التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ
٦٥
بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ
٦٦
وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ
٦٧
-الزمر

عرائس البيان في حقائق القرآن

قوله تعالى {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} هذا من اوائل احوال النبى صلى الله عليه وسلم حين دخل فرسان اسراره فى ميادين الازل الأباد وراى جبروتا فى جبروت وملكوتا فى ملكوت وعزا فى عز وبحرا فى بحر وسلطانا فى كبرياء وكبرياء فى عظمة فما راى للقديم الازلى اهلا من الحدثان وما راى اثر من نفسه فى جناب الربوبية فكاد ان يخطر بقلبه انه معطل قال الله كلا {وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ} يعنى الرسالة والنبوة والانباء العجيبة ولا يشك فى مالك فانك مكرم بسابق عنايتى واصطفائيتى الازلية ولك اخوان حل بهم ما حل بك من الاحوال السنية وغرايبات انوار العزة انظر الىَّ مما وهبت لك من تلك الكرامات ولا تنظر اليها متى فان الالتفات الى المقامات فى المكاشفات والمشاهدات شرك واذا وقفت عنى على حظك منى ليحبطن احوالك فان الكل قائم بى قال ابو العباس بن عطا اى لئن طالعت بسرك الى غيرى لتخر من حظك من قربى وقال ابن عطا هذا شرك الملاحظة والتفات الى غيره وقال جعفر لئن نظرت الى سواه لتحرمن فى الأخرة لقائه ثم اكد الامر عليه الحق سبحانه فى افراده عن غيره واقباله بنعت ترك ما سواه قال {بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ} اى كن خالصا لله لا لغيره فيك نصيب وكن شاكراً له بنعت ان لا ترى صنيعك فى البين شيئا واظهر عجزك فى معرفة المشكور فانه الشكر لا غير واسكن عن الشوق الى ادراك كل القديم فانه لا يدخل تحت ادراك الحوادث وهو اجل عن ان تدركه بنعته بمعنى الاحاطة وخدما أتيتك وكن من الشاكرين فان الخلق لا يصلون الى كنه الازليات والابديات وذلك قوله {وَمَا قَدَرُواْ} كيف يقدرون حق قدره ونعوته الازلية جلت من ان تحويها الحوادث تحيط بها الاماكن وتدركها الابصار وتفطنها الافهام والافكار والارواح محترقة فى اول بوادى انوار قدرته والعقول فانية فى لمعان بديع صنائعه والقلوب مضمحلة فى لزوم واردات تقلب قضائه وقدره علم سبحانه عجز الخليقة عن وصف جلاله وادراك كماله فانهم لا يحتملون ذرة من انوار ذاته وصفاته عند ظهور كشفها بنعت غلبة قهره على الاكوان والحدثان فاجمل القول بقوله وما قدر الله حق قدره حيث وصفوه بنعت الانداد والاضداد ثم فصل بن بطون الافعال ولوائح انوار بعض الصفات فقال {وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} لو وصف حقيقة نفسه بغير ذكر الاكوان والافعال لغابوا فى مهمة الاوهام وما تخلصوا ابدا من تراكم الافكار فى طلب الاسرار بل احالهم الى رؤية الفعل المحيط به صفاته اى كيف تدركون من كان قهره وعظمته فى مباشرة فناء العالم هكذا من حيث عقولكم وان السماوات والارضين اقل من كرة فى ميادين قهر صفاته وعندكم ان العظيم يكون من يقلع جبلة من الجبال فذكر فعله على حد عقولهم فلما علم ترددهم فى مماثلة افعاله ووقعوع قولهم فى اودية الاشكال ومخائيل الابعاض نزه نفسه عن ذلك فى أخر الآية كما نزه نفسه اولها فقال {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} اى تقدس عن يقيسه المتقابسون او يشير اليه المشيرون اول الاية ذكر قدم القدم لاهل الفناء فى التوحيد الذاتى واوسط الأية ذكر ظهور جلاله وجماله بنعت الالتباس فى أياته الافعال للعاشقين واخر الأية ذكر حقيقة السر الصفاتى بنعت التقديس والتنزيه وصف افراد قدمه عن الحدوث فرويه الذات لاهل الفناء ورؤية الصفات لاهل البقاء ورؤية الجمال والجلال فى الافعال لاهل العشق وكلهم مغرولون عن ساحة الكبرياء بقوله سبحانه وتعالى عما يشركون قال سهل فى قوله وما قدروا الله حق دره ما عرفوه حق معرفته فى الاصل ولا فى الفرع وقال الحسين كيف يعرف قدر من لا يقدر قدره سواه قال الواسطى لوطا لعوا حق حقه فى محبتهم لعلموا العجز عن ذلك بالكلية فلم يعرف قدره من ادعى لنفسه معه مقاما قال الله وما قدروا الله حق قدره سئل الجنيد عن قوله والسماوات مطويات بيمينه فقال متى كانت منشورة حتى صارت مطوية سبحانه نفى ما يقع على العقول من طيها ونشرها اذ كل الكون كخردلة او كجناح بعوضة او اقل منها كذلك قال قوله قائم على كل نفس بالسبب كيف لا يستحيل قيامه على هذا الكون الذى لا يزن ذرة عنده بل قيامه بنفسه لنفسه.