التفاسير

< >
عرض

فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ
١٥٩
-آل عمران

عرائس البيان في حقائق القرآن

قوله تعالى {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} ان الله سبحانه خلق قلوب هذه الامة وقت ايجادها فى روية جمال القدم ونورها بالحسن والرجا واخرج ارواحها من العدم الى عالم البسط والسر وروسنا المشاهدة والسماع والجور والبسوا خلق اللطف فصارت مستعدة روية الالطاف قابلة نور الانس من كمال حنكه الله ولطفه علينا خلق نبينا صلى الله عليه وسلم على خلق البسط وروح الانس فوافقت المرافقة وحصلت فى البين اهلية ودانت الارواح وقربت الاشباح فبقت الحسمة وقنيت الغلظة وصار رحمة تامة هذه الامة المرحومة وتصديق ذلك قوله تعالى {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} تبين من الخطاب لطف الجانبين ونسب الفعل الى النبى صلى الله عليه وسلم وان كان غير متكلف فى التلين لانه كان مخلوقا باللطف الكرم من الله وفيها الاشارة الى تاديب الصحابة اى لو كان النبى صلى الله عليه وسلم يدقق عليهم احكام الحقائق لضاقت صدورهم لم يتحملوا اثقال حقيقة الاداب فى الطريق ولكن سامحهم بالشريعة والرخص بحقائق ما اوجبه الله عليه وتصديق ذلك قوله تعالى {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ} الغفور والاستغفار من مسامحة الله لهم فاعف عنهم ----- قلة عرفا لهم اقدارك واستغفر لهم ما يجزى فى صدورهم من الخطرات التى لا يليق بالمعرفة وما يجزى على صورهم من الحظرات التى لا يليق بصحبتك ومجالسك لانك مستغرق فى الربوبية وهم يطلبونك فى مقام العبودية وهم فى وصف المحبة والارادة فانت فى محل التوحيد مشاهدة مطالع شموس الازل واقمار الاباد قال الواسطى فى قوله فبما رحمه من الله لنت لهم جميع اوصافك وما يخرج من انفاسك رحمة منى عليك على من اتبعك وقال ابن عكا لما علا خلقه جميع الاخلاق وعظمت المؤنة عليه فامر بالفض والعفو والاستغفار قال الحارث المحاسبى فى قوله وفبما رحمة من الله لنت لهم نسب ما كان منه فى ذلك من اللين والمداراة الى نفسه بقوله برحمتى لنت لهم وما كان الله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم انك لنت لولا انه ليته بمعرفته وفقة للمداراة قال الفارسى انظر كيف وصف الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم باللين والشفقة ثم عراه عن اوصافه فقوله فبما رحمة من الله لنت لهم وذاك قيامك بنا وهجرانك الخلق جمع قال الاستاد يقال ان من خصائص رحمته سبحانه عليه ان قواه حتى سحبهم وصب على تبليغ الرسالة مع الذى كان يقاسيه من اخلاقهم مع سلطان ما كان مستغرقا له ولجميع اوقاته من استيلاء الحق عليه فولا قولة الالهية استاثره الحق بها والا متى طاق صحبتهم الا ترى لى موسى لما كان قريبا لعهد بسماع كلامه كيف له يصير على مخاطبة اخيه واخذ براس اخيه يجره اليه وقال الاستاد فى قوله ولو كنت فظا غليظ الفلب لو سقيتهم صرف شارب التوحيد غير ممزوج بما فيه لهم حظ لتفرقوا هائمين على وجوههم غيره مطيقين الموقوف معك لخطة وقوله تعالى {وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ} اذا كان فى محل العبودية وامرو الشريعة وعالم العقل امر الله بحسن معاشرته معهم واستيشارهم فى وقائع مستقبلات القدر كيف يقبلونها بالعقول والقلوب بنعت التفكر والصبر فى احكامه لانهم كانوا يشربون من سواقى بحاره ولانهم فى مقام اولاية وهو فى مقام الرسالة والنبوة وهما واحد فى عين الجمع يرون الغيب بنور الفراسة وهو يراه بانوار النبوة والرسالة وكان عليه السلام يحتاج فى محل العبودية الى نصرة الصحابة له فى الدين واذا كان فى مشاهدة الربوبية وخرج من التفرقة الى الجميع امره الله سبحانه بافراد القدم عن الحدث حيث تجرد فى سيره مما لله الى الله بقوله {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} فانه حسبك فيما يريد منه.