التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْكَبِيرُ
١١
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ
١٢
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ
١٣
وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ
١٤
ذُو ٱلْعَرْشِ ٱلْمَجِيدُ
١٥
فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ
١٦
هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ ٱلْجُنُودِ
١٧
فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ
١٨
بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ
١٩
وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ
٢٠
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ
٢١
فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ
٢٢
-البروج

تفسير القرآن

{إنّ الذين آمنوا} الإيمان العيني الحقيّ {وعملوا الصالحات} في مقام الاستقامة من الأفعال الإلهية المقتضية لتكميل الخلق وضبط النظام {لهم جنّات} من الجنان الثلاث {تجري من تحتها} أنهار علوم توحيد الأفعال والصفات والذات وأحكام تجلياتها {ذلك الفوز الكبير} التامّ الذي لا فوز أكبر منه.
{إنّ بطش ربّك} بالقهر الحقيقي والإفناء {لشديد} لا يبقي بقية ولا أثراً {إنه هو يبدىء} البطش {ويعيد} أي: يكرره، يبدىء أولاً بإفناء الأفعال ثم يعيد بإفناء الصفات ثم بالذات {وهو الغفور} يستر ذنوب وجودات المحبين وبقاياهم بنوره {الودود} للمحبوبين بإيصالهم إلى جنابه وتنعيمهم وإكرامهم بكمالاته من غير رياضة {ذو العرش} أي: المستوي على عرش قلوب أحبائه من العرفاء {المجيد} ذو العظمة المتجلي بصفات الكمال من الجمال والجلال {فعّال لما يريد} على مظاهرهم لاستقامتهم فيختارون اختياره في أفعالهم أو يحجب من يريد بجلاله كالمنكرين ويتجلى لمن يريد بجماله كالعارفين.
{هل أتاك حديث} المحجوبين إما بالأنائية كفرعون ومن يدين بدينه أو بالآثار والأغيار كثمود ومن يتصل بهم {بل الذين كفروا} حجبوا مطلقاً في أي مقام كان وبأي شيء كان {في تكذيب} لأهل الحق لوقوفهم مع حالهم {والله من ورائهم} فوق حالهم وحجابهم {محيط} يسع كل شيء وهم حصروه في شاهدهم وما شهدوا إحاطته فلذلك أنكروا {بل هو} أي: هذا العلم {قرآن} جامع لكل العلوم {مجيد} لعظمته وإحاطته.
{في لوح} هو القلب المحمدي {محفوظ} عن التبديل والتغيير وإلقاء الشياطين بالتخييل والتزوير هذا إذا حلّ اليوم الموعود على القيامة الكبرى، فأما إذا أوّل بالصغرى فمعناها: الروح ذات الأبدان فإن الأبدان للأرواح كالأبراج أو الحواس فإنها تخرج منها كالحمام من البروج وشاهد لعلمه وما عمل. وجواب القسم ليهلكنّ البدنيون، {قتل أصحاب الأخدود}، أي: أهلك القوى النفسانية الملازمة لأخدود البدن إذ هم عليها عاكفون وهم على ما يفعلون بمؤمني القوى الروحانية من الاستيلاء عليهم وحجبهم عن مقاصدهم الشريفة وكمالاتهم النفيسة واستعبادهم في أهوائهم وشهواتهم شهود بألسنة أحوالهم وما أنكر هذه القوى المحجوبة عن الكمالات المعنوية من الروحانيين إلا الإيمان بالله المجرّد عن الأين والجهة الغالب على المحجوبين بالقهر الحميد المنعم على المهتدين بالهداية المحتجب بظواهر ملك السماوات والأرض الشهيد الظاهر على كل شيء. إن هؤلاء الفاتنين بالاستيلاء والاستخدام لمؤمني العقول ومؤمنات النفوس ثم لم يرجعوا بالرياضة واكتساب الملكات الفاضلة والانقياد لهم فلهم عذاب جهنم الآثار والطبيعة وعذاب حريق الشوق إلى المألوفات مع الحرمان عنها. إن الذين آمنوا الإيمان العلمي من الروحانيين وعملوا الصالحات من الفضائل والأخلاق الحميدة لهم جنّات من جنان الأفعال والصفات وهي جنات النفوس والقلوب. ذلك الفوز أي: النجاة من النار والوصول إلى المقصود الكبير بالنسبة إلى الحالة الأولى، {إن بطش ربك} أي: أخذه للمحجوبين بالإهلاك والتعذيب لشديد، فإنه هو يبدئهم ويهلكهم ثم يعيدهم للعذاب وهو الغفور للتائبين المؤمنين من الروحانيين يستر لهم ذنوب هيئات السوء بنور الرحمة الودود لهم بالمحبة الأزيلة فيكرمهم بإفاضة الكمالات والفضائل، ذو العرش المستولي على القلب المجيد المنوّر بنوره جميع القوى، فعال لما يريد، المتجلي بالأفعال على مظاهر الملك للقلب فيصحح مقام التوكل بالفناء في توحيد الأفعال، والله تعالى أعلم.