التفاسير

< >
عرض

وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ
١٢٤
فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ
١٢٥
وَهَـٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
١٢٦
لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٢٧
-الأنعام

عرائس البيان في حقائق القرآن

بقوله {ٱللَّهِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} وبين انه يعلم من بطنان ضميم الفواد والارواح والاسرار فى الملكوت القلوب فتنظر من نفسه الى نفسه فاشرق نور صفاته وذاته وسطع ضياء مشاهدته ثم عكس ذلك الى غيب غيبه فاظهر منه ارواح القدسية الملكوتية الاهويته فوضع فى نفوسها انوار الولاية والرسالة والنبوة وافردها بتلك الخاصية عن جميع الخلائق تفض وكرما ما اعتريه فى ذلك علة الحوائج لكن جعلهم سبل الخلق والمناهج بهم تهتدوا الى عبوديته خالقهم وعرفان ربوبيته سيدهم ومن خصه الله بذلك لا يضره حسد الحاسدين ولا كيدا الكائدين بل يزيد شرفه ابدا الابدين والحمد لله الذى خص نبينا بذلك صلى الله عليه وأله وسلم ارغام الانوف عواديه وانصار المواليه وقال النصر ابادى الله وانتصار المواليه وقال النصر ابادى الله يعلم الاوعية التى تصلح لسره ومنازلاته ومكاشفاته فيرينها بخواص الانوار ويطلفها بلطائف الاطلاع قال ابو بكر الوراق كما ان الملوك يعلمون مواضع جواهرهم وخزاينهم ويجعلونها فى اشرف مكان وارواحها واخصها فالله يعلم حيث يجعل ويضع نبوته وارسالته وولايته ثم ان الله سبحانه اذا اراد ان يضع جوهر معرفته فى وعاء قلب عبده يفسحه نور تجلاه وكسيبه لباس نور كسوة ربوبيته ليطيق حمل اثقال امانته من المعرفة المحبة والولاية يسهل عليه حمل عظيم ودائع اسراره فوادى طوارق انواره بقوله {فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} اى من يرد الله ان يهديه الى نفسه ويعرفه صفاته ويره جلال ذاته توسع صدره بلطيف انوار قربه وحلاوة خطابه حتى يعرفه به لا بسواه ويراه بنور لابنفسه قال النهر جورى صفة المراد خلوة مماله وقبلوه مما عليه وسعة صدره بمراد الحق عليه قال الله فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام يقال فى هذه الاية نور وصاحب العمل مع البيان وصاحب المعرفة فى حكم العيان وفى تفسير هذه الأية اخبر نبينا صلى الله عليه وأله وسلم من كيفية وامراته فيما روى ابن مسعود رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام قالوا يا رسول الله ما هذا الشرح قال نور يقذف فى القلب فيفسح له القلب فقيل له لذلك من امارة يعرف بها قال نعم وقيل وما هى قال الانابة الى دار الخلود والتجافى عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل النزول بين عليه السلام بوقوع نور التجلى فى القلب فسحته بانتشار سناه فيه بعد ما خلال بالله من بوادى اسراره والباسه ضياء قربه ووصاله وذلك محض الجذب بنعت العناية الى مشاهدته فنعته فى ذلك التسارع فى عبوديته وسرعة انقياده لظهور ربوبيته وغلبة شوق جماله عليه عند تجافيه عن كل مالوف ومحبوب وهذا احسن الصراط الى الله المسقيم عن الاضطراب من جهة النفس والاعوجاج بالقاء العدو بقوله {وَهَـٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً} الصراط المسقيم بالحقيقة طريق الصفات الى الذات بنعت المعارف والكواشف والاشارة فى قوله هذا صراط ربك مستقيما دليل قولى لان هذا اشارة الى القرأن والقرأن صفة القديم وهو طريق الى ذلك القديم بنعت مباشره التجلى ووجدانه بوصف المحبة والمعرفة قال ابن مسعود صراط ربك هو القرأن لذك ارتضى لنفسه لانه صفته وهو صراط ممهد لسير الارواح من معادن الاشباح الى عالم الافراح مستقيم لقوامه بذاته القديم لا ينقطع المعتصم بحبله والمقتدى باسوته وايضا فيه نكتة شرفة وهى ان قوله هذا صراط ربك خصة لنفسه اى هويانى بنعت تجلاه وظهور الصفات والذات بهذا الطريق الى اصفيائه واوليائه واحبائه هذا صراطكم الى بل قال هذا صراط ربك الذى اكشف فيه نقاب الخمسة عن جمال وجهى حتى ينظر الى من يتمسك بحبلى المقبل الى بصراطى قال ابو عثمان اهدى الطرق واقومها طريقة المتابعة وادهى السبل واصلها طرق الدعاوى بالمخالفة قال سهل التوحيد والاسم صراط ربك مستقيما ولما هداهم الى صراط المسقيم ومنهجه القويم الذى ينكشف جلال وجماله ليسالكه الذى لم يكن لاقباله ادبار ولم يكن لهفوانه اصرار وصفهم بالسلامة فى دار رضوان ومربع غفرانه وجعل لهم هناك منازل الرفاهية وفتح فيها عليهم روازق العافية التى هى مشاهدته بلا حجاب بقول تعالى {لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ} دار السلام ساحة جلاله وخطائر قدس صفاته ومساقط وقوع انوار الجلال التى منزهه عن خطر الحجاب وعلة العتاب وظرفان العذاب حاشا منها عند تكريم الوهاب الذى هو وليهم بنعت رعايتهم وكشف جماله لهم بالعوافى الابدية والسلامة السرمدية وايضا السلام هو الله سبحانه الذى وصف نفسه بالسلام لئلا يفرق منه قلوب العارفين ولا يقرع من جماله ارواح المحبين ولا يخاف من جلاله اسرار الواصلين لانه معدن سلامة المقبلين اليه بنعت المحبة وداره قلوب عشاقه التى هى محل كنوز اسارره ومواهب انواره ومعدن انبائه العجيبة ولطائفه الغريبة وفواتح لوامع سبحانه بين اصبعين من اصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء وهو وليهم تعالى يحفظها ورعاتيها حتى لا يدخلها هو اجس النفسانية وغرمات وساوس الشيطانية ما احسن مناظرها وما الطف مطالعها وما اكرم لطائفها وما انعم بهجتها وما اطيب حلاوة محبتها وايضا علقهم بالدار الكرامة الجار ولو عقلهم بالجار لم يبق فى البين لحديث الدار لكن بقى فى القوم بعض ازاغة ابصارهم بنعت الالتفات عند الامتحان الى غير وجه الرحمن من النعيم والجنان فعلقهم بها لوقوع علة الحدثان لكن بفضله ماخلاهم فيها حين قال وهو وليهم يعنى يرفعهم عن رؤية الغير فى البين قال تعالى { { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } اى كل حادث مضمحل عند انكشاف وجه القدم واذا كان تعالى نبفسه دعاهم فان جميع المنازل طابت ما فى الدنيا واما فى الاخرة لان بحفظه طابت الاكوان وبسحن جواره تلذذت الحدثان وانشد فى معناه

سلام على سلمى وان شط دارها سلام على الارض قديم بها العهد
سلام على جاراتها لجوازها سلام جزين وامق شفه الصد
اذا نزلت سلمى بواد فماؤها زلال وسلسال وشيحانها ورد
يا عارفك لو تراه فى وسط النار رد او سلاما وتكون جمراتها ورد او ريحانا

الا ترى الى قوله سبحانه فى وصف خليفه صلى الله عليه وسلم حين ادخله فى دار سلامته يا نار كونى برد وسلاما انظر الى شان البدوى العاشق كيف يقول فى حاله حبيبه

يكون اجاجا دونكم فاذا انتهى اليكم تلقى طيبكم فيطيب
وماذاك الا حين خبرت انه يمر بواد انت منه قريب

وايضا

هوى هواها لمن كان ساكنها وليس بالدار لى هم ولا خطر

وايضا

انى حسد جاركم بجواركم طوف اضحى لدارك جارا
يا ليت جارك باعنى من داره شبرا فاعطيه بشر دارا

قال سهل دار السلام هو الذى فيه من هواجس نفسه ووساوس عدوه قال بعضم دار السلام هو محل السلامة من القطعية قال بعضهم دار السلام هو الذى كرمهم الله فيه بالسلام عليهم وهو قوله { { سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ
}
}.