التفاسير

< >
عرض

وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ
٨٥
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ
٨٦
وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ
٨٧
لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
٨٨
وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ
٨٩
-الحجر

عرائس البيان في حقائق القرآن

قوله تعالى {فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ} الصفح الجميل ما يكون برؤية تقدير الازل بنعت شهوده مقدور الغيب بوصف السرور فى مباشرة الامر والنشاط بارجوع الى الحق وسابق امره ومشيته فيما جرى عليه بالواسطة من الغير فاذا كان كذلك سقط لملامته بسقوط الوسايط وحصل الرحمة على الجرم المجبور بامر التقدير الا ترى كيف اشار بتمام الآية الى سرّ ما سبق من التقدير الازلى بقوله {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ} اى ما هجم عليك من ايذاء قومك هو مخلوق الخلائق وتقديره فى تربيتك وابلاغك الى مقام اولى العزم وهو عليم بما قدر وبما يكون من اتصافك بخلقه العظيم وان كان لفظه الخلاق متعلقا بمعنى الايجاد والتقدير وايضا فيه ايماء من معنى الخلق والتخلق كانه داعى حبيبه الى التخلق بخلقه فى العفو والكرم ثم واساه بانه عليم بما قلبه من الشفقة على دينه وايضا الصفح الجميل مواساة المذنب يرفع الخجل عنه ومداواة موضع آلام الندم فى قلبه روى عمرو بن دينار عن محمد بن الحنفية عن على رضوان الله عليهم فى قوله فاصفح الصفح الجميل قال هو الرضا بلا عتاب وقال بعضهم صفح لا توبيخ فيه ولا حقد بعده والرجوع من الامر الى ما كان قبل ملابسة المخالفة ثم ان الله سبحانه وصف امتنانه عليه بما اعطاه من علوم الالوهية واسرار الربوبية ليزيد رغبته فى الصفح والعفو والكرم ومواساة عباده وتحمل ايذائهم بقوله {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي} فيه بيان التخلق والاتصاف بصفاته القديمة واخلاقه الكريمة اى البسناك انوار سبع الصفات من صفاتنا لتتصف بها وتتخلق بخلقها فتكون ربانيا الوهيا جبروتيا ملكوتيا جلاليا جماليا نوريا قدسيا اوليا اخريا رحمانيا رحيميا ذاتيا صفاتيا والسبع المثانى سبع بحار الصفات القديمة فغسله فيها والبسه من انوارها كسوة الربوبية حتى تكون مرآة الله فى بلاد الله وعباده فسقاه من بحر علمه شرابات ومن بحر قدرته ومن بحر سمعه ومن بحر بصره ومن بحر كلامه ومن بحر ارادته ومن بحر حياته فصار عالما بعلمه قادرا بقدرته سميعا بسمعه بصيرا ببصره متكلما بكلامه مريدا بارادته حيا بحياته فعلم بعلمه علم ما كان وما سيكون ويقلب الاعيان فى السّماوات والارض بقدرته ويسمع حركات الخواطر بسمعه ويرى ما فى الضمائر ببصره ويتكلم بحقائق الربوبية والعبودية بكلامه ويكون ما اراد بارادته ويحيى القلوب الميتة والابدان الفانية بحياته ولكل صفة منها ثانيها من جمهور الصفات الخاصة على ازاء كل صفة منها صفة حتى يكون مثانى ومنها القدم والبقاء والجلال والجمال والرؤية والصمدية والربوبيه فالصفات الاولى مع هذه الصفات السبع المثانى فكان من مشاهدة القدم والاتصاف به صار بنعت التجريد عن الحدثان ومن مشاهدة البقاء والاتصاف به صار متمكنا فى محل الصحو ومن مشاهدة الجلال والاتصاف به صار فى محل الهيبة مهيبا فى السماوات والارض ومن مشاهدة الجمال والاتصاف به صار عاشقا بوجه القدم وصار مرآة جمال الحق فى العالم ومن مشاهدة رؤيته والاتصاف بها صار شائقا محبا مستغرقا فى بحر الازل وصار معشوقا لقلوب الخليقة ومن مشاهدته الصمدية واتصافه بها صار صمدانيا مشربه من العندية وطعامه من المشاهدة بقوله ابيت عند ربى يطعمنى ويسقينى وكان لا يراه احد الا اسكن جوعه من تاثير صمدانيته ومن مشاهدة الربوبية والاتصاف بها صار متصرفا فى مماليك الحق وعباده وبلاده الا ترى كيف اجابه الشجرة حتى ات عنده من البعد وسترته لقضاء حاجته وكيف انشق القمر باشارته وصار بذلك مسجود الحجر والشجر فقد اعطاه الله انوار هذه السبع المثانى من الصفات القدمية وزاد بانه اعطاه القران العظيم الذى اخبره خبر جميع اسمائه ونعوته واوصافه وما لم يصل اليه جميع الصفات لان صفاته تعالى غير متناهية فعرَّفه القران اوصاف الذات والصفات جميعا وعظم القران من عظم متكلمه وهو بذاته تعالى تكلم بقران عظمته من حيث عظمة الذات وعظمته ان تحت كل حرف من حروفه بحرا من علوم الازلية الابدية وايضا لكل صفة من صفاته ثانى من عينية الذات فالصفة ثانى الذات والذات ثانى الصفات ليس من جهة الافتراق والاجتماع هو واحد من جميع الوجوه وهو منزه عن كل تفرقة وجمع كانه قال اتيناك معا فى الذات والصفات وجئت عرفتها بعد ان عرفك تعالى بجلاله وعزته اى كسيناك نور ذاتنا وصفاتنا لذلك قال عليه السلام من رانى فقد راى الحق ومن عرفنى فقد عرف الحق والقرآن العظيم علمك انباء الربوبية وعرفك حقائق الالوهية واعلمك علوم الغيبية واحكام العبودية وادق الاشارة ان السبع المثانى هى تلك الصفات القائمة وتاثيرها من جهة الاتصاف بها فى قلب النبى صلى الله عليه وسلم كانه ثوانى السبع الصفات القائمة بالذات لانه العالم والقادر والسميع والبصير والمتكلم والمريد والحى وهذه الصفات من النبى صلى الله لعيه وسلم مواليد تلك الصفات القائمة الازلية المنزهة من العلة وتواثيرها الا ترى الى ما حكى عن الله عز وجل فى حق المحبين ما قال الله اذا احببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ولذلك قال عليه السلام خلق الله آدم على صورته ويمكن انه تعالى قد اشار ايضا الى صفته العامة وصفته الخاصة مثل المتشابهات اى عرّفناك صفتى الخاصة والعامة وعرّفناك بالقران العظيم معانى الصفات العامة والخاصة فصرت عاشقا محباً مشتاقا من رؤية الصفات الخاصة المتشابهة لانها معدن الجمال والجلال وصرت متفردا من رؤية صرف الالوهية بواسطة الصفات العامة عن الاكوان والحدثان وظاهر الآية اتيناك سبعا من المعانى اربعة عشر خلقا من اخلاقه مثل الرحمة والشفقة والعفو والصفح والكرم والظرافة واللطافة والحسن والجمال والهيبة والحياء والسخاء والوفاء والولاية والنبوة والرسالة وهذا كما روى على بن موسى الرضا عن ابيه عن جعفر عليهم الصلاة والسلام فى هذه الآية قال اكرمناك وانزلنا اليك وارسلناك والهمناك وهديناك وسلّطناك ثم اكرمناك بسبع كرامات اولها الهدى والثانى النبوة والثالث بالرحمة === الشفقة والخامس المودة والالفة والسادس النعيم والسابع السكينة والقران العظيم وفيهم اسم الله الاعظم ولما بين امتنانه عليه وعرفه مكان النعمة السمرمدية له صغر الكون وما فيه فى عينه بقوله { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ} اى لا تنظر يا صاحب هذه المعانى العظيمة الربانية الى زينة اصناف اهل الدنيا من الغافلين عنا فانها فانية لا يليق بهمتك وهذا اشارة الى سر الفطرة النفسانية المجبورة بالشهوة الخفية اى ينبغى ان لا يميل نفسك الى شئ غيرنا فانه موضع خطر المخلصين لانه محل امتحاننا لا تمدن عينيك الى طلب جمالنا فى غيرنا من اوصاف الروحانيات فان حقيقة المشاهدة ما تكون خالية من الوسايط اى لا تكن كالخليل حيث قال هذا ربى هذا اكبر لكن اقتد بآخر مقامه حيث قال انى وجهت وجهى للذى فطر السّماوات والارض فبدابته فى قوله هذا ربى مقام العشق وآخر مقامه افراد القدم عن الحدوث فاول مقامك اخر مقام الخليل فغض عليه السلام بصره عن الوجود لذلك وصفه بقوله ما زاغ البصر وما طغى وفى الحديث المروى انه عليه السّلام كان اذا راى اموال اهل الدنيا من الابل والغنم وغيرهما يغطى عينيه بكمّه ويقول بهذا امر ربى ثم زاد التاكيد برفع الهمة عن الغير بقوله {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} ثم امر باستعمال خلقه للمقبلين الى الله المتابعين حبيبه بنعت المحبة والايمان واليقين بقوله {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} جناح همتك ارتفعت من الكونين ووصلت الى قاب قوسين لانها اجنحة الوهية ربانية قيومية اى اخفض جناح الربوبية التى اتصف بها لاهل العبودية حتى يطيروا بجناح نبوتك الى معادن رسالتك ويجدون بمتابعتك وهمتك المقامات الشريفة والولايات الرفيعة ومع ذلك لا تتكلم من حيث انت فانت من حيث انا ولكن تكلم معهم من حيث انت فى مقام العبودية بقوله {وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ} لستُ من قبل الربوبية بشئ لكن انا بشر مثلكم يوحى الىّ فمن جهة الوحى انذركم من عظيم جلاله وقهر كبريائه واحذركم من الم فراقه انا النذير منه مبين حيث البسنى شاهد ملكه وعز جلاله وانوار بهائه مبين من حيث ظهر معجزتى لكم وانتم معا ينوها قال بعضهم فى قوله لا تمدن عينيك غار الحق على حبيبه ان يستحسن من الكون شيئًا او ينظره طرفة فان ذلك متعة لا حاصل له ضد الحق واراد منه ان يكون اوقاته مصروفة اليه وايامه موقوفة عليه وانفاسه حسيبة عنده فقال لا تمدن عينيك الى ما متعنا لذلك وقع فى المحل الاعلى فما زاغ ولا طغى قال يوسف بن الحسين اذن الله تعالى فى قوله قل انى انا النذير المبين لنبيه عليه السّلام ان يخبر عن نفسه بانه السفير الاجل والعلم الظاهر والبيان الشافى قال وقل انى انا النذير المبين.