التفاسير

< >
عرض

أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ
١٣
ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ
١٤
إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ
١٥
يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ
١٦
-الدخان

تفسير القرآن

{أنى لهم الذكرى} أي: الاتعاظ والإيمان بمجرد انكشاف العذاب {وقد جاءهم} ما هو أبلغ منه من الرسول المبين طريق الحق بالمعجز والبرهان ودعاهم إلى سبيله بالطرق الثلاثة من الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن {ثمَّ} أعرضوا ونسبوه إلى الجنون والتعليم المتنافيين لفرط احتجابهم وعنادهم {إنَّا كاشفوا العذاب قليلاً} بتعطيل الحواس والإدراكات {إنكم عائدون} إليه.
{يوم نبطش البطشة الكبرى} أي: وقت تمام الفراغ إلى إدراك العذاب المؤلم بتلك الهيئات وتحقق الخلود {إنّا منتقمون} معذّبون بالحقيقة أو بالردّ إلى الصحة والحياة البدنية، إنكم عائدون إلى الكفر لرسوخه فيكم {يوم نبطش البطشة الكبرى} بزوال الاستعداد وانطفاء نور الفطرة بالرين الحاصل من ارتكاب الذنوب والاحتجاب الكلي الموجب للعذاب الأبدي كما قال:
{ كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } [المطففين، الآيات:14 - 15] ننتقم منهم بالحقيقة بالحرمان الكلي والحجاب الأبدي والعذاب السرمدي. وإن فسرنا القيامة بالكبرى: فالدخان هو حجاب الأنية الذي يغشى الناس عند ظهور نور الوحدة بطغيان النفس لانتحال صفات الربوبية وغلبة سكرة يوم الجمع المورثة للإباحة إذ هو من بقية النفس الأرضية اللطيفة بنور الوحدة المرتقبة إلى محل الشهود التي تأتي بها سماء الروح لتأثيره فيها بالتنوير إذ لم تحترق بالكلية بنار العشق بل صفت وتلطفت وتصعدت. فأما المؤمن بالإيمان الحقيقي الموحد التام الاستعداد، المحب الغالب المحبة، فيصيبه كهيئة الزكمة، أي: السكرة التي قال فيها أبو زيد قدّس الله روحه: سبحاني ما أعظم شأني. والحسين بن منصوررحمه الله : أنا الحق. ثم يرتفع عنه سريعاً لمزيد العناية الإلهية وقوة الاستعداد الفطرية وشدة المحبة الحقيقية، فيتنبه لذلك ويتعذب به غاية التعذب ويشتاق إلى الانطماس في عين الجمع غاية الشوق، فيقول: هذا عذاب أليم، ويطلب الفناء الصرف، كما قال الحلاج قدّس الله روحه:
بيني وبينك أني ينازعني فارفع بفضلك أني من البين.
ويدعو بلسان التضرع والافتقار:
{ رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ } [الدخان، الآية:12] بالإيمان العيني عند كشف الحجاب الآني، {أنى لهم الذكرى} من أين لهم ذكر الذات والإيمان العيني في مقام حجاب الأنائية، {وقد جاءهم رسول مبين} أي: رسول العقل المبين لوجوداتهم وصفاتهم، أي: إنما احتجبوا بحجاب الأنية لظهور العقل وإثباته لوجوداتهم، فكيف ذكرهم للذات تعجب من تذكرهم مع كونهم عقلاء ثم بيّن كونهم عشاقاً مشتاقين بقوله: {ثم تولوا عنه} لقوة المحبة وفرط العشق {وقالوا معلم} أي: من عند الله بإفاضة العلم عليه {مجنون} مستور الإدراك، محجوب عن نور الذات، كما قال جبريل عليه السلام: "لو دنوت أنملة لاحترقت". {إنا كاشفوا العذاب} أي:عذاب الحجاب والحرمان لإعراضهم بقوة العشق عن الرسول قليلاً بطلوع نور الوجه الباقي وإشراق سبحاته وإحراقها ما انتهى إليه بصره من خلقه {إنكم عائدون} بالتلوين إلى الحجاب بعد تجلي نور الذات لبقية الآثار إلى وقت التمكين {يوم نبطش البطشة الكبرى} أي: وقت الفناء الكلي والانطماس الحقيقي بحيث لا عين ولا أثر {إنا منتقمون} أي: ننتقم بالقهر الأحدي والإفناء الكلي من وجوداتهم وبقاياهم فيطهرون عن الشرك الخفي بالوجود الأحدي. وأما الكافر، أي: المحجوب عن نور الذات، الممنوّ بحجب الصفات، المحروم عن الطمس عن عين الجمع بتوهم الكمال فيبقى في مقام الأنائية ويتفرعن وراء حجاب الأنائية كما قال اللعين: { أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ } [النازعات، الآية:24} { مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي } [القصص، الآية:38]، فيخلع عن عنقه ربقة الشريعة ويسير بسيرة الإباحة ويتجسر على المخالفات ويتزندق بارتكاب المعاصي وتركه الطاعات، فيكون من شرار الناس الذين قال فيهم: "شرّ الناس من قامت القيامة عليه وهو حيّ" . فهو في عدم التمييز والرجوع إلى التفصيل والانهماك في الدواعي الطبيعية والتعمّق في الجاهلية كالسكران غلب الهوى على عقله وأحاط به الحجاب من جميع جهاته وظهر أثر الغيّ من مشاعره، هذا عذاب أليم لكنه لا يشعر به لشدّة انهماكه في تفرعنه وقوة شكيمته في تشيطنه، كلما دعاه الموحد القائم بالحق المهدي إلى نور الذات بالفناء المطلق المنصور من عند الله بالوجود الموهوب المتحقق ونبهه على ما به من الاحتجاب أبى واستكبر وطغى وتجبر لاستغنائه بنفسه وثباته في غيِّه حتى إذا وقع في الارتياب وتفطّن بالحجاب عند ارتتاج الباب بتعيين المآب وتيقن العقاب قال: { رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ } [الدخان، الآية:12] كما قال فرعون حين أدركه الغرق: { آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ } [يونس، الآية:90]، {أنى لهم الذكرى} أي: الاتعاظ والإيمان الحقيقي وقد عاندوا الحق وأعرضوا عن القائم بالحق، فلعنوا وطردوا. {إنا كاشفو العذاب} ريثما تحققوا ما هم فيه من الوقوف مع النفس وتبينوا التفريط في جنب الحق {إنكم عائدون} لفرط تمكن الهوى من أنفسكم وتشرّب قلبوكم بمحبة نفوسكم واستيلاء صفاتها عليكم وقوّة الشيطنة فيكم. {يوم نبطش البطشة الكبرى} بالقهر الحقيقي والإذلال الكلي والطرد والإبعاد ننتقم منهم لمكان شركهم وعبادتهم لأنفسهم ومبارزتهم علينا بالظهور في مقابلتنا ومنازعتهم رداء الكبرياء منَّا، كما قلنا: "العظمة إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار" ، وأما حكاية قوم فرعون فاشتهيت تطبيقها على حالك فافهم منها.