التفاسير

< >
عرض

تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ
٢٥٣
-البقرة

روح البيان في تفسير القرآن

{تلك الرسل} اشارة الى الجماعة الذين من جملتهم النبى عليه الصلاة والسلام فاللام فى الرسل للاستغراق {فضلنا بعضهم على بعض} بان خصصناه بمنقبة ليست لغيره.
واعلم ان الانبياء كلهم متساوون فى النبوة لان النبوة شىء واحد لا تفاضل فيها وانما التفاضل باعتبار الدرجات. بلغ بعضهم منصب الخلة كابراهيم عليه الصلاة والسلام ولم يحصل ذلك لغيره. وجمع لداود بين الملك والنبوة وطيب النعمة ولم يحصل هذا لغيره. وسخر لسليمان الجن والانس والطير والريح ولم يحصل هذا لابيه داود. وخص محمدا عليه وعليهم السلام بكونه مبعوثا الى الجن والانس وبكون شرعه ناسخا لجميع الشرائع المتقدمة. ومنهم من دعا امته بالفعل الى توحيد الافعال وبالقوة الى الصفات والذات. ومنهم من دعا بالفعل الى الصفات ايضا وبالقوة الى الذات. ومنهم من دعا الى الذات ايضا بالفعل وهو ابراهيم عليه السلام فانه قطب التوحيد اذ الانبياء كانوا يدعون الى المبدأ والمعاد والى الذات الاحدية الموصوفة ببعض الصفات الآلهية الا ابراهيم عليه السلام فانه دعا الى الذات الآلهية الاحدية ولذا امر الله نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم باتباعه بقوله
{ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } [النحل: 123].
فهو من اتباع ابراهيم باعتبار الجمع دون التفصيل اذ لا متمم لتفاصيل الصفات الا هو ولذلك لم يكن غيره خاتما فالانبياء وان كانوا متفاوتين فى درجات الدعوة بحسب مشارب الامم الا ان كلهم واصلون فانون فى الله باقون بالله لان الولاية قبل النبوة حيث ان آخر درجات الولاية اول مقامات النبوة فهى تبتنى على الولاية ومعنى الولاية الفناء فى الله والبقاء بالله فالنبى لا يكون الا واصلا محرزا جميع مراتب التوحيد من الافعال والصفات والذات {منهم من كلم الله} اى فضله الله بان كلمه بغير واسطة وهو موسى عليه الصلاة والسلام فهو كليمه بمعنى مكالمه.
واختلفوا فى الكلام الذى سمعه موسى وغيره من الله تعالى هل هو الكلام القديم الازلى الذى ليس من جنس الحروف والاصوات. قال الاشعرى واتباعه المسموع هو ذلك الكلام الازلى قالوا كما انه لم تمتنع رؤية ما ليس بمكيف فكذا لا يستبعد سماع ما ليس بمكيف. وقيل سماع ذلك الكلام محال وانما المسموع هو الحروف والصوت {ورفع بعضهم درجات} اى على درجات فانتصابه على نزع الخافض وذلك بان فضله على غيره من وجوه متعددة او بمراتب متباعدة والظاهر انه اراد محمدا صلى الله عليه وسلم لانه هو المفضل عليهم حيث اوتى ما لم يؤته احد من الآيات المتكاثرة المرتقية الى ثلاثة آلاف آية واكثر ولو لم يؤت الا القرآن وحده لكفى به فضلا منيفا على سائر ما اوتى الانبياء لانه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات. وفى الحديث
"فضلت على الانبياء بست اوتيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب واحلت لى الغنائم وجعلت لى الارض مسجدا وطهورا وارسلت الى الخلق كافة وختم بى النبيون" .
قال فى التأويلات النجمية اعلم ان فضل كل صاحب فضل يكون على قدر استعلاء ضوء نوره لان الرفعة فى الدرجات على قدر رفعة الاستعلاء كما قال تعالى { والذين أوتوا العلم درجات } [المجادلة: 11].
فالعلم هو الضوء من نور الوحدانية فكلما ازداد العلم زادت الدرجة فناهيك عن هذا المعنى قول النبى عليه السلام فيما يخبر عن المعراج انه رأى آدم فى السماء الدنيا ويحيى وعيسى فى السماء الثانية ويوسف فى السماء الثالثة وادريس فى السماء الرابعة وهارون فى السماء الخامسة وموسى فى السماء السادسة وابراهيم فى السماء السابعة وعبر النبى عليه السلام حتى رفع الى سدرة المنتهى ومن ثم الى قاب قوسين او ادنى فهذه الرفعة فى الدرجة فى القرب الى الحضرة كانت له على قدر قوة ذلك النور فى استعلاء ضوئه وعلى قدر غلبات انوار التوحيد على ظلمات الوجود كانت مراتب الانبياء بعضهم فوق بعض فلما غلب نور الوحدانية على ظلمة انسانية النبى عليه السلام اضمحلت وتلاشت وفنيت ظلمة وجوده بسطوات تجلى صفات الجمال والجلال فكل نبى بقدر بقية ظلمة وجوده بقى فى مكان من اماكن السموات فانه صلى الله تعالى عليه وسلم ما بقى فى مكان ولا فى الامكان لانه كان فانيا عن ظلمة وجوده باقيا بنور وجوده ولهذا سماه الله نورا وقال
{ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين } [المائدة: 15].
فالنور هو محمد عليه السلام والكتاب هو القرآن فافهم واغتنم فانك لا تجد هذه المعانى الا ههنا انتهى كلام التأويلات النجمية {وآتينا عيسى ابن مريم البينات} الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة من احياء الموتى وشفاء المرضى وابراء الاكمه والابرص وخلق الطير من الطين والاخبار بالمغيبات والانجيل وجعل معجزاته سبب تفضيله مع ان ايتاء البينات غير مختص بعيسى عليه الصلاة والسلام لانها آيات واضحة ومعجزات عظيمة لم يستجمعها غيره وخص عيسى عليه السلام بالتعيين مع انه غير مختص بايتاء البينات تقبيحا لافراط اليهود فى تحقيره حيث انكروا نبوته مع ما ظهر على يده من البينات القاطعة الدالة عليها ولافراط النصارى فى تعظيمه حيث اخرجوه عن مرتبة الرسالة {وأيدناه} اى قويناه {بروح القدس} اى الروح المطهرة التى نفحها الله فيه فأبانه بها من غيره ممن خلق من اجتماع نطفتى الذكر والانثى لانه عليه السلام لم تضمه اصلاب الفحول ولم يشتمل عليه ارحام الطوامث. فالقدس بمعنى المقدس من قبيل رجل صدق او القدس هو الله وروحه جبريل والاضافة للتشريف والمعنى اعانه بجبريل فى اول امره وفى وسطه وفى آخره اما فى الاول من امره فلقوله
{ فنفخنا فيه من روحنا } [التحريم: 12].
واما فى وسطه فلان جبريل عليه السلام علمه العلوم وحفظه من الاعداء واما فى آخر الامر فحين ارادت اليهود قتله اعانه جبريل ورفعه الى السماء {ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم} اى من بعد الرسل من الامم المختلفة اى لو شاء الله عدم اقتتالهم ما اقتتلوا بان جعلهم متفقين على اتباع الرسل المتفقة على كلمة الحق {من} متعلقة باقتتل {بعد ما جاءتهم} من جهة اولئك الرسل {البينات} المعجزات الواضحة والآيات الظاهرة الدالة على حقيقة الحق الموجبة لاتباعهم الزاجرة عن الاعراض عن سننهم المؤدى الى القتال {ولكن اختلفوا} اى لكن لم يشأ عدم اقتتالهم لانهم اختلفوا اختلافا فاحشا {فمنهم من آمن} اى بما جاءت به اولئك الرسل من البينات وعملوا به {ومنهم من كفر} بذلك كفرا لا ارعواء له فاقتضت الحكمة عدم مشيئته تعالى لعدم اقتتالهم فاقتتلوا بموجب اقتضاء احوالهم {ولو شاء الله} عدم اقتتالهم بعد هذه المرة ايضا من الاختلاف والشقاق المستتبعين للاقتتال بحسب العادة {ما اقتتلوا} وما نبض منهم عرق التطاول والتعاون لما ان الكل تحت ملكوته {ولكن الله يفعل ما يريد} اى من الامور الوجودية والعدمية التى من جملتها عدم مشيئته عدم اقتتالهم فان الترك ايضا من جملة الافعال اى يفعل ما يريد حسبما يريد من غير ان يوجبه عليه موجب او يمنعه منه مانع. وفيه دليل بين على ان الحوادث تابعة لمشيئته تعالى خيرا كان او شرا ايمانا كان او كفرا وهذا نذير على المعتزلة.
قال الامام الغزالى قدس سره المتعالى فى شرح اسمى الضار والنافع هو الذى يصدر منه الخير والشر والنفع والضر وكل ذلك منسوب الى الله تعالى اما بواسطة الملائكة والانس والجمادات او بغير واسطة فلا تظنن ان السم يقتل ويضر بنفسه وان الطعام يشبع وينفع بنفسه وان الملك او الانسان او الشيطان او شيأ من المخلوقات من فلك الكواكب او غيرها يقدر على خير او شر بنفسه او نفع او ضر بل كل ذلك اسباب مسخرة لا يصدر منها الا ما سخرت له وجملة ذلك بالاضافة الى القدرة الازلية كالقلم بالاضافة الى الكاتب فى اعتقاد العامى وكما ان السلطان اذا وقع لكرامة او عقوبة لم يضر ذلك ولا نفعه من القلم بل من الذى القلم مسخر له فكذلك سائر الوسائط والاسباب وانما قلنا فى اعتقاد العامى لان الجاهل هو الذى يرى القلم مسخرا للكاتب والعارف يعلم انه مسخر فى يده لله تعالى وهو الذى الكاتب مسخر له فانه مهما خلق الكاتب وخلق له القدرة وسلط عليه الداعية الجازمة التى لا تردد فيها صدر منه حركة الاصبع والقلم لا محالة شاء ام ابى بل لا يمكنه ان لا يشاء فاذا الكاتب بقلم الانسان ويده هو الله تعالى واذا عرفت هذا فى الحيوان المختار فهو فى الجمادات اظهر.
قال صاحب روضة الاخيار المؤثر هو الله تعالى والكواكب اسباب عادية الشمس مظهر اسم الحى والزهرة للمريد وعطارد للمسقط والقمر للقابل ولذا كان بيت العزة فى ملكه والمريخ للقادر والمشترى للعليم وزحل للجواد واصول الاسماء اربعة هى الحياة والعلم والقدرة والارادة واسرافيل مظهر الحياة والاقساط مندرج فيها وجبريل مظهر العلم والقول وباعتبار الاول هو روح القدس وبالثانى الروح الامين ولذا كان حامل الوحى وميكائيل مظهر الارادة والجود مندرج فيها ولذا كان ملك الارزاق وعزرائيل مظهر القدرة ولذا يقهر الجبابرة ويذلهم بالموت والفناء.