التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
٣٠
وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ
٣١
-البقرة

روح البيان في تفسير القرآن

{واذا} مفعول اذكر مقدرة اى اذكر لهم واخبر وقت {قال ربك} وتوجيه الامر بالذكر الى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع انها المقصودة بالذات للمباغلة فى اجاب ذكرها لما ان ايجاب ذكر الوقت ايجاب الذكر ما وقع فيه بالطريق البرهانى ولان الوقت مشتمل عليها فاذا استحضر كانت حاضرة بتفاصيلها كانها مشاهدة عيانا {للملائكة} اللام للتبليغ وتقديم الجار والمجرور فى هذا الباب مطرد لما فى المقول من الطول غالبا مع ما فيه من الاهتمام بما قدم والتشويق الى ما اخر.
والملائكة جمع ملك والتاء لتأكيد تأنيث الجماعة وسموا بها فانهم وسائط بين الله وبين الناس فهم رسله لان اصل ملك ملأك مقلوب مألك من الألوكة وهى الرسالة.
والملائكة عند اكثر المسلمين اجسام لطيفة قادرة على التشكل باشكال مختلفة والدليل ان الرسل كانوا يرونهم كذلك.
وروى فى شرح كثرتهم ان بنى آدم عشر الجن وهما عشر حيوانات البر والكل عشر الطيور والكل عشر حيوانات البحار وهؤلاء كلهم عشر ملائكة السماء الدنيا وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثانية وهكذا الى السماء السابعة ثم كل اولئك فى مقابلة الكرسى نزر قليل ثم جمع هؤلاء عشر ملائكة سرادق واحد من سرادقات العرش التى عدددها ستمائة الف طول كل سرادق وعرضه وسمكه اذا قوبلت به السموات والارض وما فيهما وما بينهما لا يكون لها عنده قدر محسوس وما منه من مقدار شبر الا وفيه ملك ساجد او راكع او قائم لهم زجل بالتسبيح والتقديس ثم كل هؤلاء فى مقابلة الذين يحومون حول العرش كالقطرة فى البحر ثم ملائكة اللوح الذين هم اشياع اسرافيل عليه السلام والملائكة الذين هم جنود جبريل عليه السلام لا يحصى اجناسهم ولا مدة اعمارهم ولا كيفيات عباداتهم الا باريهم العليم الخبير على ما قال تعالى
{ وما يعلم جنود ربك إلا هو } [المدثر: 31] وروى انه صلى الله عليه وسلم حين عرج به الى السماء رأى ملائكة فى موضع بمنزلة شرف يمشى بعضهم تجاه بعض فسأل رسول الله جبريل عليهما السلام الى اين يذهبون فقال جبريل عليه السلام لا ادرى الا انى اراهم منذ خلقت ولا ارى واحدا منهم قد رأيته قبل ذلك ثم سألا واحدا منهم منذ كم خلقت فقال لا ادرى غير ان الله تعالى يخلق فى كل اربعة آلاف سنة كوكبا وقد خلق منذ ما خلقنى اربعمائة الف كوكب فسبحانه من اله ما اعظم قدره وما اوسع ملكوته واراد بهم الملائكة الذين كانوا فى الارض وذلك ان الله خلق السماء والارض وخلق الملائكة والجن فاسكن الملائكة السماء واسكن الجن الارض والجن هم بنوا الجان والجان ابو الجن كآدم ابو البشر وخلق الله الجان من لهب من نار لا دخان لها بين السماء والارض والصواعق تنزل منها ثم لما سكنوا فيها كثر نسلهم وذلك قبل آدم بستين الف سنة فعمروا دهرا طويلا فى الارض مقدار سبعة آلاف سنة ثم ظهر فيهم الحسد والبغى فافسدوا وقتلوا فبعث الله اليهم ملائكة سماء الدنيا وامر عليهم ابليس وكان اسمه عزازيل وكان اكثرهم علما فهبطوا الى الارض حتى هزموا الجن واخرجوهم من الارض الى جزائر البحور وشعوب الجبال وسكنوا الارض وصار امر العبادة عليهم اخف لان كل صنف من الملائكة يكون ارفع فى السموات يكون خوفهم اشد وملائكة السماء الدنيا يكون امرهم ايسر من الذين فوقهم واعطى الله ابليس ملك الارض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنة وكان له جناحان من زمرد أخضر وكان يعبد الله تارة فى الارض وتارة فى السماء وتارة فى الجنة فدخله العجب فقال فى نفسه ما اعطانى الله هذا الملك الا لانى اكرم الملائكة عليه وايضا كل من اطمأن الى الدنيا امر بالتحول عنها فقال الله تعالى له ولجنوده {انى جاعل} اى مصير {فى الارض} دون السماء لان التباغى والتظالم كان فى الارض {خليفة} وهو آدم عليه السلام لانه خلف الجن وجاء بعدهم ولانه خليفة الله فى ارضه اى أريد أن أخلق فى الارض بدلاً منكم ورافعكم الى فكرهوا ذلك لأنهم كانوا اهون الملائكة عبادة.
واعلم ان الله تعالى يحفظ العالم بالخليفة كما يحفظ الخزائن بالختم وهو القطب الذى لا يكون فى كل عصر الا واحدا فالبدء كان بآدم عليه السلام والختام يكون بعيسى عليه السلام والحكمة فى الاستخلاف قصور المستخلف عليه عن قبول فيضه وتلقى امره بغير واسطة لان المفيض تعالى فى غاية التنزه والتقدس والمستفيض منغمس غالبا فى العلائق الدنيئة كالاكل والشرب وغيرهما والعوائق الطبيعية كالاوصاف الذميمة فالاستفاضة منه انما تحصل بواسطة ذى جهتين اى ذى جهة التجرد وجهة التعلق وهو الخليفة ايا كان ولذا يستنبئ الله ملكا فان البشر لا يقدر على الاستفادة منه لكونه خلاف جنسه ألا يرى ان العظم لما عجز عنه اخذ الغذاء من اللحم لما بينهما من التباعد جعل الله تعالى بحكمته بينهما الغضروف المناسب لهما ليأخذ من اللحم ويعطى العظم وجعل السلطان الوزير بينه وبين رعيته اذ هم اقرب الى قبولهم منه وجعل المستوقد الحطب اليابس بين النار وبين الحطب الرطب. وفائدة قوله تعالى {للملائكة انى جاعل فى الارض خليفة} اربعة امور.
الاول تعليم المشاورة فى امورهم قبل ان يقدموا عليها وعرضها على ثقاتهم ونصحائهم وان كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيا عن المشاورة: قال في المثنوى

مشورت ادراك وهشيارى دهد عقلها مر عقل را يارى دهد
كفت بيغمبر بكن اى رأى زن مشورت كه المستشار مؤتمن

ويقال اعقل الرجال لا يستغنى عن مشاورة اولى الالباب وأفره الدواب لا يستغنى عن السوط واورع النساء لا تستغنى عن الزوج.
والثانى تعظيم شأن المجعول بان بشر بوجوده سكان ملكوته ولقبه بالخليفة قبل خلقه.
والثالث اظهار فضله الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤالهم وهو قوله {أتجعل} الخ وجوابه وهو قوله {انى اعلم ما لا تعلمون} الخ.
والرابع بيان ان الحكمة تقتضى ما يغلب خيره فان ترك الخير الكثير لاجل الشر القليل شر كثير كقطع العضو الذي فيه آكلة شر قليل وسلامة جميع البدن خير كثير فلو لم يقطع ذلك العضو سرت تلك الآفه الى جميع البدن وأدت الى الهلاك الذى هو شر كثير {قَالوا} استئناف كانه قيل فماذا قالت الملائكة حينئذ فقيل قالوا {اتجعل فيها} اى الارض {من يفسد فيها} كما افسدت الجن وفائدة تكرار الظرف تأكيد الاستبعاد {ويسفك الدماء} اى يصبها ظلما كما يسفك بنو الجان والتعبير عن القتل بسفك الدماء لما انه اقبح انواع القتل.
قال بعض العارفين الملائكة الذين نازعوا فى آدم ليسوا من اهل الجبروت ولا من اهل الملكوت السماوية فانهم لغلبة النورية عليهم واحاطتهم بالمراتب يعرفون شرف الانسان الكامل ورتبته عند الله وان لم يعرفوا حقيقته كما هى بل نازعت ملائكة الارض والجن والشياطين الذين غلبت عليهم الظلمة والنشأة الموجبة للحجاب وفى قوله تعالى {انى جاعل فى الارض خليفة} بتخصيص الارض بالذكر وان كان خليفة فى العالم كله فى الحقيقة هو ايماء ايضا بان ملائكة الارض هم الطاعنون اذا الظن لا يصدر الا ممن هو فى معرض ذلك المنصب واهل السموات مدبرات للعالم العلوى فما قالت الملائكة الارضية الا بمقضتى نشأتهم التى هم عليها من غبطة منصب الخلافة فى الارض والغيرة على منصب ملكهم وتعبدهم بما هم عليه من التسبيح والتقديس فكل اناء يترشح بما فيه واما الاعتراض على فعل الحكيم والنزاع فى صنعه عند حضرته فمعفو عنه لكمال حكمته واتقان صنعته: قال فى المثنوى

زانكه اين دمها اكر نالا يقست رحمت من بر غضب هم سابقست
ازبى اظهار اين سبق اى ملك درتو بنهم داعيه اشكال وشك
تا بكويى ونكيرم بر تومن منكر حلمم نيارد دم زدن
صد بدر صد مادر اندر حلم ما هر نفس زايد درافتد درفنا
حلم ايشان كف بحر حلم ماست كف رود آيد ولى دريا بجاست

وفى الفتوحات ان هاروت وماروت من الملائكة الذين نازعوا آدم ولاجل هذا ابتلاهما الله تعالى باظهار الفساد وسفك الدماء فافهم سر قوله عليه السلام "دع الشماتة عن اخيك فيعافيه الله تعالى ويبتليك" .
وايضا من تلك الملائكة الطاعنين بسفك الدماء الملائكة التى ارسلها الله تعالى نصرة للمجاهدين وسفك الدماء غيرة على دين الله وشرعه كذا فى حل الرموز وكشف الكنوز {ونحن} اى والحال انا {نسبح} اى ننزهك عن كل ما لا يليق بشأنك ملتبسين {بحمدك} على ما انعمت علينا من فنون النعم التى من جملتها توفيقنا لهذه العبادة فالتسبيح لاظهار صفات الجلال والحمد لتذكير صفات الانعام {ونقدس} تقديسا {لك} اى نصفك بما يليق بك من العلو والعزة وننزهك عما لا يليق بك فاللام للبيان كما فى سقيا لك متعلقة بمصدر محذوف ويجوز ان تكون مزيدة اى نقدسك. قال فى التيسير التسبيح نفى ما لا يليق به والتقديس اثبات ما يليق به.
وقال الشيخ داود القيصرى قدس سره التسبيح اعم من التقديس لانه تنزيه الحق عن نقائص الامكان والحدوث والتقديس تنزيهه عنها وعن الكمالات اللازمة للاكوان لانها من حيث اضافتها الى الاكوان تخرج عن اطلاقها وتقع فى نقائص التقييد انتهى وكانه قيل أتستخلف من شأن ذريته الفساد مع وجود من ليس من شانه ذلك اصلا والمقصود عرض احقيتهم منهم بالخلافة والاستفسار عما رجح بنى آدم عليهم ما هو متوقع منهم من الفساد وكأنه قيل فماذا قال الله تعالى حينئذ فقيل {قال} الله {انى اعلم ما لا تعلمون} من الحكمة والمصلحة باستخلاف آدم عليه السلام وان من ذريته الطائع والعاصى فيظهر الفضل والعدل فلا تعترضوا على حكمى وتقديرى ولا تستكشفوا عن غيبة تدبيرى فليس كل مخلوق يطلع على غيب الخالق ولا كل احد من الرعية يقف على سر الملك * وفى الآية تنبيه للسالك بان يتأدب بين يدى الحق تعالى وخلفائه والمشايخ والعلماء لئلا يظهر بالانانية واظهار العلم عندهم لانه سالك لطريق الفناء والفانى لا يكون كطاووس تعشق بنفسه واعجب بذاته بل لا يرى وجوده اصلا فقد وعظنا الله تعالى بزجر للملائكة بقوله {إِنِّى أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}: قال السعدى

نرود مرغ سوى دانه فراز جون دكرمرغ بيند اندربند
بند كير ازمصائب ديكران تانكيرند ديكران زتوبند

وفى التأويلات النجمية {واذ قال ربك للملائكة انى جاعل فى الارض خليفة} انما قال جاعل وما قال خالق لمعنيين.
احدهما ان الجاعلية اعم من الخالقية فان الجاعلية هى الخالقية وشئ آخر وهو ان يخلقه موصوفا بصفة الخلافة اذ ليس لكل احد هذا الاختصاص كما قال تعالى
{ يا داوود إنا جعلناك خليفة فى الأرض } [ص: 26] اى خلقناك مستعدا للخلافة فاعطيناكها.
والثانى ان للجعلية اختصاصا بعالم الامور وهو للملكوت وهو ضد عالم الخلق لانه هو عالم الاجسام والمحسوسات كما قال تعالى {ألاله الخلق والامر} اى الملك والملكوت فانه تعالى حيث ذكر ما هو مخصوص بعالم الامر ذكره بالجعلية لامتياز الامر عن الخلق كما قال تعالى
{ الحمد لله الذى خلق السموات والارض وجعل الظلمات والنور } [الأنعام: 1].
فالسموات والارض لما كانتا من الاجسام المحسوسات ذكرهما بالخلقية والنور من الملكوتيات لقوله تعالى {الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور} فيفيد انها من الملكوتيات لا من المحسوسات واما الظلمات والنور التى من المحسوسات فانها داخلة فى السموات والارض فافهم جدا فكذلك لما اخبر الله تعالى عن آدم بما يتعلق بجسمانيته ذكره بالخلقية كما قال
{ إنى خالق بشرا من طين } [ص: 71].
ولما اخبر عما يتعلق بروحانيته ذكره بالجعلية وقال {انى جاعل فى الارض خليفة} وفى انى جاعل اشارة اخرى وهو اظهار عزة آدم عليه السلام على الملائكة لينظروا اليه بنظر التعظيم ولا ينكروا عليه بما يظهر منه ومن اولاده من اوصاف البشرية فانه تعالى يقول ولذلك خلقهم وسماه خليفة وما شرف شيأ من الموجودات بهذه الخلقة والكرامة وانما سمى خليفة لمعنيين.
احدهما انه يخلف عن جميع المخلوقات ولا يخلفه المكونات باسرها وذلك لان الله جمع فيه ما فى العوالم كلها من الروحانيات والجسمانيات والسماويات والارضيات والدنيويات والاخرويات والجماديات والنباتيات والحيوانيات والملكوتيات فهو بالحقيقة خليفة كل واكرمه باختصاص كرامة ونخفت فيه من روحى وما اكرم بها احدا من العالمين واشار الى هذا المعنى بقوله تعالى
{ ولقد كرمنا بنى آدم } [الإِسراء: 70] فلهذا الاختصاص ما صلح الموجودات كلها ان تكون خليفة لآدم ولا للحق تعالى.
الثانى انه يخلف وينوب عن الله صورة ومعنى اما صورة فوجوده فى الظاهر يخلف عن وجود الحق فى الحقيقة لان وجود الانسان يدل على وجود موجده كالبناء يدل على وجود البانى ويخلف وحدانية الانسان عن وحدانية الحق وذاته عن ذاته وصفاته عن صفاته فيخلف حياته عن حياته وقدرته عن قدرته وارادته وسمعه عن سمعه وبصره عن بصره وكلامه عن كلامه وعلمه عن علمه ولا مكانية روحه عن لا مكانيته ولا جهتيه عن لا جهتيه فافهم ان شاء الله تعالى وليس لنوع من الملخوقات ان يخلف عنه كما يخلف آدم وان كان فيهم بعض هذه لانه لا يجتمع صفات الحق فى احد كما يجتمع فى الانسان ولا يتجلى صفة من صفاته لشئ كما يتجلى لمرآة قلب الانسان صفاته واما الحيوانات فانها وان كان لها بعض هذه الصفات ولكن ليس لها علم بوجود موجدها واما الملائكة فانهم وان كانوا عالمين بوجود موجدهم ولكن لا يبلغ حد علمهم الى ان يعرفوا انفسهم بجميع صفاتها ولا الحق بجميع صفاته ولذا قالوا
{ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا } [البقرة: 32].
وكان الانسان مخصوصا بمعرفة نفسه بالخلافة وبمعرفة جميع اسماء الله تعالى واما معنى فليس فى العالم مصباح يستضئ بنار نور الله فيظهر انوار صفاته فى الارض خلافة عنه الامصباح الانسان فانه مستعد لقبول فيض نور الله لانه اعطى مصباح السر فى زجاجة القلب والزجاجة فى مشكاة الجسد وفى زجاجة القلب زيت الروح يكاد زيتها يضئ من صفات العقل ولو لم تمسسه نار النور وفى مصباح السر فتيلة الخفاء فاذا اراد الله ان يجعل فى الارض خليفة يتجلى بنور جماله لمصباح السر الانسانى فيهدى لنوره فتيلة خفا من يشاء فيستتر مصباحه بنار نور الله فهو على نور من ربه فيكون خليفة الله فى ارضه فيظهر انوار صفاته فى هذا العالم بالعدل والاحسان والرأفة والرحمة لمستحقيها وبالعزة والقهر والغضب والانتقام لمستحقيها كما قال تعالى
{ يا داود إنا جعلناك خليفة فى الارض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله } [ ص: 26].
وقال لحبيبه عليه السلام
{ بالمؤمنين رؤوف رحيم } [التوبة: 128] وقال فى حقه وحق المؤمنين { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم } [الفتح: 29].
ولم يظهر هذه الصفات لا على الحيوان ولا على الملك وناهيك بحال هاروت وماروت لما انكرا على ذرية آدم من اتباع الهوى القتل والظلم والفساد وقالا لو كنا بدلا منهم خلفاء الارض ما كنا نفعل مثل ما يفعلون فالله تعالى انزلهما الى الارض والبسهما لباس البشرية وامرهما ان يحكما بين الناس بالحق ونهاهما عن الشرك والقتل بغير حق والزنى وشر الخمر.
قال قتادة فما مر عليهما شهر حتى افتتنا فشربا الخمر وسفكا الدم وزنيا وقتلا وسجدا للصنم فثبت ان الانسان مخصوص بالخلافة وقبول فيضان نور الله فلو كان للملائكة هذه الخصوصية لما افتتنا بهذه الاوصاف المذمومة الحيوانية والسبعية كما كان الانبياء عليهم السلام معصومين من مثل هذه الآفات والاخلاق وان كانت لازمة لصفاتهم البشرية ولكن بنور التجلى تنور مصباح قلوبهم واستتار بنور قلوبهم جميع مشكاة جسدهم ظاهرا وباطنا واشرقت الارض بنور ربها فلم يبق لظلمات هذه الصفات مجال الظهور مع استعلاء النور فالملائكة من بدو الامر لما نظروا الى جسد آدم شاهدوا ظلمات البشرية والحيوانية والسبعية فى ملكوت الجسد بالنظر الملكوتى الملكى ولم تكن تلك الصفات غائبة عن نظرهم {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} فقولهم هذا يدل على معان مختلفة. منها ان الله انطقهم بهذا القول ليتحقق لنا ان هذه الصفات الذميمة فى طينتنا مودعة وجبلتنا مركبة فلا نأمن من مكر أنفسنا الأمارة بالسوء ولا تعتمد عليها ولا نبرئها كما قال تعالى حكاية عن قول يوسف عليه السلام
{ وما أبرئ نفى إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى } [يوسف: 53].
ومنها لنعلم ان كل عمل صالح نعمله هو بتوفيق الله ايانا وفضله ورحمته وكل فساد وظلم نعمله هو من شؤم طبيعتنا وخاصية طينتنا كما قال تعالى
{ فما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } [النساء: 79].
وكل فساد وظلم لا يجرى علينا ولا يصدر منا فذلك من حفظ الحق وعصمة الرب لقوله
{ إلا ما رحم ربى } [يوسف: 53].
ومنها لنعلم ان الله تعالى من كمال فضله وكرمه قد قبلنا بالعبودية والخلافة وقال من حسن عنايته فى حقنا للملائكة المقربين {انى اعلم ما لا تعلمون} لكيلا نقنط من رحمته وننقطع عن خدمته. ومنها لنعلم ان فساد الاستعداد امر عظيم وبناء جسيم ومبنى الخلافة على الاستعداد والقابلية وليس للملائكة هذا الاستعداد والقابلية فلا نتغافل عن هذه السعادة ونسعى فى طلبها حق السعاية.
ومنها ان الملائكة انما قالوا {أتجعل فيها} الخ لانهم نظروا الى جسد آدم قبل نفخ الروح فشاهدوا بالنظر الملكى فى ملكوت جسده المخلوق من العناصر الاربعة المتضادة صفات البشرية والبهيمية والسبعية التى تتولد فى تركيب اضداد العناصر كما شاهدوها فى اجساد الحيوانات والسباع الضاريات بل عاينوها فانها خلقت قبل آدم فقاسوا عليها احواله بعد ان شاهدوها وحققوها وهذا لا يكون غيبا فى حقهم وانما يكون غيبا لنا لانا ننظر بالحس والملكوت يكون لاهل الحس غيبا ومنا من ينظر بالنظر الملكوتى فيشاهد الملائكة والملكوتيات بالنظر الروحانى كما قال تعالى
{ وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض } {الأنعام: 75] وقال { أو لم ينظروا فى ملكوت السموات والأرض } [الأعراف: 185].
فحينئذ لا يكون غيبا فالغيب ما غاب عنك وما شاهدته فهو شهادة فالملكوت للملائكة شهادة والحضرة الالهية لهم غيب وليس لهم الترقى الى تلك الحضرة وان فى الانسان صورة من عالم الشهادة المحسوسة وروحا من عالم الغيب الملكوتى غير المحسوس وسرا مستعدا لقبول فيض الانوار الالهية فبالتربية يترقى من عالم الشهادة الى عالم الغيب وهو الملكوت وبسر المتابعة وخصوصيتها يترقى من عالم الملكوت الى عالم الجبروت والعظموت وهو غيب الغيب ويشاهد بنور الله المستفاد من سر المتابعة انوار الجمال والجلال فيكون فى خلافة الحق عالما للغيب والشهادة كما ان الله تعالى
{ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه } [الجن: 26] اى الغيب المخصوص به وهو غيب الغيب { أحدا } [الجن: 26].
يعنى من الملائكة {الا من ارتضى من رسول} يعنى من الانسان فهذا هو السر المكنون المركوز فى استعداد الانسان الذى كان الله يعلم منه والملائكة لا يعلمونه كما قال تعالى {انى اعلم ما لا تعلمون} * ومنها ان الملائكة لما نظروا الى كثرة طاعتهم واستعداد عصمتهم ونظروا الى نتائج الصفات النفسانية استعظموا انفسهم واستصغروا آدم وذريته فقالوا {أتجعل فيها} يعنى فى الارض {خليفة} مع انه {يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} يعنى نحن لهذه الاوصاف احق بالخلافة منه كما قال بنو اسرائيل حين بعث الله لهم {طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن احق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال} فاجابهم الله تعالى بان استحقاق الملك ليس بالمال انما هو بالاصطفاء والبسطة فى العلم والجسم فقال
{ إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة فى العلم والجسم والله يؤتى ملكه من يشاء } [البقرة: 247] فكذلك هنا اجابهم الله تعالى بقوله {انى اعلم ما لا تعلمون} اجمالا ثم فصله بقوله {ان الله اصطفى آدم} وبقوله ى{وعلم آدم الاسماء كلها} وبقوله { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى } [ص: 75] ليعلموا ان استعداد ملك الخلافة واستحقاقها ليس بكثرة الطاعات ولكنه مالك الملك يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء فلما تفاخر الملائكة بطاعتهم على آدم من الله تعالى على آدم بعلم الاسماء ليعلموا انهم ولو كانوا اهل الطاعة والخدمة فانه اهل العقل والمنة واين اهل الخدمة من اهل المنة فبتفاخرهم على آدم صاروا ساجدين له ليعلموا ان الحق تعالى مستغن عن طاعتهم وبمنته على آدم صار مسجودا لهم ليعلموا ان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء وفى قوله {انى اعلم ما لا تعلمون} اشارة اخرى الى انه كما يدل عى ان لآدم فضائل لا يعلمها الملائكة فكذلك له رذائل واوصاف مذمومة لا يعلمها الملائكة لانهم لا يعلمون منه اوصافا مذمومة هى من نتائج قالبه مشتركة مع الحيوانات مودعة فى ملكوته غير اوصاف مذمومة تكون من نتائج النفس الامارة عند تتتابع نظر الروح الى النفس حالة عدم استعمال الشرع من العجب والرياء والسمعة والحسد واشتراء الحياة الدنيا بالآخرة والابتداع والزيغوغة واعتقاد السوء وغير ذلك مما لا يشاركه الحيوانات فيه انتهى ما فى التأويلات {وعلم آدم الاسماء كلها} قال وهب بن منبه لما اراد الله ان يخلق آدم اوحى الى الارض اى افهمها وألهمها انى جاعل منك خليفة فمنهم من يطيعنى فادخله الجنة ومنهم من يعصينى فادخله النار فقالت الارض منى تخلق خلقا يكون للنار قال نعم فبكت فانفجرت منها العيون الى يوم القيامة وبعث اليها جبريل عليه السلام ليأتيه بقبضة من زواياها الاربع من اسودها وابيضها واحمرها واطيبها واخبثها وسهلها وصعبها وجبلها فلما اتاها جبريل ليقبض منها قالت الارض بالله الذى ارسلك لا تأخذ منى شيأ فان منافع التقرب الى السلطان كثيرة ولكن فيه خطر عظيم كما قيل

بدريا در منافع بيشمارست اكرخواهى سلامت دركنارست

فرجع جبريل عليه السلام الى مكانه ولم يأخذ منها شيأ فقال يا رب حلفتنى الارض باسمك العظيم فكرهت ان اقدم عليها فارسل الله ميكائيل عليه السلام فلما انتهى اليها قالت الارض له كما قالت لجبريل فرجع ميكائيل فقال كما قال جبريل فارسل الله اسرافيل عليه السلام وجاء ولم يأخذ منها شيأ وقال مثل ما قال جبريل وميكائيل فارسل الله ملك الموت فلما انتهى قالت الارض اعوذ بعزة الله الذى ارسلك ان تقبض منى اليوم قبضة يكون للنار فيها نصيب غدا فقال ملك الموت وانا اعوذ بعزته ان اعصى له امرا فقبض قبضة من وجه الارض مقدار اربعين ذراعا من زواياها الاربع فلذلك يأتى بنوه اخيافا اى مختلفين على حسب اختلاف ألوان الارض واوصافها فمنهم الابيض والاسود والاحمر واللين والغليظ فصار كل ذرة من تلك القبضة اصل بدن للانسان فاذا مات يدفن فى الموضع الذى اخذت منه ثم صعد الى السماء فقال الله له أما رحمت الارض حين تضرعت اليك فقال رأيت امرك اوجب من قولها فقال انت تصلح لقبض ارواح ولده.
قال فى روضة العلماء فشكت الارض الى الله تعالى وقالت يا رب نقص منى قال الله على ان ارد اليك احسن واطيب مما كان فمن ثمه يحنط الميت بالمسك والغالية انتهى.
فامر الله تعالى عزرائيل فوضع ما اخذ من الارض فى وادى نعمان بين مكة والطائف بعدما جعل نصف تلك القبضة فى النار ونصفها فى الجنة فتركها الى ما شاء الله ثم اخرجها ثم امطر عليها من سحاب الكرم فجعلها طينا لازبا وصور منه جسد آدم. واختلفوا فى خلقة آدم عليه السلام فقيل خلق فى سماء الدنيا وقيل فى جنة من جنات الارض بغر بيتها كالجنة التى يخرج منها النيل وغيره من الانهار واكثر المفسرين انه خلق فى جنة عدن ومنها اخرج كما فى كشف الكنوز وفى الحديث القدسى
"خمرت طينة آدم بيدى اربعين صباحا" .
يعنى اربعين يوما كل يوم منه الف عام من اعوام الدنيا فتركه اربعين سنة حتى يبس وصار صلصالا وهو الطين المصوت من غاية يبسه كالفخار فامطرعليه مطر الحزن تسعا وثلاثين سنة ثم امطر عليه مطر السرور سنة واحدة فلذلك كثرت الهموم فى بنى آدم ولكن يصير عاقبتها الى الفرح كما قيل ان لكل بداية نهاية وان مع العسر يسرا

ان مع العسر جو يسرش قفاست شاد برانم كه كلام خداست

وكانت الملائكة يمرون عليه ويتعجبون من حسن صورته وطول قامته لان طوله كان خمسمائة ذراع الله اعلم بأى ذراع وكان رأسه يمس السماء ولم كونوا رأوا قبل ذلك صورة تشابهها فمر به ابليس فرآه ثم قال لامر ما خلقت ثم ضربه بيده فاذا هو اجوف فدخل فيه وخرج من دبره وقال لاصحابه الذي معه من الملائكة هذا خلق اجوف لا يثبت ولا يتماسك ثم قال لهم ارأيتم ان فضل هذا عليكم ما انتهم فاعلون قالوا نطيع ربنا فقال ابليس فى نفسه والله لا اطيعه ان فضل على ولئن فضلت عليه لأهلكنه

عاقبت كرك زاده كرك شنود

وجمع بزاقه فى فمه وألقاه عليه فوقع بزاق الِلعين على موضع سرة آدم عليه السلام فامر الله جبريل فقور بزاق اللعين من بطن آدم فخفرة السرة من ثقوير جبريل وخلق الله من تلك القوارة كلبا وللكلب ثلاث خصال فانسه بآدم لكونه من طينه وطول سهره فى الليالى من أثر مس جبريل عليه السلام وعضه الانسان وغيره وأذاه من غير خيانة من اثر بزاق اللعين وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة وسمى بآدم لكونه من أديم الارض لانه مؤلف من أنواع ترابها ولما أراد الله ان ينفخ فيه الروح امره ان يدخل فيه فقال الروح موضع بعيد القعر مظلم المدخل فقال له ثانيا ادخل فقال كذلك فقال له ثالثا فقال كذلك فقال أدخُل كرها اى بلا رضى واخرج كرها ولذا لا يخرج الروح من البدن الا كرها فلما نفخه فيه مار فى رأس آدم وجبينه واذنيه ولسانه ثم مار فى جسده كله حتى بلغ قدميه فلم يجد منفذا فرجع منخريه فعطس فقال له ربه قل الحمد لله رب العالمين فقالها آدم فقال يرحمك الله ولذا خلقتك يا آدم فلما انتهى الى ركبيته اراد الوثوب فلم يقدر فلما بلغ قدميه وثبت فقال تعالى وخلق الانسان عجولا فصار بشر لحما ودما وعظاما وعصبا واحشاء ثم كساه لباسا من ظفر يزداد جسده فى كل يوم وهو فى ذلك منتطق متوج وجعل فى جسده تسعة ابواب سبعة فى رأسه اذنين يسمع بهما وعينين يبصر بهما ومنخرين يجد بهما كل رائحة وفما فيه لسان يتكلم به وحنك يجد به طعم كل شئ وبابين فى جسده وهما قبله ودبره يخرج منهما ثقل طعامه وشرابه وجعل عقله فى دماغه وشرهه فى كليتيه وغضبه فى كبده وشجاعته فى قلبه ورغبته فى رئته وضحكه فى طحاله وفرحه وحزنه فى وجهه فسبحان من جعله يسمع بعظم ويبصر بشحم وينطق بلحم ويعرف بدم فلما سواه ونفخ فيه من روحه علمه اسماء الاشياء كلها اى ألهمه فوقع فى قلبه فجرى على لسانه فما فى قلبه بتسمية الاشياء من عنده فعلمه جميع اسماء المسميات بكل اللغات بان اراد الاجناس التى خلقها وعلمه ان هذه اسمه فرس وهذا اسمه بعير وهذا اسمه كذا وعلمه احوالها وما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية وعلمه اسماء الملائكة واسماء ذريته كلهم واسماء الحيوانات والجمادات وصنعة كل شئ وأسماء المدن والقرى واسماء الطير والشجر وما يكون وكل نسمة يخلقها الى يوم القيامة واسماء المطعومات والمشروبات وكل نعيم فى الجنة واسماء كل شئ حتى القصعة والقصيعة وحتى الجنة والمحلب.
قال فى كشف الكنوز اتفق جم غفير من اهل العلم على ان الاسماء كلها توقيفية من الله تعالى بمعنى ان الله تعالى خلق لآدم علما ضروريا بمعرفة الالفاظ والمعانى وان هذه الاللاظ موضوعة لتلك المعانى.
وفى الخبر لما خلق الله آدم بث فيه اسرار الأحرف ولم يبث فى احد من الملائكة فخرجت الاحرف على لسان آدم بفنون اللغات فجعلها الله صورا له ومثلت له بانواع الاشكال.
وفى الخبرعلمه سبعمائة الف لغة فلما وقع فى اكل الشجرة سلب اللغات الا العربية فلما اصطفاه بالنبوة رد الله عليه جميع اللغات فكان من معجزاته تكلمه بجميع اللغات المختلفة التى يتكلم بها اولاده الى يوم القيامة من العربية والفارسية والرومية والسريانية واليونانية والعبرانية والزنجية وغيرها.
قال بعض المفسرين علم الله آدم آألف حرفة من المكاسب ثم قال قل لاولادك ان اردتم الدنيا فاطلبوها بهذه الحرف ولا تطلبوها بالدين واحكام الشرائع وكان آدم حراثاً اى زراعاً ونوح نجارا وادريس خياطا وصالح تاجرا وداود زرادا وسليمان كان يعمل الزنبيل فى سلطنته ويأكل من ثمنه ولا يأكل من بيت المال وكان موسى وشعيب ومحمد رعاة وكان اكثر عمله صلى الله تعالى عليه وسلم فى البيت الخياطة.
وفى الحديث
"عمل الابرار من الرجال الخياطة وعمل الابرار من النساء الغزل" كذا فى روضة الاخيار.
وقال العلماء الاسماء فى قوله تعالى {وعلم آدم الاسماء} تقتضى الاستغراق واقتران قوله كلها يوجب الشمول فكما علمه اسماء المخلوقات علمه اسماء الحق تعالى فاذا كان تخصيصه بمعرفة اسماء المخلوقات يقتضى ان يصح سجود الملائكة له فما الظن بتخصيصه بمعرفة اسماء الحق وما الذى يوجب له
{ ثم عرضهم على الملائكة } [البقرة: 31] اى عرضها اى المسميات وانما ذكر الضمير لان فى المسميات العقلاء فغلبهم والعرض اظهار الشئ للغير ليعرف العارض منه حاله.
وفى الحديث
"انه عرضهم امثال الذر" ولعله عز وجل عرض عليهم من افراد كل نوع ما يصلح ان يكون انموذجا يتعرف منه احوال البقية واحكامها والحكمة فى التعليم والعرض تشريف آدم واصطفاؤه واظهاره الاسرار والعلوم المكنونة فى غيب علمه تعالى على لسان من يشاء من عباده وهو المعلم المكرم آدم الصفى كيلا يحتج الملك وغيره بعلمه ومعرفته وذلك رحمة الله التى وسعت كل شئ {فقال} الله عز وجل تبكيتا وتعجيزا للملائكة وخطاب التعجيز جائز وهو الامر باتيان الشئ ولم يكن اتيانه مرادا ليظهر عجز المخاطب وان كان ذلك محالا كالامر باحياء الصورة التى يفعلها المصورون يوم القيامة ليظهر عجزهم ويحصل لهم الندم ولا ينفعهم الندم {انبئونى} اى اخبرونى {باسماء هؤلاء} الموجودات {ان كنتم صادقين} فى زعمكم انكم احقاء بالخلافة ممن استخلفته كما ينبئ عنه مقالكم.
ويقال هذه الآية دليل عى ان اولى الاشياء بعد علم التوحيد تعلم علم اللغة لانه تعالى أراهم فضل آدم بعلم اللغه.
ودلت ايضا ان المدعى يطالب بالحجة فان الملائكة ادعوا الفضل فطولبوا بالبرهان وبحثوا عن الغيب فقرعوا بالعيان اى لا تعلمون اسماء ما تعاينون فكيف تتكلمون فى فساد من لا تعاينون فيا ارباب الدعاوى اين المعانى ويا ارباب المعرفة اين المحبة ويا ارباب المحبة اين الطاعة.
قال ابو بكر الواسطى من المحال ان يعرفه العبد ثم لا يحبه ومن المحال ان يحبه ثم لا يذكره ومن المحال ان يذكره ثم لا يجد حلاوة ذكره ومن المحال ان يجد حلاوة ذكره ثم يشتغل بغيره.