التفاسير

< >
عرض

عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ
٤٣
-التوبة

عرائس البيان في حقائق القرآن

قوله تعالى: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} ان من سنة الله سبحانه اذا اراد ان يفتح كنزا من كنوز غرائب علمه ونوال قربه ولطايف وصلته على احد من احبائه واصفيائه وانبيائه اوقعهم فى محل الامتحان واجرى عليه ذلة من ذلل الحدثان حتى يضيق صدره بالغيبة ويذوق قلبه مرارة الغرقة ويذوب روحه من الندامة ويطيح عقله من حشمة العتاب ويزول شجه من دار الاحتجاب فيطلع الله شمس عزة جلاله من مطلع قلبه وينتسم صبح الوصال من مشرق روحه ويبدوا انوار الصفات من روازن اسراره ويشرق سبحات الذات فى ارض فواده ويتنور مجامع عقله بظهور سنا افعاله فيرى العبد فى البسط بعد القبض مشاهدة بديهية ووصلة ابدية وخطايا سرمدية يطير بانوارها فى الازال والاباد ويصير ذلته زلفة وذنبه كشف وصله ويقابل الله منا ذنبه بجميع حسنات العالمين لانه مصطفى فى الازل عجبته ومحبتى بنوال قربه فى القدم ويكون سيئاته حسنات وزلاته زلفات لانه مختار الله فى ارضه وعروسه بين عباده جميع حركاته تقع حسنة وافعاله تكون عند الله مستحسنة وهكذا شان الاحباب المحب يعتبذر لزلة حبيبه ويعشق على غيرة معشوقه لان من كان حسناً فما يبدوا منه ايضاً يكون حسناً.فان نطقت جاءت بكل ملاحة، وان سكنت جاءت بكل جميل. ملاحته وحسن وجهه يعتذر لذنبه فى وجه شافع يمحو اساءته عن القلوب ويا ويأتى بالمعاذير واذا لجيب الى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع. ما حظك الواشون عن رتبة عندى وما ضرك مغتابُ. كأنهم ائنوا ولم يعلموا عليك عندى بالذى عابوا. ولما سبقت الاصطفائية له قبل وقوع المعاملات سبق منه العفولة قبل الزلات كان عليه السّلام من عظمته فى المعرفة اذا اجرى عليه حكم له موقع العتاب خاطبه الله قبله بعفو وتلطف حتى لا يفنى وجوده فى رؤية جلاله وهيبته من حدة الحياء والاحتشاء ولا يكون الا لمن كان معرفته كاملة الا ترى الى قوله عليه السّلام انا اعرفكم بالله واخوفكم منه قيل ان الله اذا عاتب انبيائه عاتبهم ببر قبلها او بعدها الا يراه بقول عفا الله عنك وقال الحسين بن منصور قدس الله روحه الانبياء مبسوطون على مقاديرهم واختلاف مقابلتهم وكل يطيع حظه باستعامال الادب بين يدى الحق وكل ادب على ترك الاستعمال فمنهم من انس قبل التاديب ومنهم من انس بعد التأديب على اختلاف مقاماتهم فاما محمد صلى الله عليه وسلم فانه انس قبل التأديب اذ لو انس بعد التأديب لتفطر لقربه من الحق وذلك ان الحق تعالى امره بقوله ياذن لمن شئت منهم ثم قال مودباً له على ذلك عفا الله عنك لذا وبهذا غاية القرب وقال تعالى حاكياً عن نوح عليه السّلام اى ابنى من اهلى وان وعدك الحق مؤدباً له وأنسه بعد التأديب انه ليس من اهلك الى قوله انى اعظك ان تكون من الجاهلين ولو لم يونسه بعد التأديب ليفطر وهذا مقام نوح عليه السّلام وليس المفضول بمقصر اذ كل منهم له رتبة من الحق ولى نكتة من عجيب الخطاب ان لفظ المسامحة والانس جرى على فعل الماضى لا على فعل المستقبل وكلامه تعالى ازلى اى عفا الله عنك فى الازل قبل وجود العمل ففرح فواده بعفوه السابق له ثم استعمل الانبساط معه بموضع الاستفهام من الامر بوصف الاستيناس والبسط ولو قال ان الله يعفو عنك لكان مستوحشاً فى موقع الخطاب لان المرجو ليس كالمدرك.