التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ
٢٢
عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ
٢٣
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ
٢٤
يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ
٢٥
خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ
٢٦
وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ
٢٧
عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ
٢٨
-المطففين

لطائف الإشارات

{إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ}.
اليومَ وغداً: اليومَ في رَوْحِ العرفان، وراحةِ الطاعة والإحسان، ونعمةِ الرضا وأُنْسِ القُربة وبَسْطِ الوصلة. وغداً - في الجنة وما وُعِدوا به من فنون الزلفة والقربة.
قوله جلّ ذكره: {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ}.
أثْبَتَ النظرَ ولم يُبَيَّنْ المنظور إليه لاختلافهم في أحوالهم؛ فمنهم من ينظر إلى قُصُوره. ومنهم من ينظر إلى حُورِه، ومنهم ومنهم... ومنهم الخواصُّ فهم على دوامِ الأوقات إلى الله - سبحانه - يَنْظُرون.
قوله جلّ ذكره: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ}.
مَنْ نظر إليهم عَلِمَ أنَّ أثََرَ نَظَرِه إلى مولاه ما يلوح على وجه من النعيم؛ فأحوال المحبِّ شهودٌ عليه أبداً. فإنْ كان الوقتُ وقتَ وصالٍ فاختيالُه ودلالُه، وسرورُه وحبورُه، ونشاطُه وانبساطُه. وإِنْ كان الوقتُ وقتَ غيبةٍ وفراق فالشهودُ عليه نحولُه وذبولُه، وحنينُه وأنينُه، ودموعُه وهجوعُه... وفي معناه قلت:

يا مَنْ تَغَيُّرُ صورتي لَمَّا بدا - لجميع ما ظنوا بنا - تحقيقُ

وقلت:

ولمَّا أتَى الواشين أنِّي زُرْتُها جَحَدُتُ حذاراً أنْ تَشِيعَ السرائرُ
فقالوا: نرى في وجهِك اليومَ نضرةً كَسَتْ مُحيَّاك.. وهاذاك ظاهِرُ!
وبُرْدُكَ لا ذاك الذي كان قبلَه به طِيبُ نَشْرٍ لم تُشِعْهُ المجامِرُ
فما كان منِّي من بيانٍ أُقيمه وهيهات أن يخفي مُريبٌ مساتِرُ!

قوله جلّ ذكره: {يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ}. {مَّخْتُومٍ} أي رحيقٌ لا غِشَّ فيه.
ويقال: عتيقٌ طَيِّبٌ.
ويقال: إنهم يشربون شراباً آخره مِسْكٌ.
ويقال: بل هو مختومٌ قبل حضورهم.
ويقال: {خِتَامُهُ مِسْكٌ}. ممنوعٌ من كلِّ أحدٍ، مُعَدٌّ مُدَّخَرٌ لكلِّ أحدٍ باسمه.
{وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ}. وتنافُسُهم فيه بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة، والسباقُ إلى القُرْب، وتعليقُ القلبِ بالله، والانسلاخُ عن الأخلاقِ الدَّنِيَّة، وجَوَلاَنُ الهِمَمِ في الملكوت، واستدامةُ المناجاة.
قوله جلّ ذكره: {وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا ٱلْمُقَرَّبُونَ}.
{تَسْنِيمٍ}: أي: عينٌ تسَنَّمُ عليهم من عُلُوٍّ.
وقيل: ميزابٌ يَنْصَبُّ عليهم من فوقهم.
ويقال: سُمِّي تسنيماً؛ لأن ماءَه يجري في الهواء مُتَسَنِّماً فينصبُّ في أواني أهل الجنة؛ فمنهم مَنْ يُسْقَى مَزْجاً، ومنهم مَنْ يُسْقى صِرْفاً... الأولياء يُسْقَون مزجاً، والخواصُ يُسْقَون صِرْفاً.