التفاسير

< >
عرض

ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
٢٥٧
أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ
٢٥٨
أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
٢٥٩
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٢٦٠
-البقرة

عرائس البيان في حقائق القرآن

{ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ } لوجدهم من ظلمات العدم الى كشف انوار القدم وايضا يقدسهم ويخرجهم من ظلمات البشرية بمياه الشفقة لنور الابدية وايضا يزيلهم عن اوصافهم المحدثة ويقرهم الى بساط الجزية ويلبسهم صفات الازلية وسناء الصمدية وقال ابن عطا يغنيهم عن صفاتهم بصتفه فيندرج صفاتهم تحت صفاته كما انتدرجت اكوانهم تحت كونه وحقوقهم عند ذكر حقه فيصير قائما بالحق مع الحق للحق وقال اينما بذل النفس لله على حكم الايمان من علامة الهدى والقيام باداء ما استدعا منهما من علامة التوفيق والانتهاء عما زجر عنه من علامة العصمة فذاك لنفى الظلمات عنه بها نوره الله تعالى انوار من الايمان وذلك الى يوجب له الولاية قال الله تعالى ولى الذين أمنوا الاية وقال الواسطى يخرجهم من ظلمات نفوسهم صدقها ورضاها وتقواها الى نور صفاته وما سبق لهم من منابحه وقال ايضا يخرجهم من ظلمات نفوسهم الى انوار ما جرى لهم فى السسبق عن الرضا والصدق والمحبة وغيرها وقال النورى يخرجهم من ظلمات العلم الى نور المشاهدة لانه ليس المعائن كالمخبر قالا لجنيد يخرجهم من الظلمات اوصافهم الى انوار صفاته قال ابو عيمن يخرجهم من روية الافعال الى روية المنن والافضال {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ} اى الذين تسروا ما قد عيانوا من نفوسهم انوار فعله وقدرته وما بدت فى قلوبهم من لوايح العقول بالشروع فى لذائذ الشهوة وعطاء الغفلة اولياؤهم الطاغوت ومتوليهم فى اعزاء التماثيل الباطلة المتخيلة الشيطان يخرجونهم من انوار العقول الى ظلمات الجهل والعنادة {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ } اى اصحاب الهجران عن مشاهدة الرحمن {هُمْ فِيهَا} فى الفقطيعة والابتلاء { خَالِدُونَ } لي لهم مساغ فى الوصل بدالا بدين { أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} وقع عليه السلام فى طلب مشاهدة القدرة صرفا ليرى بنورها مشاهدة القادر فى القدرة وايضا تجبه فى القدرة ليس بشك ولكنه تلون الخاطر ونقله من مقام الايمان الى مقام مشاهدة الحال فى ظهور البرهان وايضا خاص فى بحر التفكر لطلب در المعرفة والفرق بين سوال ابراهيم وعزيز عليهما الصلوة والسلام ان البرهان كان فى محل التمكين فارداه الله تعالى مشاهدة القدرة فى غيره وكان عزيز فى محل التلوين فاراه لله مشاهدة القدرة فى نفسه حتى تباشر قلبه نور الصفات فيشاهد حقيقة فعل القديم ويصير محكما فى محل التمكين وايضا مقام الخليل مقام الانبساط ومقام عزير مقام التحير فانبسط الخليل وسال مشاهدة الصفات فى لباس الايات فاراه ما سأله فى غيره لانه حملو من انوار القدرة فيلطب مزيدة اعلى حاله وتعجب عزير نبى الله من غاية تحيره فى اسرارا الربوبية فاراه الله الايات فى نفسه تاديبا له لان اهل الانبساط ليس بمواخذين كخليل الله وايضا سوال الخليل فى طلب المشاهدة وتعجب عزيز تحير فى كمال القدرة بطلب الايات تبثيتا للوحدانية وايضا مقام الخليل مقام اتحاد تجلى الصفات ومقام عزير مقام اتحاد تجلى الافعال فيتجلى الصفات باشر قلب الخليل لقوله ولكن ليطمئن قلبى وبحلى الافعال باشر صورة عزيز ليكون له تحصيل العلم بقدرة القادر لقوله واعمل ان الله على شئ قدير وايضا خص الخليل بحلى الصرف بلا ايات فى نفسه فلا يحتاج الى ان يمتيه ثم يحيه لان الحق يتحلى له فى نفسه بلا واسطة الايات ولكن يحتاج ان يرى الحق فى غيره فيختص بالمنزلين الصرف والالتباس ولم يكن العزيز مشاهدة الخاص فيحتاج ان يراه فى نفسه بواسطة موته وحيوته وفى غيره يعنى فى الحمار واللبن والثمار ليكون له مقامان وان لم يكن صرفا كمشاهدة ابراهيم وهم بعد ما راى من نفسه ما راى فقيل له فانظر الى طعامك وشرابك وهو مشاهدة الله فى غيره وايضا بلغ الخليل مقام كشف المعاينات فى الحيوة وكشف له ملكوت الاشياء لاجل اقتباسه نور مشاهدة الحق فى الايات ولم يظر الى ان يغيب روحه عن الحواس حتى يرى صرف العين لانه فى حال الصحو ولم يبلغ عزير فى ذلك الزمان مقام العيان فانجاه الله الى غيبته عن الصورة بنعت الغشيان ليرى فى حال غيبته مشاهدة الحق لانه فى حال السكر فلما انتبه راى فى حصوهما راى فى سكره لكم ما راى فى السكر وحال الغيبة مشاهدة الروح مما راى فى الصحو مشاهدة العيان وقيل ارئ ابراهيم احياء الموتى فى غيره وارى عزير فى نفسه لان الخليل تلطف فى السوال فقال ارنى فارى فى الغير وتعجب عزير فى القدرة الا ترى انه ختم قصته بالايمان اعلم ان الله على كل شئ قدير وختم قصة الخليل بالعزة والحكمة فقال واعمل ان الله عزيز حكيم الخيل سال اظهار الحكمة ومشاهدة العزة وعزير تعجب من القدرة فاجيب كل من حي سال قوله تعالى {أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} يجوز ان الله تعالى امتحن الخليل بانواع البلايا فى ظاهره وباطنه اماما فى ظاهره فهو الذى اخبر الله تعالى فى كتابه انه القى فى النار وعذبه بايدى الكفار وايضا ابتلاه بذبح الولد وما اشبهه واما الذى فى باطنه فهو ما اخبر الله من اضطراب قلبه فى تحصيل ادراك محض الربوبية وكان يقول هذا ربى مرة ويقول ارنى مرة لانه كان يطلب من خاطره اثبات محض اليقين فاخبر الله تعالى عن جميع امتحانه مع خليله عليه السلام فى أية من كتابه قال واذا ابتلى ابرايهم ربه بكلمات فاتمهن مقصود الحق سباحنه وتعالى فى ذلك ان يبدع بواطن انبيائه واوليائه بخطرات نفوسهم حتى يحترقوا بفقدان الحبيب وتتقدس عن شوائب البشرية القاء الشيطانية واكثر ابتلاء الخواص هكذا كابرايهم وموسى وعزير محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم وذكر الله تعالى احوالهم جميعا فى كتابه اما لموسى ما روى عنه انه كان يقول فى مناجاته اى رب من متى انت وقال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فان كنت فى شك مما انزلنا اليك وقال عليه السلام "انه ليغان على قلبى وانى لاستغفر الله فى كل يوم سبعين مرة" هكذا ابتلاء خواص الانبياء والاولياء لاباس لان الرب رب والعبد عبد وايضا سال الخليل مشاهدة الحق فى لباس الخلق وايضا ارارد فى سواله زيادة المعرفة فى وسائط الاية لا من الاضطراب فى الشك والتهمة وايضا قال ارنى حقيقته بطنان الالوهية والربوبية وهذا من الخليل غاية استغراقه فى الاشتياق وغوصه فى سر حبيبه واوصاف قدرته لان المحب اارد ان يحيط بحقيقة ذات المحبوب من جميع الوجود وذلك من شرط الاتحاد وتحصيل ذلك زوائد اليقين وحقائق مقام التمكين وان الله تعالى منزه عن ان يدركه انه من خلقه لان ذاته تقدس وتعالى امتع بعزة هويته عن مطالعة المخلوقات فاجاب الله تبارك وتعالى خليله وقال اولم يؤمن من انك لم تدركنى بشرائط سر اقدم وانت مخلوق اسير بنعوت الحدث قال بلى ولكن ليطمئن قلبى بعد روية جنابى فى عز عظمتك وبقاء ربوبيتك لان قلبى لا يسكن عن طلب مشاهدة جمال ربوبيتك واراد عليه السلام فى سواله حيلة كى تخرج من عجز العبودية ويلتبس بصفاء الربوبية وهذا السوال اعظم من سوال موسى بان موسى سال كشف المشاهدة والخليل سال حقيقة علم صاحب المشاهدة وصرف ربوبيته فاذا علم الحق سبحانه من الخليل انه اراد علوم الربوبية وحقائق صفات القدمية وكنه ذات السرمدية {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} اشار الى طيور الباطن التى فى نقص الجسم وهى اربعة من اطيار الغيب الاول هو العقل والثانى القلب وبالثالث النفس والرابع الروح اى اذبح طير العقل بسكين المحبة على باب الملكوت واذبح طير القلب بسكين الشوق على جناب الجبروت واذبح طير النفس بسكين العشق فى ميادين الفردانية واذبح طير الروح بسكين العجز فى تيه عزة اسرار الوحدانية {ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا} اى اجعل العقل على جبل العظمة حتى يتراكم عليه انوار سلطنة الربوبية فيصير موصوفاً بها ليدركنى بى بعد فنائه فى واجعل القلب على جبل البرياء حتى لابسه سناء قدسى فيتيه فى بيداء التفكر منعوتا بصرف نور المحبة واجعل النفس على جبل العزة حتى البسها نور العظمة لتصير مطمئنة عند جريان ربوبيى عليها الا تنازعنى فى العبودية ولا تطلب اوصفا الربوبية واجعل الروح على جبل جمال الازل حتى البسها نور النور العز وقدس القدس لتكون منبسطة فى السكر مطمئنة فى الصحو عاشقة فى الانبساط راسخة فى الايجاد فاذا كانوا ملتبسين بصفاتى يطيرون باجنحة الربوبية فى هواء الهوية ويروننى بلباس الديمومية والازلية {ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ} صوت سر العشق وزمزمة الشوق وجرس المحبة من بساتين القربة الى عالم المعرفة {يَأْتِينَكَ سَعْياً} بسرعة جناح سلطان الربوبية الى معدن العبودية بجمال الاحدية وترانى عبد جمعهن فى مربع دصرك بعبون اللاهوتية ونور الملكوتية {وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} بعزك معرفان هذه المعانى واطلاعك على صفاته القديمة حكيم فى ظهوره بغرائب التجلى الاسرار باطنك وقال بعضهم اراد ان يضير له علم اليقين وعين اليقين فعل له او لم يؤمن والايمان غيبى فى علم اليقين وعين اليقين فقال بلى والكن اسال مشاهدة الغيب وقال بعضهم هذا سوال على شرط الادب كانه يقول اقدرنى على احياء الموتى يدل عليه وقوله اول لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى والكمانية لا تكون ضدا الشك قوله ليطمئن قلبى عن هذه الشهود والمنية وقيل ارنى كيف يحيى القلوب الميتة عنك باحيايها بكل قيل اولم تؤمن اى لست كنت لتستدل علينا بالشمس والقمر وافعالنا فاسقطنا عنك علة الاستدلال وكنا دليلك علينا وقال بعضهم علم ان الخليل مع خليله مختال فى اموره حتى يجد قربا الى خليله او سماعا لكلامه حتى ان بعضهم قال.

وانى لاستعنس وما بى نعسة لعل خيالا منك بلقى خياليا

وقال جعفر الصادق شك فى الكيفية وما شك فى غيره قال النبى عليه السلام "انا ولى بالشك من ابراهيم" وعن جعفر فى قوله ولكن ليطمئن قلبى قال قلب اصحابى وقال ابن عطا اى انى اذا سألتك اجبتنى واذكرتك ذكرتنى فان بذكرك تطمئن القلوب وقال سهل بن عبد الله سال كشف غطاء العيان ليزدم بنور اليقين يقينا وتمكنا فى حاله الا تراه كيف اجبا عن لفظ الشك ببل وقال بعضهم اذا سكن العبد الى ربه وطمان اليه اظهر الله عليه من الكرامات ما اقلها احياء الموتى قال الله تعالى لابراهيم خذ اربعة من الطير الاية وقيل انه طلب روية الحق سبحانه لكن بالرمز والاشارة فمنع منها بالاشارة بقوله تعالى {وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} وان موسى انما ال الروية جهر يقال ارنى فزد بالجهر صريحا فقال لن ترانى وقيل انما طلب حيوة قلبه فاشير عليه بان ذلك بذبح هذه الطيور الاربع ومنها الاشارة فى الطيرو الاربع الطاووس فالاشارة الى ذبحه هى زينة الدنيا وزهرتها والغراب بحرصه والديك بشقة والبط لطلب رزقه وقيل لما قال ابراهيم ارنى كيف تحيتى الموتى قيل له ارنا كيف تذبح الاحياء يعنى اسمعيل عليه السلام بطلبه بما طلبه فلما ارانى بما طولب منه افى الحق سبتحنه بحكم ما طالب.