التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ
٣٧
إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ
٣٨
أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ
٣٩
إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ
٤٠
وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي
٤١
-طه

عرائس البيان في حقائق القرآن

{وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ} بان البستك نور اصطناعى واصطفانى حين خرجت من العدم وذلك النور قوله {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي} هذه خاصيّة عجيبة اصطفاه فى الازل لقبول وحيه ورسالته وسماع كلامه ورؤية مشاهدته فلما اراد ان يجعله مسقط نور جلاله وجماله البسه نور محبته الازلية السابقة للانبياء والمرسلين والعبد يقين حتى يكون بقوتها متحملا لحمل انوار صفاته وذاته فمن كل صفة عليه نور ونور المحبة علا على كل صفة ---- مع هيبته وجلاله محبوب وما لوف كل اليف وبذلك النور يكون حسنا مستحسنا مليحا شريفا ظريفا فى عين الخلائق جميعا ولهكذا لحال كل محب للرحمن قال الواسطى فى قوله سولك سال وبه ابتداء شرح صدره فجاز الاقتداء به للعوام دون الخواص لان الله اعلم بما فيه ابلاغ رسالته واذا ----لا ترى الى قوله قد اوتيت الى قوله مرة اخرى فذكر ايام حداثته ثم رده الى اصله ثم رده من اصله الى اصل الاصل فقال واصنعتك لنفسى فاضافه الى نفسه ثم اكد ذلك بقوله انى اصطفيتك على الناس والقيت عليك محبة منى قال السرى السقطى قدس الله روحه القى عليه لطفا من لطفه استجب به قلوب عباده وقال ابن عطا القيت عليك محبة معى لك فمن راى فيك محبتى تلك احبك يحبنى لك وقال فارس زينتك بملاحة من عندى حتى لا تصلح لغيره ويحبك كل من يرى تلك الملاحة فيك فقيل اليس يوسف اعطى شطر الحسن ولم يكن يستوجب المحبة فقال الحسن لا يوجب المحبة والملاحة توجب المحبى الا ترى النبى صلى الله عليه سلم كان عليه ملاحة ممزوجة بهيبته قال بعضهم عنج بينك لا يراك احد الارق لك ومال اليك ولما خصه بكسوة نور محبته جعله محفوظا فى مقلم الامتحان والبلاء لا ينقطع عنه انوار تلك الخاصية وكان فى مجمع حجر وصلة الحق يربيه بايدى الاعداء ليبين منته واصطفائيته كان خاطب لطف قهره {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ} اى لتكون مربّى فى مقام القهر بعين اللطف وهذا خاصية عجيبة قال لاواسطى ما نجاني ولاولى من محنته ولا اسلم احد من مشقته وهذا معنى قوله ولتصلح على عينى قال ابن عطا ولتصنع على عينى انا مشاهدتك حافظ ارعيك بعينى ولا اسلم سياستك الى غيرى ليعلمه حن العناية ثم ان الله سبحانه ذكر لموسى منته عليه بان انجاه من كيد العدو وارجاعه الى امه وبان لم ياخذه بجرم القتل بقوله {وَقَتَلْتَ نَفْساً} انه الله سبحانه اعلم الحقائق ان من اصطفاه الله فى الازل بشرائف المعرفة ولطائف الولاية لا يضربه المعصية ولا يزيله من مقام الاصطفائية مباشرة الكبيرة فالقى موسى فى البداية فى محنة المعصية كابنى أدم عليهما السلام ليكون المتواضع مصحف باله الى النهاية ويربيه بحقائق القهر كما يزينه بحقائق اللطف {فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ } اى نجيناك من طريان العتاب منا على قلبك {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} اخلصناك من النظر الى غيرنا فى جميع انفساك والبسناك انوار لباس ربوبيتنا حتى عرفتنا بمعرفتنا وصرت فنون عجايب لطفنا فى العالم قال الواسطى القاه فى اعظم كبيرة حتى يوجده طعم الاصطفاء بقوله وقتلت نفسا وقال ابو الحارث الاولاسى فتناك بنا عما سوانا وقال ابن عطا فنجيناك بالبلاء طبخا حتى صلحت لبساط الانس وقال سهل افتينا نفسك الطبيبى وجعلناها حتى لا تامن من مكر الله ثم زاد وذكر المنة عليه بان جعل شيخه ومقدمه فى طريقته شعيبا عليه السلام بقوله {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ} لبثه عند شعيب بان رباه الله لصحبه المرسلين ليكون متخلقا بخلقه مهذبا فى أول الحضرة وهذا سنة الله لللمريدين {ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ} اى على قدر زمان الارادة فاذا كنت كاملا جئت على قدر مقام المحبة وطلت بقدر المحبة على بساط القربة بعد قدر الارادة فى مفكر الخدمة جئت بما اصطفيناك فى القدم من العدم لا يتغير قدرك بتقليل بدور العشاق بتحريك ----- بعضهم قدرنا لك سبيل المعرفة وقتها فجئت على ذلك القدر ثم ذكر سبحانه اعظم ---- عليه بقوله {وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} اى خمرت سرك بنور سرى وقلبك بنور نورى وعقلك سنا قدس وروحك بجمال ---- والبستك نور محبتى وكسوتك كسوة ربوبيتى لتكون مشكاة انوار صفاتى وذاتى تجلى من جهدك ---- للعالمين وخصصتك بمخاطبتى وسماع كلامى فان زمانك ليس فى العالم سراك محل وقوع نور تجلى كشوف اسرار سرك ولتكون لنفسى خاصا بالمحبة والشوق والعشق لا لغيرى وانا غيور عليك لا يراك احد بغير---- الا ابتليته ولا ترى احدا بعين المحبة الا ابتليك حتى لا يكون فيك نصيب احد غيرى قال الحراز فى قولك واصطنعتك لنفسى فمن اين والى اين ومنه واليه فله وبه وفنى فنائه لبقاء بقائه بحقيقة فنائه وقال فارس --- حتى لا تصلح لغيرى وقال ابو سعيد الحرار فى بعض كتبه غير ان اولياء الله رهائن الله فى اشياحهم قد خباهم واخفاهم فى انفسهم من انفسهم لنفسه وهذا مقام الاصطناع الذى قال الله لموسى واصطنعتك لنفسى وقال سهل ---- بالتجريد لا يشغلك منى شئ.