة ليس فيها من المعالي شظيهْ
زولى فما أنتِ إِلاّ على الكرام بليهْ

وعمارة الدنيا بولاة الرُّشْدِ، يكسرون رقابَ الغاغة، ويُخَلِّصُون الكرامَ من أَسْرِ السِّفْلة، (ويأخذ القوس باريها)، وتطلع شمسُ العدل من برج شرفها... كذلك المعرفةُ والخصالُ المحمودة إذا باشَرَتْ قلبَ عبدٍ أخرجت عنه الشهواتِ والمُنى، وسفاسفَ الأخلاقِ من الحقد والحسد والشُّحِّ وصِغَرِ الهمة... وغير ذلك من الأوصاف الذميمة وتُثْبِتُ بَدَلَها من الأحوال العَلِيَّةِ والأوصاف المَرْضِيَّةِ ما به نظامُ العبد وتمامُ سعادته. ومتى استولت على قلبٍ غاغةُ النَّفسِ والخصالُ المذمومة أزالت عنه عمارته، وأَبْطَلَتْ نضارتَه، فتخرب أوطانُ الحقائق، وتتداعى مساكنُ الأوصاف الحميدة للأفول، وعند ذلك، يَعْظُم البلاءُ وتتراكم المِحَنُ.