التفاسير

< >
عرض

وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ
٨٩
إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
٩٠
وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ
٩١
-النحل

عرائس البيان في حقائق القرآن

قوله تعالى {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ} ان الله سبحانه خلق الامم وجعل فيهم الاولياء والاكابر والانبياء والرسل فجعل الرسل شهداء على الانبياء وجعل الانبياء شهداء على الاولياء يشهدون عند الخلق بولايتهم وصدق محبتهم واخلاص توحيدهم وجعل نبينا صلى الله عليه وسلم شاهدا صادقا يشهد بولايتهم وصدق محبتهم واخلاص توحيدهم وجعل نبينا صلى الله عليه وسلم شاهدا صادقا يشهد بولاية اولياء امته واصفيائه خواص اهل نحلته فزال بذلك الابهام والعلن لانه كان عليه السّلام بين شواهدهم وحقائق اعمالهم فيما انزل الله عليه بلسان كتابه وواضح آياته قال الله سبحانه {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} مبينا لكل حق وباطل يفبق بين الصديقين الغالطين وهو كتابه المكنون وخطابه المصون يخبر عما كان وما يكون من كل حد وكل علم وانار سبيل الحقيقة واوضح طريق المعرفة وهو سراج الله فى العالم يخرج بنوره كل طالب صادق من ظلمات الاوهام وشكوك القتام وهو خطاب الحبيب الى الحبيب وذوقه مع الحبيب وسره معجون فى الحبيب وغرائب مكشوفة له وعجائبه مصئونة فى قلبه لا يعرفها غيره بالحقيقة فمن تابعه وصل اليه بحظ وافر واصل حاضر قال ابو على الجورجانى الخلق شهداء بعضهم على بعض وامة محمد صلى الله عليه وسلم هم شهود الانبياء على جميع الامم ومحمد صلى الله عليه وسلم هو المزكى المقبول فمن قدمه فهو المقدم ومن اخره فهو الموخر ومن تعلق به نجا ومن تخلف عنه هلك قال الله وجئنا بك على هؤلاء شهيدا وقال الواسطى انزل عليك الكتاب وانما خوطبت به دون غيرك لانك اهل المخاطبة وخوطبوا جميعا تبعا لك فبين لهم مرادنا فيما خوطبوا به فان اليك البيان وقال ابو عثمان المغربى فى الكتاب تبيان كل شئ ومحمد صلى الله عليه وسمل هو المبين لتبيان الكتاب ثم وصف كتابه بعد وصفه بانه مبين علوم جميع صفاته واسمائه ونعوته وذاته بانه مع انه تبيان طريق معارفه وكواشفه هادٍ للمسترشدين طريق معرفة وحدانيته وفردانيته ورحمة على احبائه بانه يخاطبهم به من حيث داء محبته فى قلوبهم يسمعهم خطابه واناجيله الذى فيه انباء غرايب لطفه باوليائه وعجائب صنعه باحبائه واصفيائه ليستانسوا بخطابه وسماعه ويتواجدوا بلذة كلامه وذلك نعمة تامة ورحمة كافة عليهم وعلى جمهور سُلاّك الطريقة وقصادر الارادة وبشرى لكل مقبل اليه واقف عليه ومنقاد بين يديه بنعت الخضوع والتسليم يبشرهم برضوانه الاكبر ووصاله الاوفر وهؤلاء المخاطبون بهذه الحقائق يوكدهم الله الامر عليهم بان يعدلوا بين خلقه ويواسيهم باحسانه ورفقهم لهم برحمة وينهاهم عن مباشرة حظوظهم و الحسد على اخوانهم بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ان الله سبحانه دعا العباد الى الاتصاف بصفته منها العدل والاحسان والشفقة والرحمة والقدس والطهارة عما لا يليق به فهو العادل والمحسن والرحمن والرحيم غير ظالم جائز وهو منزه عن جميع العلل فمن كسى انوار هذه الصفات بنعت الذوق والمباشرة وحلاه بزينتها يخرج عادلاً محسنا رؤفا رحيما طاهرا مطهرا صدقا مصدقا وليا حبيبا محبوبا مريدا مرادا مراعى محفوظا يعدل بنفسه فيدفعها عن الشرك والشك وروية الغير وطلب العوض فى العبودية وياخذ منها الاتصاف بينها وبين عباد الله بان لا يرى عيب غيرها بل يرى عيبها فى جميع الاوقات وينصف بين عباد الله ويحسن الى من اساء اليه ويعبد الله بوصف الروية وشهود غيبه ويراعى ذوى القرابة فى المعرفة والمحبة من المريدين الصادقين ويرحم الجهال من المسلمين وينهى نفسه عن مباشرة فواحش دعوى الانائية ومباشرة الهوى والشهوة ويدفعها عن الظلم باستكباره عن العبودية ويامرها باذعانها عند تراب اقدام اولياء الله ليكون مطمئنة فى عبودية الحق ذاكرة لسلطان ربوبيته وقهر جبروته وملكوته واحاطته بكل ذرة وفناء الخليقة قال السارى ليس من العدل المقابلات بالمجاهدات والعدل روية المنة منه قديما وحديثا والاحسان الاستقامة بشرط الوفاء الى الابد لذلك قال استقيموا ولن تحصوا وقال بعضه العدل والاحسان ما استطاعها آدمى قط لان الله عز وجل يقول ولن تستطيعوا ان تعدّوا ان تعدلوا وكيف تستطيع ان تعدل بينك وبين الله فى استيفاء نعمه وتضييع وعظه وحكمه وليس من العدل ان تغتر عن طاعة من لا يغتر عن برك والاحسان هو الاستقامة الى الموت وهو ان تعبد الله كانك تراه كالمروى عن النبى صلى الله عليه وسلم وقال صلى الله عليه وسلم استقيموا ولن تحصوا اخبر انه لا يقدر احد ان يعدل بين خلقه فكيف يعدل بينه وبين ربه والفحشاء الاستهانة بالشريعة والمنكر الاصرار على الذنوب والبغى ظلم العباد وظلمه على نفسه افظع قال الواسطى العدل ان لا يوافق العبد غير ربه ولا يطالع غير حده والاحسان ان لا يرى حسنا الا من الله وايتاء ذى القربى فلا قريب اقرب اليك ممن انت له وبه واليه وافحش الفحشاء اضافة الاشياء الى غيره ملكا وايجادا وانكر المنكر رؤية الاشياء من غير الله ولغير الله واقبح البغى تلوين النعوت ورؤيتها بالعلل لعلكم تذكرون تعرفون فضله عليكم بالموعظة لعلكم تذكرون اى عسى ان تذكروا نعمة عليكم ومن جملة ما يتعلق بالعدل والاحسان الوفاء بعهد الله فى عبوديته بقوله {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ} هذا العهد عهد الارواح مع الله حين خرجت من العدم بمحبة القدم والعبودية لربوبيته خالصًا من ايثار الشئ عليه من العرش الى الثرى عهد الله معها انه تعالى اواها على نعت الديمومية الى مشاهدة الابدية وعهدها مع الله خروجها مما لا يليق بالعبودية فحقيقة الوفاء بالعهد من الطرفين يتعلق بعناية الله ورعايته وكل الاجتهاد من العباد يبدو منها فان وقع النقض على عهدنا من غيره السابقة فى الازل وتغير عهدنا بحيث تتغير صفاتنا من حال الاستقامة الى حال الفترة فلم يقع النقض والنقض فى عهد الله لانه منزه عن التغائر الحدثانية وهو ذو رحمة واسعة يفى بعهده ولا علة عليه قال الله تعالى مان اوفى بعهده من الله قال النصرابادى انت متردد بين صفتين صفة الحق وصفتك قال اوفوا بعهد الله وقال ومن اوفى بعهده من الله الى ايّهما نظرت فانك الاحرى ثم العهود مختلفة فى الاقوال عهود وفى الاعمال عهود وفى الاحوال عهود والصدق مطلوب منك فى جميع ذلك وعلى العوام عهود وعلى الخواص عهود على خواص الخواص عهود فالعهد على العوام لزوم الظواهر والعهد على الخواص حفظ السرائر والعهد على خواص الخواص التجلى من الكل لمن له الكل وقا لمن حمل الحمد بنفسه وحوله نقضه فى اوّل قدم ومن حمله بالحق حفظ عليه عهده ومواثيقه وقال الواسطى تقدمت العهود فى الميثاق الاول فمن اقام على وفاء الميثاق فتح له طريق الحقائق وقتا بعد وقت ومن خان فى الميثاق بقى مع وقته واغلق دونه مسالك رشده وقد وقع لى نكتة ههنا من قوله سبحانه {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} ان كان العهد واليمين وقعا من جانب العباد فى الازل تحقق لهم الاختيار فى الوفاء بالعهود والايمان وان وقعا م الحق صرفا وعهدا العباد وايمانهم من نتائجهم او فرعهما فقد سقط عنهم الاختيار وبقيت ايمانهم وعهودهم منقوضة ويخرجان من الحق على نعت الوفاء منه ابدا لانه صاحب الاختيار المنزه عن عوارضات التلوين وتغير الزمان والمكان.