التفاسير

< >
عرض

هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ
٢١٠
-البقرة

روح البيان في تفسير القرآن

{هل ينظرون} استفهام فى معنى النفى ونظر بمعنى انتظر اى ينتظر من يترك الدخول فى السلم ويتبع خطوات الشيطان {إلا أن يأتيهم الله} اى الا اتيان الله اى عذابه على حذف المضاف لان الله تعالى منزه عن المجيئ والذهاب المستلزمين للحركة والسكون لان كل ذلك محدث فيكون كل ما يصح عليه المجيئ والذهاب محدثا مخلوقا له والاله القديم يستحيل ان يكون كذلك. وسئل على رضى أين كان تعالى قبل خلق السموات والارض قال أين سؤال عن المكان وكان الله تعالى ولا مكان وهو اليوم على ما كان ومذهب المتقدمين فى هذه الآية وما شاكلها ان يؤمن الانسان بظاهرها ويكل علمها الى الله لانه لا يأمن فى تعيين مراد الله تعالى من الخطأ فالاولى السكوت ومذهب جمهور المتكلمين ان لا بد من التأويل على سبيل التفصيل {فى ظلل} كائنة {من الغمام} والظلل جمع ظلة وهى ما أظلك والغمام السحاب الابيض الرقيق سمى غماما لانه يغم اى يستر ولا يكون السحاب ظلة الا اذا كان مجتمعا متراكما فالظلل من الغمام عبارة عن قطع متفرقة كل قطعة تكون فى غاية الكثافة والعظم وكل قطعة ظلة {والملائكة} اى ويأتيهم الملائكة فانهم وسائط فى اتيان امره تعالى بل هم الآتون ببأسه على الحقيقة. وتلخيصه قد قامت الحجج فلم يبق الا نزول العذاب.
فان قلت لم لم يأتهم العذاب فى الغمام كما فعل بقوم يونس وقوم عاد وقوم شعيب.
قلت لان الغمام مظنة الرحمة فاذا نزل منه العذاب كان الامر افظع وأهول لان الشر اذا جاء من حيث لا يحتسب كان اغم كما ان الخير اذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسر فكيف اذا جاء الشر من حيث يحتسب الخير ولذلك كانت الصاعقة من العذاب المستفظع لمجيئها من حيث يتوقع الخير اى الغيث ومن ثمه اشتد على المتفكرين فى كتاب الله تعالى قوله
{ وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } [الزمر: 47].
فان تفسيره على ما قالوا عملوا اعمالا حسبوها حسنات فاذا هى سيآت وذلك لتجويزهم ان يكون عملهم كذلك فيجيئهم الشر من حيث يتوقعون الخير فخافوا من ذلك ـ روى ـ أن محمد بن واسع تلا هذه الآية فقال آه آه الى ان فارق الدنيا {وقضى الامر} اى تم امر اهلاكهم وفرغ منه وهو عطف على يأتيهم داخل فى حيز الانتظار وانما عدل الى صيغة الماضى دلالة على الحقيقة فكأنه قد كان {والى الله} لا الى غيره {ترجع الامور} اى امور الخلق وامالهم هو القاضى بينهم يوم القيامة والمثيب والمعاقب فينبغى للمؤمن ان يكون فى جانب الانقياد ويحترز عن الهوى وخطوات الشيطان وعن النبى عليه السلام انه قال
"ان الله تعالى اظهر الشكاية من امتىbr>" . وقال "انى طردت الشيطان لاجلهم فهم يعصوننى. ويطيعون الشيطان" : قال السعدى قدس سره

كجا سر بر آريم ازين عاروننك كه با او بصلحيم وباحق بجنك
نظر دوست نادر كند سوى تو جو در روى دشمن بود روى تو
ندانى كه كمتر نهد دوست باى جو بيندكه دشمن بود در سراى

فمن أعظم الطاعات طرد الشيطان وأن يتهم النفس دائما.
كما روى ان رجلا صام اربعين سنة ثم دعا الحاجة ومع ذلك لم تجب دعوته وذم نفسه وقال يا مأوى الشر ذلك من شرك فاوحى الى نبى ذلك الزمان قل له ان قتلك لنفسك احب الى من صيام اربعين سنة: قال السعدى

خورنده كه خيرى برآيد زدست به از صائم الدهر دنيا برست

واعلم ان فى قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا ادخلوا فى السلم } [البقرة: 208].
معنى عاما ومعنى خاصا فالعام خطاب عام مع جميع من آمن اى ادخلوا فى شرائط الاسلام فى الباطن كما فى الظاهر ومن شرائطه ما قال النبى عليه السلام
"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس" .
واما المعنى الخاص فخطاب خاص مع شخص الانسان وجميع اجزائه الظاهرة والباطنة فينبغى ان يدخل أركانه فى الاسلام بالفعل. فالعين بالنظر. والاذن بالسمع. والفم بالاكل. والفرج بالشهوة. واليد بالبطش. والرجل بالمشى ودخول واحد منها فى الاسلام بأن يستسلم لاوامر الحق ويجتنب نواهيه بل يترك ما لا يعنيه أصلا ويقع على ما لا بد له منه. ودخول جميع اجزائه الظاهرة فى شرائع الاسلام ميسر للمنافق. فاما ادخال اجزائه الباطنة فمعركة ابطال الدين ومنزلة الرجال البالغين فدخول النفس فى الاسلام بخروجها عن كفر صفاتها الذميمة وترك مألوفاتها واطمئنانها بالعبودية ليستحق بها دخول مقام العباد المخصوصين به بخطابه تعالى اياها كقوله تعالى { يا أيتها النفس المطمئنة } [ الفجر: 27] الآية.
ودخول القلب فى الاسلام بتصفيته عن رذائل اخلاق النفس وتحليته بشمائل أخلاق الروح. ودخول الروح فى الاسلام بتخلقه بأخلاق الله وتسليم الاحكام الازلية وقطع النظر والتعلق عما سوى الله بتصرف جذبات الالوهية. ودخول السر فى الاسلام بفنائه فى الله وبقائه بالله
{ ولا تتبعوا خطوات الشيطان } [البقرة: 208].
اى لا تكونوا على سيرته وصفته وهى الاباء والاستكبار فانه ضد الاسلام
{ إنه لكم عدو مبين } } [البقرة: 208].
لعداوته الغريزية لكم لاختلاف جبلته وجبلتكم وقصوره عن نور فطرتكم لكونه نارى الخلقة لا يطلب منكم الا ان تكونوا ناريين مثله لا نوريين فهو عدو فى الحقيقة فى صورة المحب
{ فإن زللتم } [البقرة: 209].
اى زلت اقدامكم عن صراط الاسلام الحقيقى
{ من بعد ما جاءتكم البينات } [البقرة: 209].
دلائل تجليات أفعال الصفات
{ فاعلموا أن الله عزيز } [البقرة: 209].
فلعزته لا يهدى اليه لك ذليل دنى الهمة قصير النظر
{ حكيم } [البقرة: 209].
يهدى من يشاء الى سرادقات عزته {هل ينظرون الا ان يأتيهم الله فى ظلل من الغمام} الا ان يتجلى الله فى ظل صفات قهرية من جملة تجليات الصفات الساترة لشمس الذات وهو ملائكة القوى السماوية {وقضى} فى اللوح {الأمر} امر اهلاكهم {وإلى الله ترجع الأمور} بالفناء كذا فى التأويلات النجمية.