التفاسير

< >
عرض

أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ
١٠٨
وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١٠٩
وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
١١٠
وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ
١١١
بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
١١٢
-البقرة

تفسير القرآن

{أم تريدون أن تسألوا رسولكم} من قبل اللذات الدينية الحسيّة والشهوات الخسيسة النفسية {كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل} الظلمة ب النور {فقد ضلّ} الطريق المستقيم.
{وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى} أي: قالت اليهود: لن يدخل الجنة المعهودة عندهم، أي: جنة الظاهر وعالم الملك التي هي جنة الأفعال وجنة النفس إلا من كان هوداً. وقالت النصارى: لن يدخل الجنة المعهودة عندهم، أي: جنة الباطن وعالم الملكوت التي هي جنة الصفات، وجنة القلب إلا من كان نصرانياً. ولهذا قال عيسى عليه السلام في دعوتهم إلى جنتهم: "لن يلج ملكوت السموات من لم يولد مرّتين"، وكانت دعوته إلى السماء، أي: السماء الروحانية {تلك أمانيهم} أي: غاية مطالبهم التي وقفوا على حدّها واحتجبوا بها عما فوقها {قل هاتوا برهانكم} أي: دليلكم الدال على نفي دخول غيركم جنّتكم {إن كنتم صادقين} في دعواكم، بل الدليل دلّ على نقيض مدعاكم.
فإنّ {من أسلم وجهه} أي: ذاته الموجودة مع جميع لوازمها وعوارضها {لله} بالتوحيد الذاتيّ عند المحو الكليّ والفناء في ذات الله {وهو محسن} أي: مستقيم في أحواله بالبقاء بعد الفناء، مشاهد ربّه في أعماله، راجع من الشهود الذاتيّ إلى مقام الإحسان الصفاتيّ الذي هو المشاهدة بالوجود الحقانيّ لمكان الاستقامة والعبادة، لا بالوجود النفساني {فله أجره عند ربّه} أي: ما ذكرتم من الجنة وأصفى وألذّ لاختصاصها بمقام العندية أي المشاهدة التي احتجبتهم عنها {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} أي: وزيادة على ما لكم من الجنة وهو عدم خوفهم من احتجاب الذات وبقاء النفس اللازم لوجود بقيتهم وعدم حزنهم على ما فتهم بسبب الوقوف بحجاب جنّة الأفعال والصفات والتلذّذ بها والاستراحة فيها والاستدامة إليها من شهود جمال الذات. فإنهم وإن تركوها بالشوق إلى تجلّي الذات فإنها حاصلة لهم وأدنى مقامهم تحت جنة الذات.