التفاسير

< >
عرض

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ
١١٢
وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ
١١٣
-النحل

روح البيان في تفسير القرآن

{ وضرب الله مثلا قرية } اى قصة اهل قرية كانت فى قرى الاولين وهى ايلة كما فى الكواشى وهى بلد بين ينبع ومصر وضرب المثل صنعه واعتماله ولذا قال الكاشفى فى تفسيره [وبيدا كرد خدا مثلى] ولا يتعدى الا الى مفعول واحد وانما عدى الى اثنين لتضمينه معنى الجعل وتأخير قرية مع كونها مفعولا اولا لئلا يحول المفعول الثانى بينها وبين صفتها وما يترتب عليها اذا لتأخير عن الكل مخل بتجاذب اطراف النظم وتجاوبها. والمعنى جعل اهلها مثلا لاهل مكة خاصة او لكل قوم انعم الله عليهم فاطرتهم النعمة ففعلوا ما فعلوا فبدل الله بنعمتهم نقمة ودخل فيهم اهل مكة دخولا اوليا { كانت آمنة } ذات امن من كل مخوف.
قال الكاشفى [ايمن ازنزول قياصره وقصه جبابره] { مطمئنة }{ ارميده واهل آن آسوده].
قال فى الكواشى لا ينتقلون عنها الى غيرها لحسنها { يأتيها لرزقها } اقوات اهلها صفة ثانية لقرية وتغير سبكها عن الصفة الاولى لما ان اتيان رزقها متجدد وكونها آمنة مطمئنة ثابت مستمر { رغدا } وسعا { من كل مكان } من نواحيها من البر والبحر { فكفرت } اى كفر اهلها { بانعم الله } اى بنعمه جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وادرع والمراد بهانعمة الرزق والامن المستمر وايثار جمع القلة للايذان بان كفران نعمة قليلة حيث اوجب هذا العذاب فما ظنك بكفران نعم كثيرة - روى - ان اهل ايلة كانوا يستنجون بالخبز كمافى الكواشى.
يقول الفقير الخبز هو الاصل بين النعم الالهية ولذا امر آدم عليه السلام الذى هو اصل البشر بالحراثة فمن كفر به فقد كفر بجميع النعم تعرض لزوالها وكذا الاعتقاد الصحيح الذى عليه اهل السنة والجماعة هو الاساس المبنى عليه قبول الاعمال الصالحة فمن افسد اعتقاده فقد افسد دينه وتعرض لسخط الله تعالى

بآب زمزم اكرشست خرقه زاهد شهر جه سود ازان جوندارد طهارت ازلى

والمقصود طهارة الوجود والقلب عن لوث الانية والتعلق بغير الله تعالى { فاذاقها الله } اى اذاق اهلها. وبالفارسية { بس بجشانيد خداى تعالى اهل آنرا] واصل الذوق بالفم ثم يستعار فيوضع موضع الابتلاء والاختبار كما فى تفسير ابى الليث (لباس الجوع) حتى اكلوا ما تغوطوه لان الجزاء من جنس العمل.
قال فى الاسئلة المقحمة فى الاجوبة المفحمة كيف سمى الجوع لباسا قيل لانه يظهر من الهزال وشحوب اللون وضيق الحال ما هو كاللباس { والخوف }.
قال فى الارشاد شبه اثر الجوع والخوف وضرهما المحيط بهم باللباس الغاشى للابس فاستعير له اسمه واوقع عليه الاذاقة المستعارة لمطلق الايصال المنبئة عن شدة الاصابة بما فيها من اجتماع ادراك الملامسة والذائقة على نهج التجريد فانها لشيوع استعمالها فى ذلك وكثرة جريانها على الالسنة جرت مجرى الحقيقة { بما كانوا يصنعون } فيما قبل من الكفران ثم بين ان ما فعلوه من كفران النعم لم يكن مزاحمة منهم لقضية العقل فقط بل كان ذلك معارضة لحجة الله على الخلق ايضا فقال { لقد جاءهم } اى اهل تلك القرية { رسول منهم } اى من جنسهم يعرفونه باصله ونسبه فاخبرهم بوجوب الشكر على النعمة وانذرهم سوء عاقبة الكفران { فكذبوه } فى رسالته { فاخذهم العذاب } المستأصل غب ما ذاقوا نبذة من ذلك { وهم ظالمون } حال كونهم ظالمين بالكفران والتكذيب حيث جلعوا الاول موضع الشكر والثانى موضع التصديق وترتيب العذاب على التكذيب جرى على سنة الله تعالى كما قال
{ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا
} قال ابن عباس رضى الله عنهما هذا المثل لاهل مكة فانهم كانوا فى حرم آمن ويتخطف الناس من حولهم وما يمر ببالهم طيف من الخوف وكانت تجيى اليه ثمرات كل شئ ولقد جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله "اللهم اعنى عليهم بسبع كسبع يوسف" ما اصابهم من القحط والجدب حتى اكلوا الجيف والكلاب الميتة والجلود والعظام المحرقة والعلهز وهو الوبر والدم اى يخلط الدم باوبار الابل ويشوى على النار وصار الواحد منهم يرى ما بينه وبين السماء كالدخان من الجوع. وقد ضاقت عليهم الارض بما رحبت من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة حيث كانوا يغيرون على مواشيهم وعيرهم وقوافلهم فوقعوا فى خوف عظيم من اهل الاسلام حتى تركوا سفر الشام والتردد اليه ثم اخذهم يوم بدر ما اخذهم من العذاب.
وفى الآية اشارة الى ان النفس الامارة بالسوء اذا كفرت فى قرية شخص الانسان بنعم الطاعات والتوفيق واتبعت هواها وتمتعت بشهواتها ابتليت بانقطاع ميرة الحق واكل جيفة الدنيا وميتة المستلذات وخوف العذاب بسوء صنيعها فلا بد للسالك ان يقتفى اثر رسول الخاطر الروحانى المؤيد للإلهام الربانى ويترك الاقتداء بالنفس والشيطان فإنهما يجران إلى الأخلاق الذميمة المستتبعة للآثار القبيحة وقد بعث النبى صلى الله عليه وسلم لاتمام الاخلاق الحميدة على وفق الشريعة كما قال
"بعثت لاتمم مكارم الاخلاق" والمكارم جمع مكرمة كالمصالح جميع مصلحة واضافته الى الاخلاق من قبيل اضافة الصفة الى الموصوف اى بعثت لاتمم الاخلاق الكريمة والشيم الحسنة وذلك ان الانبياء عليهم السلام كل واحد منهم مبعوث لسر وحكمة الهية راجعة الى تكميل البشر وتحسين اخلاقهم ونبينا عليه السلام مبعوث لتتميم تلك الاخلاق الكريمة وتكميلها على وجه التفصيل ولهذا جاء بشرع جامع لجميع جهات الحسن وهذا سر قوله "لا نبى بعدى" فمن ادعى نبيا بعده جهل بقدره وقدر علماء امته كما لا يخفى.