التفاسير

< >
عرض

وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ
١٠٠
وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ
١٠١
وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٠٢
-التوبة

تفسير القرآن

{والسابقون الأوّلون} أي: الذين سبقوا إلى الوحدة من أهل الصف الأول {من المهاجرين} الذين هاجروا مواطن النفس {والأنصار} الذين نصروا القلب بالعلوم الحقيقية على النفس {الذين اتبعوهم} في الاتصاف بصفات الحق {بإحْسَان} أي: بمشاهدة من مشاهدات الجمال والجلال {رضي الله عنهم} لاشتراكهم في كشف الصفات والوصول إلى مقام الرضا الذي هو باب الله الأعظم {وأعدّ لهم جنات} من جنات الأفعال والصفات {تجْرِي تحتها} أنهار علوم التوكل والرضا وما يناسبهما وذلك لا ينافي وجود جنة أخرى للسابقين هي جنة الذات واختصاصهم بها لاشتراك الكل في هذه.
{وآخرون اعْتَرَفوا بذُنُوبهم} الاعتراف بالذنب هو إبقاء نور الاستعداد ولين الشكيمة وعدم رسوخ ملكة الذنب فيه لأنه ملك الرجوع والتوبة ودليل رؤية قبح الذنب التي لا تكون إلا بنور البصيرة وانفتاح عين القلب إذ لو ارتكمت الظلمة ورسخت الرذيلة ما استقبحه ولم يره ذنباً بل رآه فعلاً حسناً لمناسبته لحاله فإذا عرف أنه ذنب ففيه خير {خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً} أي: كانوا في رتبة النفس اللوّامة التي لم يصر اتصالها بالقلب وتنوّرها بنوره ملكة ولم يتذلل بعد في طاعتها للقلب، فتارة يستولي عليها القلب فتتذلل وتنقاد وتتنوّر بنوره وتعمل أعمالاً صالحة، وتارة تظهر بصفاتها الحاجبة لنور القلب عنها وتحتجب بظلمتها فتفعل أفعالاً سيئة، فإن ترجحت الأنوار القلبية والأعمال الصالحة وتعاقبت عليها الخواطر الملكية حتى صار اتصالها بالقلب وطاعتها إياه ملكة صلح أمرها ونجت وذلك معنى قوله: {عسى الله أن يتوب عليهم} وإن ارتكمت عليها الهيئات المظلمة المكتسبة من غلباتها وكثرة إقدامها على السيئات كان الأمر بالعكس فزال استعدادها بالكلية وحق عذابها أبداً وترجح أحد الجانبين على الآخر لا يكون إلا بالصحبة ومجالسة أصحاب كل واحد من الصنفين ومخالطة الأخيار والأشرار، فإن أدركه التوفيق ساقه القدر إلى صحبة الصالحين ومتابعة أخلاقهم وأعمالهم فيصير منهم، وإن لحقه الخذلان ساقه إلى صحبة المفسدين واختلاطه بهم فيصير من الخاسرين أعاذنا الله من ذلك.
{إن الله غفور} يغفر لهم السيئات المظلمة ويسترها عنهم {رَحِيم} يرحمهم بالتوفيق للصالحات وقبول التوبة.