التفاسير

< >
عرض

وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ
٥٩
-الأنعام

عرائس البيان في حقائق القرآن

قوله تعالى {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} غيبة ذاته القدمى وهو خزائن اسرار والا بادر ومفاتيحها صفاته الازلية لا يعلم صفاته وذاته بالحقيقة الا هو تعالى بنفسه فتمنى الغير عن البين حيث ولا بين فمن اشارة الا حدية المفتاح والخزانة واحد لانه متفرد بصفاته وذاته عن الجمع والتفرقة قال الله تعالى ان اله عنده علم الساعة الأية قال علمه مفاتيحهم الغيب خزائن الغيب وايضا مفاتيح الغيب عند انوار عناية الازلية التى سبقت منه بنعت الكرم والفضل لانبيائه واوليائه وملائكته وغيبة ذاته وصفاته تعالى لانه كنزهم القديم الباقى الا ترى الى قوله كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فيفتح بلطفه بتلك الانوار الازلية التى سماها المفاتيخ لهم ابواب خزائن صفاته وذاته ليعرفوا كنز القدم بانوار القدم وهو تعالى يظهر مكنون اسراره من ذاته وصفاته لهم وهم يستخرجون من بحار الذات والصفات جواهر علومه الازلية والابدية ليضوحوا بانوارها طرق العبودية لعباده ويبينوا مدارك المعاملات ومراقى الحالات لهم وقوله لا يعلمها الا هو اى لا يعلم الاولون والأخرون قبل اظهاره تعالى ذلك لهم ولا يعلم حقائق اقدارها الا هو لانه تعالى عرف بالحقيقة لا غير وايضا لا يعرف طريق وجدانها والوسيلة اليها الا هو هو بذاته تعالى عرفه طرقها لاهلها قال تعالى عالم الغيب فلا يظهر على غيبة احدا الا من ارتضى من رسول ايضا له مفاتح لغيبة ومن تلك المفاتيح التى تعطى قاصديه وطالبية فى بدوشانهم ما داموا صادقين هى المعاملات السنية المقامات الشريفة التى يستفتح بها لهم خزائن الملكوت والجبروت ويستخرج منها انوار المحبة والشوق والعشق والمعرفة ودرجاتها والتوحيد ومكاشفاته وعلومه فيصلون بها الى وصاله الابدى وقربه الجلالى وايض له مفاتيح اللطفيات والقهريات يفتح بها ابواب انوار المعرفة للاولياء ويفتح بها ابواب ظلمات الطبيعة للاعداء وايضا عنده مفاتيح غيب الدرجات يفتح للقلوب خزائن المشاهدات وللارواح خزائن المكاشفات وللعقول خزائن المعارف وللاسرار خزائن علوم الذات والصفات وللاشباح وللارواح خزائن االمعاملات يفتح للانبياء بها خزائن المعجزات ويفتح للاولياء خزائن الكرامات ويفتح للمريدين خزائن الفراسات قال الجريرى لا يعلمها الى هو من يطلعه عليها من صفى وخليل وحبيب وولى وقال ابن عطا هذه الأية يفتح لاهل الخير المحبة والرحمة ولا هل الشر الفتنة والمهانة والاهل الولاية الكرامة ولاهل السرائر السر ولاهل التمكين جذبا وقال ابن عطا الفتح فى القلوب الهداية وفى الهموم الرعاية وفى الجوارح السيارة وقال ايضا يفتح للانبياء المكاشفات وللاولياء المعائنات وللصالحين الطاعات وللعامة الهدايات وقال ابو عسيد الخراز فى هذه الاية ابدا ذلك لنبيه وحبيبه فتح عليه اولا اسباب التاديب ادبه الامر والنهى ثم فتح عليه اسباب التهذيب وهو المشية والقدرة ثم اسباب التذويب وهو قوله ليس لك من الامر شئ اسباب التعذيب وهو قوله تبتل اليه تبتيلا فهذه مفاتح التى فتحها لنبيه صلى الله عليه وقال جعفر عليه السلام يفتح من القلوب الهداية ومن الهموم الرعاية ومن اللسان الرواية ومن الجوارح السياسة والدلالة قوله تعالى {وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} يعلم عجائب بحر غيب لطفه الازلى للانبياء والاولياء ويعلم عجائب بحر غيب قهره للاعداء وايضا يعلم ما فى بحار الغيوب وبرارى القلوب وايضا يعلم ما فى بحار القلوب من عجائب الحكم وجواهر الكرم واصف المعارف والطاف الكواشف ويعلم ما فى برارى النفوس وبناتها من الوان الشهوات قوله تعالى {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ} لا تسقط ورقة من اوراق اشجار الغيوب الى فضاء القلوب من سطوة صرصر رياح القهر واللطف التى هى حكمة من حكم علوم الازلى الابدى وايضا ما يسقط ورقة من اوراق تجلى الجمال والجلال من شجر القدم على قلوب المحبين والمشتاقين والعارفين الا بعلمه على خاصتيهم واصطفايتهم بذلك ولا يكون حبة المحبة فى غيوبات قلوب المحبين الا هو تعالى يربيها بمياه لطفه فرعها فى سماء اليقين قال تعالى اصلها ثابت وفرعها فى السماء اخبر سبحانه باحاطة علمه على كل ذرة من العرش الى الثرى وعن شمول انوار سلطان كبريائه بنعت على جميع الحدثان ظاهراو باطنا لا يغرب عنه مثقال ذرة فى السموات ولا فى الارض وهدد به العباد ليفرغوا منه اليه عند كل خاطر يخطر على قلوبهم يشير الى غيره فانه يعلم السر واخفى وبين ان جميع المقدروات من العرش الى الثرى فى كونيتها من العدم الى الوجود ومن الوجود الى العدم يكون بسابق مشيئته الازلية ورادته القديمة وان جميعها مكتوب على الواح الصمدية باقلام اقداره الغربة محفوظة من تغير الحدثان فى تلون الزمان والمكان وصحة ذلك قوله تعالى {وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} رطوبتها من اثر نسي شمال ربيع لطف مشاهدته وخضرتها من تصارة ظهور عرائس قدرته وصفرتها من تاثير رياح خريف قهره وسقوطها من حدة صولة نظر عظمته وبدوها خضوعا لربوبيته وزوالها من تقديس جلاله عن علة الكون والوجود والعدم قال الواسطى فى قوله ما تسقط من ورقة الا يعلمها متى علمها حين لامتى قيل نصرتها وحضرتها وذهابها حتى لا توجد مها شئ فما ستر من صفاته وما اظهروا حدا ذلك على قدر الكون انما يتكلم باقدرانا ويشير باخطارنا ولو كان قدره كان الهلاك وقيل فى قوله ولا رطب ولا يابس فالاضطرار فى ان تقدم ما اخروا توخر ما قدم منازعة لربوبيته وخروجا عن عبديته قال ابو سعيد القرشى فى هذه الأية من دابة الا ولها ورقة خضراء معلقة من تحت العرش فاذا ايبس الورقة وقعت بين يدى ملك الموت مكتوب عليه اسمه واسم ابيه يعلم ملك الموت قد امر به بقبض روحه فقبض روحه وفى الحديث المروى عن النبى صلى الله عليه وأله وسلم قال ما من زرع على الارض ولا ثمار على الاشجار الا عليها مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم هذا رزق فلان بن فلان وذلك قوله فى محكم كتابه وما تسقط من ورقة الا يعلمها الأية.