التفاسير

< >
عرض

وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً
١٧
-الإسراء

روح البيان في تفسير القرآن

{وكم اهلكنا من القرون} كم مفعول اهلكنا ومن القرون تبيين لابهام كم وتمييز له كما يميز العدد بالجنس اى وكثيرا من القرون اهلكنا والقرن مدة من الزمان يحترم فيها المرؤ والاصح انه مائة سنة "لقوله عليه السلام لغلام عش قرنا فعاش مائة" والقرن كل امة هلكت فلم يبق منها احد وكل اهل عصر قرن لمن بعدهم لانهم يتقدمونهم {من بعد نوح} من بعد زمنه كعاد وثمود ومن بعدهم ولم يقل من بعد آدم لان نوحا اول نبى بالغ قومه فى تكذيبه وقومه اول من حلت بهم العقوبة العظمى وهو الاستئصال بالطوفان {وكفى بربك} اى كفى ربك {بذنوب عباده خبيرا بصيرا} يحيط بظواهرها وبواطنها فيعاقب عليها وتقديم الخبير مع انه مضاف الى الغيب والامور الباطنة والبصير مضاف الى الامور الظاهرة كالشهيد لتقدم متعلقه من الاعتقادات والنيات التى هى مبادى الاعمال الظاهرة. وفيه اشارة الى ان البعث والامر وما يتلوهما من فسقهم ليس لتحصيل العلم بما صدر عنهم من الذنوب فان ذلك حاصل قبل ذلك وانما هو لقطع الاعذار والزام الحجة من كل وجه.
وفى الآية تهديد لهذه الامة لا سيما مشركى مكة لكى يطيعوا الله ورسوله ولا يعصوه فيصيبهم مثل ما اصابهم - روى - عن الشعبى انه قال خرج اسد وذئب وثعلب يتصيدون فاصطادوا حمار وحش وغزالا وارنبا فقال الاسد للذئب اقسم فقال حمار الوحش للملك والغزال لى والارنب للثعلب قال فرفع الاسد يده وضرب رأس الذئب ضربة فاذا هو منجدل بين يدى الاسد ثم قال للثعلب اقسم هذه بيننا فقال الحمار يتغدى به الملك والغزال يتعشى به والارنب بين ذلك فقال الاسد ويحك ما اقضاك من علمك هذا القضاء فقال القضاء الذى نزل برأس الذئب ولذلك قبل العاقل من وعظ بغيره

مرد دركارها جوكرد نظر بهزه اعتبار ازاز برداشت
هرجه آن سودمند بود كرفت هرجه ناسود مندبود كذا شت

وفى التأويلات النجمية { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } يشير الى ان الاعمال الصالحة والفاسدة التى ترقم النفوس يرقوم السعادة والشقاوة لا يكون لها اثر الا بقبول دعوة الانبياء او بردها فان السعادة والشقاوة مودعة فى اوامر الشريعة ونواهيها { واذا اردنا ان نهلك قرية } اى من قرى النفوس { امرنا مترفيها } وهى النفوس الامارة بالسوء { ففسقوا فيها } اى فخرجوا عن قيد الشريعة ومتابعة الانبياء بمتابعة الهوى واستيفاء شهوات النفس { فحق عليها القول } اى فوجبت لها الشقاوة بمخالفة الشريعة { فدمرناها تدميرا } بابطال استعداد قبول السعادة اذ صارت النفس مرقومة برقوم الشقاوة الابدية {وكم اهلكنا من القرون من بعد نوح} اى ابطلنا حسن استعدادهم لقبول السعادة برد دعوى الانبياء عليهم السلام {وكفى بربك بذنوب عباده} اذ لم يقبلوا دعوة الانبياء {خبيرا بصيرا} فانه المقدر فى الازل المدبر الى الابد اسباب سعادة عباده واسباب شقاوتهم انتهى.