التفاسير

< >
عرض

وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ
٢١
-يونس

روح البيان في تفسير القرآن

{واذا اذقنا الناس} اى اهل مكة {رحمة} صحة وسعة {من بعد ضراء} كقحط ومرض {مستهم} اصابتهم وخالطتهم حتى احسوا بسوء اثرها فيهم واسناد المساس الى الضراء بعد اسناد الاذاقة الى ضمير الجلالة من الآداب القرآنية كما فى قوله تعالى { واذا مرضت فهو يشفين } ونظائره واذا للشرط وجوابه قوله {اذا} للمفاجأة {لهم مكر فى آياتنا} فى فاجأوا فى وقت اذاقة الرحمة وقوع المكر منهم بالطعن فى الآيات والاحتيال فى دفعها وسارعوا اليه قبل ان ينفضوا عن رؤوسهم غبار الضراء. قيل قحط اهل مكة سبع سنين حت كادوا يهلكون ثم رحمهم الله وانزل الغيث على اراضيهم فطفقوا يقدحون فى آيات الله ويكيدون رسوله. قال مقاتل لا يقولون هذا رزق الله وانما يقولون سقينا بنوء كذا وكانت العرب تضيف الامطار والرياح والحر والبرد الى الساقط من الانواء جمع نوء وهى ثمانية وعشرون منزلا ينزل القمر كل ليلة فى منزل منها ويسقط فى المغرب نجم واحد من تلك المنازل الثمانية والعشرين فى كل ثلاثة عشر يوما مع طلوع الفجر ويطلع رقيبه من المشرق فى ساعته فى مقابلة ذلك الساقط وهذا فى غير الجبهة فان لها اربعة عشر يوما فينقضى الجميع بانقضاء السنة اى مع انقضاء ثلاثمائة وخمسة وستين يوما لان ثلاثة عشر فى ثمانى وعشرين مرة تبلغ هذا القدر من العدد وانما سمى النجم نوأ لانه اذا سقط الساقط منها بالمغرب فالطالع بالمشرق ينوء اى ينهض ويطلع فلما انجاهم الله من القحط لبسوا الامر على اتباعهم واضافوا ذلك المطر الى الانواء لا الى الله لئلا يشكروا الله ولا يؤمنوا بآياته فقيل هذا هو المراد بمكرهم فى آيات الله. ومن لا يرى الامطار الا من الانواء كان كافرا بخلاف من يرى انها بخلق الله والانواء وسائط وامارات بجعله تعالى كما قال فى الروضة المؤثر هو الله تعالى والكواكب اسباب عادية: قال الحافظ

كررنج بيشت آيد وكرراحت اى حكيم نسبت مكن بغير كه اينها خذا كند

{قل الله اسرع مكرا} اى اعجل عقوبة اى عقابه اسرع وصولا اليكم مما يأتى منكم في دفع الحق وتسمية العقوبة بالمكر لوقوعها فى مقابلة مكرهم وجودا فيكون من باب تسمية الشئ باسم سببه او ذكرا فيكون من باب المشاكلة -روى- عن مقاتل انه تعالى قتلهم يوم بدر وجازى مكرهم فى آياته بعقاب ذلك اليوم فكان اسرع فى اهلاكهم من كيدهم فى اهلاكه عليه السلام وابطال آياته والمكر اخفاء لكيد وارادة الله خفية عليهم وارادتهم ظاهرة

توكل على الرحمن واحتمل الردى ولا تخش مما قد يكيد بك العدى

{ان رسلنا} الذين يحفظون اعمالكم وهم الكرام الكاتبون. وفيه التفاوت اذ لو جرى على اسلوب قوله { قل الله } لقيل ان رسله {يكتبون ما تمكرون} اى مكركم او ما تمكرونه وهو تحقيق للانتقام وتنبيه على ان ما دبروا اخفاءه لم يخف على الحفظة فضلا عن ان يخفى على الله وفيه تصريح بان للكفار حفظة فان قيل فالذي يكتب عن يمينه اى شيء يكتب ولم يكن لهم حسنة. يقال ان الذي عن شماله يكتب باذن صاحبه ويكون شاهدا على ذلك وان لم يكتب كما فى البستان. واختلفوا فى عددهم فقال عبد الله بن المبارك هم خمسة اثنان بالنهار واثنان بالليل واحد لا يفارقه ليلا ولا نهارا فثبت بهذا ان افعال الناس واقوالهم سواء كانوا مؤمنين او كافرين مضبوطة مكتوبة للالزام عليهم يوم القيامة وان المكر والحيلة لا مدخل له فى تخليص الانسان من مكروه بل قد قالوا اذا ادبر الامر كان العطب فى الحيلة فمن ظن نجاته فى المكر كان كثعلب ظن نجاته فى تحريك ذنبه وانما المنجى هو القدم وهو ههنا العمل الصالح بعد الايمان الكامل والعاقل يتدارك حاله قبل وقوع القضاء [علاج واقعه بيش ازوقوع بايد كرد] قال زياد وليس العاقل الذى يحتال للامر اذا وقع فيه ولكن العاقل الذى يحتال للامور حذرا ان يقع فيها: قال السعدى قدس سره

توبيش ازعقوبت درعفو كوب كه سودى نداردفغان زيرجوب
كنون كرد بايد عمل را حساب نه روزى كه منشور كردد كتاب

والاشارة فى الآية {واذا اذقنا الناس رحمة} اى اذقناهم ذوق توبة او انابة او صدق طلب او وصول الى بعض المقامات او ذوق كشف وشهود {من بعد ضراء مستهم} وهو الفسق والفجور والاخلاق الذميمة وحجب اوصاف البشرية وصفات الروحانية {اذا لهم مكر فى آياتنا} باظهارها مع غير اهلها للشرف بين الناس وطلب الجاه والقبول عند الخلق واستتباعهم والرياسة عليهم وجذب المنافع منهم {قل الله اسرع مكرا} اى اسرع فى ايصال مجازاة مكرهم اليهم باستدراجهم من تلك المقامات والمكرمات الى دركات العبد وتراكم الحجب من حيث لا يعلمون {ان رسلنا يكتبون ما تمكرون} اى غير خاف علينا قدر مراتب مكرهم فنجازيهم على حسب ما يمكرون كما فى التأويلات النجمية. وقد رؤى من اهل هذه الطريقة كثر ممن مشى على الماء والهواء وطويت له الارض ثم رد الى حاله الاولى وقد يمشى المستدرج على الماء والهواء وتزوى له الارض وليس عند الله بمكان لانه ليست عنده هذه المراتب نتائج مقامات محمودة وانما هى نتائج مقامات مذمومة قامت به ارادة الحق سبحانه ان يمكر به فى ذلك الفعل الخارق للعادة وجعله فتنة عليه وتخيل انه انما اوصله اليها ذلك الفعل الذى هو معصية شرعا وانه لولاه ما وقف على حقيقة ما اتفق له وغفل المسكين عن موازنة نفسه بالشريعة. نسأل الله تعالى ان لا يجعلنا ممن زين له سوء عمله فرآه حسنا فيستمر على ذلك الفعل كذا في مواقع النجوم: قال الحافظ قدس سره

زاهد ايمن مشواز بازئ غيرت زنهار كه ده از صومعة تادير مغان اين همه نيست

وقل من تخلص من العقبات ألا ترى ان الواصل قليل بالنسبة الى المنقطع ولا بد فى قطعها من مرشد كامل ومؤدب حاذق: وفى المنثوى

دربناه شيركم نايد كباب روبها توسوى جيفهكم شتاب
جون كرفتى بيرهن تسليم شو همجو موسى زير حكم خضررو