التفاسير

< >
عرض

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَٰهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
٩٦
أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَٰتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ
٩٧
أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ
٩٨
أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ
٩٩
-الأعراف

عرائس البيان في حقائق القرآن

قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} ولو انهم شاهدوا ملكوت الارض والسماء بصفة اللطف والجمال وتنبت فى صحارى قلوبهم رياحين الزلفة والقربة والشوق والعشق والمحبة واليقين والتجريد والمعرفة قيل معناه لو انهم صدقوا وعدى واتقوا مخالفتى لنورت قلوبهم بمشاهدتى وهى بركة السماء وزينت جوارحهم بخدمتى وهى بركة الارض وقوله تعالى {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ} لله بكل قوم مكر فمكر بالعموم ممزوج بالقهر وهو ان يعطيهم اسباب العبودية ولم يوفقهم بها ويعطيهم لسان الشكر لا يعرفهم حقائق استدراجه بسلب النعمة عنهم واخلاهم بلا نعت ولا شكر ومكره بالخصوص ان يتلذذ ما وجدوا منه فى قلوبهم ويحجبهم بتلك الحلاوة عن ادراك سنا فوق مقاماتهم من مكاشفة الغيوب فى القلوب ومكره بالمحبين والعاشقين ظهور الصفات فى الأيات وهو مقام الالتباس ومكره بالعارفين والموحدين ان يرهم نفسه على قدر قوة المعرفة والتوحيد ولا يعرفهم مكانا لمكر هناك بان يعلموا ان ما وجدوا منه عندما ما لم يجدوا منه كقطرة فى بحار وذلك من حلاوة مباشرة انوار القدم والبقاء فى اسرار ارواحهم وقلوبهم وعقولهم ولو اطلعوا على حقائق مكره حيث حجبهم عنه لذابوا من الحياء تحت انوار سلطان كبريائه وعظمته ومكره باهل الاتحاد ان يريهم جلاله جماله فى مرأة قلوبهم فيرونه بحسن الازل وجمال الابد بنعت فنائهم فيه فيبقيهم به من حد الفناء فيرون انفسهم كانهم هو من حدة مباشرة الصفة بالفعل فيحتجب عليهم ويبقيهم فى حلاوة تأثير انوار الصفات فيرون انفسهم فى محل الربوبية فيدعون هناك بالاناينة كحسين بن منصور وابى يزيد قدسا لله روحهما فهناك اخفى المكر والطف الاستدراج ولولا فضله وكرامته عليهم ولا بقاهم فيما هم فيه ولكن بلطفه الخفى وانعامه الجلى اخرجهم من ذلك واغرقهم فى بحار عظمته حتى اقروا بانهم ليسوا على شئ منه وانهم فى اول درجة من عبودتيه الا ترى الى قول ابى يزيد فى أخر عمره حيث قال ما ذكرتك الا عن غفلة ولا عبدتك الا عن فترة والى قول حسين بن منصور فى وقت قتله قال تقتلون رجلا ان يقول ربى الله وهذا الطف الله نبينا صلى الله عليه وسلم حيث حرسه من هذا المكر الخفى فى مقام رؤية الا على شهود قاب قوسين او ادنى بقوله لا احصى ثناء عليك انت كما اثنيت على نفسك ذوقه طعم الربوبية واوفقه فى مقام العبودية حتى افتخر بعبوديته بعد وجد ان ربوبيته بقوله انا العبد لا اله الا اله وكل صنيع منه لطيف باوليائه ان مكرهم وان لم يمكرهم ومن نجد من مكره والكل فى قبضة العزة متحيرون وكيف يامن به منه من يعرفه نفسه بالعبودية حكى ان رجلا سأل الشبلى عن معنى مكر الله فأنشأ الشبلى بقوله

احبك الا ببعضى بل بكلى وان لم يبق حبك لى حراكا
ويقبح من سواك الفعل عندى وتفعله فيحسن منك ذاكا

فقال سائل اسال عن أيت من كتاب الله وتحينى بيت عشر فعلم الشبلى انه لم ينفطن ما قال فقال يا هذا مكره بهم اتركه ايهم على ما هم فيه قال الحسين لا يامن من المكر الا من هو غريق فى المكر فلا يرى المكر مكرا واما اهل اليقظة فانهم يخافون المكر فى جميع الاحوال اذا لسوابق جارية والعواقب خفية وقال ايضا من لا يرى الكل تلبسا كان المكر منه قريبا قال ابو الخير الديلمى كنت يوما عندا الجنيد فارتعدت فرائصه وتغير لونه وبكا وقال ما اخوفنى ان ياخذنى الله قال له بعضه احصابنا تتكلم فى درجات الراضين واحوال المشتاقين قال يا بنى اياك ان تامن مكر الله فىيا من مكر الله الا القوم الخاسرون قال سهل المكر تدبير الله بسابق العلم فلا ينبقى لاحد ان يامن مكره وذكل ان من يامن مكر الله بدفع ولا يجوز ان يخرج نفسه من قدرة الله عليه.