التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
٩٠
-النحل

روح البيان في تفسير القرآن

{ان الله يأمر} فى القرآن {بالعدل} بان لا تظلموا انفسكم وغيركم ولا تجوروا اى بالتسوية فى الحقوق فيما بينكم وترك الظلم وايصال كل حق الى ذى حقه أو يأمر بمراعاة التوسط بين الامور اعتقادا كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك والقول بالكسب المتوسط بين الجبر والقدر وكذا القول بان الله لا يؤاخذ عبده المؤمن بشئ من الذنوب مساهلة عظيمة والقول بانه يخلده فى النار بالمعاصى تشديد عظيم والعدل مذهب اهل السنة وعملا كالتعبد باداء الفرائض والواجبات المتوسطة بين البطالة والترهب وخلقا كالجود المتوسط بين البخل والتبذير والشجاعة المتوسطة بين التهور والجبن والواجب معرفة الوسط فى كل شئ فان القصد ممدوح والافراط والتفريط مذمومان وقال صلى الله عليه وسلم لمن سأله مستشيراً فى الترهيب وصيام الدهر وقيام الليل كله بعد زجره اياه "ان لنفسك عليك حقا ولزوجك عليك حقا ولزورك عليك حقا فصم وافطر وقم ونم" " ولما رأى صلى الله عليه وسلم عمر رضى الله عنه يقرأ رافعا صوته فسأله فقال اوقظ الوسنان واطرد الشيطان قال عليه السلام اخفض من صوتك قليلا واتى ابا بكر رضى الله عنه فوجده يقرأ خافضا صوته فسأله فقال قد اسمعت من ناجيت فقال عليه السلام له ارفع من صوتك قليلا" ومثله الامام فانه لا يجهر فوق حاجة الناس ولا يخافت خافضا صوته بحيث يشتبه عليهم تلاوته فيراعى بين ذلك حدا وسطا والا فهو مسيئ.
وفى التأويلات النجمية العدل صرف ما اعطاك الله من الآلات الجسمانية والروحانية ومن الاموال الدنيوية ومن شرائع الدين واعماله فى طلب الله والسير منك به اليه لان صرفه فى طلب غيره ظلم: قال الحافظ.

فداى دوست نكرديم عمر ومال دريغ كه كار عشق زما اين قدر نمى آيد

{والاحسان} وان تحسنوا الاعمال مطلقا لقوله عليه السلام "ان الله كتب الاحسان فى كل شئ"
وعن فضيل انه قال لو احسن الرجل الاحسان كله وكان له دجاجة فاساء اليها لم يكن من المحسنين - روى - ان امرأة عذبت فى هرة حبستها ولم تطعمها الى ان ماتت. وامرأة رحمها الله وغفر لها بسبب ان سقت كلبا عطشان بخفها - وحكى - ان حضرة الشيخ الشبلىرحمه الله مر فى بعض طرق بغداد بهرّه ترعد من برد الهواء فاخذها وجعلها فى كمه رحمة لها فكان ذلك سبب قبوله عند الله ووصلوه الى درجة الولاية ويدخل فيه العفو عن الجرائم والاحسان الى من اساء

هركه سنكت دهد ثمر بخشش

والصبر على الاوامر والنواهى واداء النوافل فان الفرض لا بد من ان يقع فيه تفريط فيجبره الندب وفى الحديث "حسنوا نوافلكم فبها تكمل فرائضكم" وفى المرفوع "النافلة هدية المؤمن الى ربه فليحسن احدكم هديته وليطيبها" كما فى المقاصد الحسنة. وايضا الاحسان هو المشاهدة كما قال عليه السلام "الاحسان ان تعبد الله كأنك تراه وان لم تكن تراه فانه يراك" وليست المشاهدة رؤية الصانع بالبصر وهو ظاهر بل المراد بها حالة تحصل عند الرسوخ فى كمال الاعراض عما سوى الله وتمام توجهه الى حضرته بحيث لا يكون فى لسانه وقلبه وهمه غير الله وسميت هذه الحالة المشاهدة لمشاهدة البصيرة اياه تعالى كما اشار اليها بعض العارفين بقوله

خيالك فى عينى وذكرك فى فمى وحبك فى قلبى فاين تغيب

كذا في الرسالة الرومية.
وفى التأويلات النجمية الاحسان ان تحسن الى الخلق بما اعطاك الله واراك سبل الرشاد فترشدهم وتسلك بهم طريق الحق للوصول او الوصال يدل عليه قوله تعالى
"احسن كما احسن الله اليك" انتهى.
وايضا العدل الاعراض عما سوى الله والاحسان الاقبال على الله {وايتائ ذى القربى} القربى بمعنى القرابة اى اعطاء الاقارب ما يحتاجون اليه من الماء والدعاء بالخير وهو داخل فى الاحسان وانما افرد بالذكر اظهارا لجلاله صلة الرحم وتنبيها على فضيلتها كقوله تعالى
{ تنزل الملائكة والروح } والرحم عام فى كل رحم محرما كان او غير محرم وارثاً كان او غير وارث من اولاد الاعمام والعمات والاخوال والخالات وغير ذلك وقطع الرحم حرام موجب لسخط الله وانقطاع ملائكة الرحمة عن بيت القاطع والصلة واجبة باعثة على كثرة الرزق وزيادة العمر سريعة التأثر ومعناها التفقد بالزيارة والاهداء والاعانة بالقول والفعل وعدم النسيان واقله التسليم وارسال السلام او المكتوب ولا توقيت فيها فى الشرع بل العبرة بالعرف والعادة كما فى شرح الطريقة. قال الكاشفى [در فصول عبد الوهاب فرموده كه عدل توحيد است ومحبت خداى واحسان دوستى حضرت بيغمبر وفرستادن صلوات برو وايتاء ذى القربى محبت اهل بيت است] ودعاء اصحابه رضى الله عنهم.
وفى التأويلات النجمية اقرب القربى اليك نفسك فصلة رحمها ان تنجيها من المهالك وترجع بها الى مالك الممالك {وينهى عن الفحشاء} عن الذنوب المفرطة فى القبح قولا وفعلا كالكذب والبهتان والاستهانة بالشريعة والزنى واللواطة ونحوها
وفى التأويلات هى ما يحجبك عن الله ويقطعك عنه اياما كان من مال او ولد او نحوهما فانه لا اقبح من الانقطاع عن الله ومثله اسبابه فان ما يجر الى الاقبح اقبح والعياذ بالله تعالى {والمنكر} وعما تنكره النفوس الزاكية السليمة ولا ترتضيه كما فى بحر العلوم او هو الشرك او مما لا يعرف فى شريعة ولا سنة او الاصرار على الذنب او ما اسخط الله تعالى.
وفى التأويلات ما ينكر به عليك من اضلال اهل الحق واغوائهم واحداث البدع واثارة الفتن كما فى اهالى هذا الزمان خصوصا متصوفهم {والبغى} والظلم والاستيلاء على الناس والتطاول عليهم بلا سبب وتجسس عيوبهم وغيبتهم والطعن عليهم والتجاوز من الحق الى الباطل ونحو ذلك.
وفى التأويلات هو ما ثار من سورة صفات نفسك فيصيب الخلق منك ما يضرهم ويؤذيهم [وآثر بقوت رياضت ببايد شكست ناقواعد سلوك درستى يابد زيرا بحكم اعدى عدوك بدترين دشمن نفس است]

اين سك نفس شوم وبد ككاره كه دراغوش تست همواره
بدترين قاصديست جان ترا مى خورد مغز استخوان ترا
بيشتر كرترا ببندد جست محكمش بندكن كه دشمن تست

[در لطائف التقرير در تفسير اين آيت أورده كه استقامت ملك بسه جيزبود واضطراب اين به جيز منهى عنه وهريك ازيناها ثمره بس ثمره عدل نصر تست ونتيجه احسان ثنا ومدحست وفائدة صله رحم انس والفت اما نتيجه فحشاء فساد دين وثمره منكر برانكيحتن اعداء وحاصل بغى محروم ما ندن ازمتمنى]{يعظكم} [بند مبدهد خدى تعالى شمارا] يعنى بامر هذا المستحسنات ونهى هذه المستقبحات {لعلكم تذكرون} طلبا لان تتعظوا تأتمروا بالامر وتنتهوا بالنهى.
وقد امر الله تعالى فى هذه الآية بثلاثة اشياء ونهى عن ثلاثة اشياء وجمع فى هذه الاشياء الستة علم الاولين والآخرين وجميع الخصال المحمودة والمذمومة ولذلك قال ابن مسعود رضى الله عنه هى اجمع آية فى القرآن للخير والشر ولذا يقرأها كل خطيب على المنبر فى آخر كل خطبة لتكون عظة جامعة لكل مأمور ومنهى كما فى المدارك وحين اسقطت من الخطب لعنة اللاعنين لعلى امير المؤمنين رضى الله عنه اقيمت هذه الآية مقامها كما فى بحر العلوم. وقال الامام السيوطى فى كتاب الوسائل الى معرفة الاوائل اول من قرأ فى آخر الخبطة
"ان الله يأمر بالعدل والاحسان" الخ عمر بن عبد العزيز ولزمها الخطباء الى عصرنا هذا تولى عمر الخلافة سنة تسع وتسعين ومدة خلافته سنتان وخمسة اشهر وكان صاحب المائة الاولى بالاجماع. وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ " { ق } " اى فى آخر الخطبة. وكان عمر ابن الخطاب رضى الله عنه يقرا اذا الشمس كورت الى قوله ما احضرت. وكان عثمان بن عفان رضى الله عنه يقرأ آخر سورة النساء يستفتونك الآية. وكان على بن ابى طالب رضى الله عنه يقرأ الكافرون والاخلاص ذكر ذلك ابن الصلاح. يقول الفقير انظر ان كلا منهم اختار ما يناسب الحال والمقام بحسب اختلاف الزمان والا لكفى لهم الاقتداء بالنبى عليه السلام فى تلاوة سورة "ق" ومنه يعرف استحباب الترضية والتصلية فانها كانت بحسب المصلحة المقتضية لها وهى رد الروافض ومن يتبعهم فى البغض ولا شك ان مثل ذلك من مهمات الدين فليس هذا بمنكر وانما المنكر ترجيعات المؤذنين ولحون الائمة والخطباء بحيث يحرفون الكلم عن مواضعه رعاية للنغمات والمقامات الموسيقية نعم قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره اذا كان الذكر بنغمة لذيذة فله فى النفس اثر للصورة الحسنة فى النظر. واول من قرأ فى الخطبة ان الله وملائكته يصلون على النبى الآية المهدى العباسى وعليه العمل فى هذا الزمان اى فى الخطب المطولة واما فى الخطب المختصرة لبعض العارفين فليس ذلك فيه لكن المؤذن يقرأه عند خروج الخطيب.
والاحوط فى هذا الزمان ان يقرا عنده ما اختاره حضرة الشيخ وفا قدس سره وهو عن ابى هريرة رضى الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
"اذا قلت لصاحبك انصت يوم الجمعة والامام يخطب فقد لغوت فاستمعوا وانصتوا رحمكم الله" وذلك لان اكثر المؤذنين اعتادوا فى الآية المذكورة ما يخرجها عن القرآنية من اللحن الفاحش ولنبك على غربة الدين ووحشة اهل اليقين وظهور البدع بين المسلمين.