التفاسير

< >
عرض

وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ
٣٩
-البقرة

روح البيان في تفسير القرآن

{والذين كفرو} عطف على من تبع الخ قسيم له كانه قيل ومن لم يتبعه الخ وانما اوثر عليه ما ذكر تفظيعا لحال الضلالة واظهارا لكمال قبحها وايراد الموصول بصيغة الجمع للاشعار بكثرة الكفرة اى والذين كفروا برسلنا المرسلة اليهم {وكذبوا بآياتنا} المنزلة عليهم او كفروا بالآيات جنانا وكذبوا بها لسانا {اولئك} اشارة الى الموصول باعتبار اتصافه بما فى حيز الصلة من الكفر والتكذيب {اصحاب النار} ملازموها وملابسوها بحيث لا يفارقونها.
وفى الصحبة معنى الوصلة فسموا اصحابها لاتصالهم بها وبقائهم فيها فكأنهم ملكوها فصاروا اصحابها{هم فيها} اى فى النار {خالدون} دائمون والجملة فى حيز النصب على الحالية ففى هايتن الآيتين دلالة على ان الجنة فى جهة عالية دل عليه قوله تعالى {اهبطوا منها} وان متبع الهدى مأمون العاقبة لقوله تعالى
{ فلا خوف } [البقرة: 38] الخ وان عذاب النار دائم والكافر فيه مخلد وان غيره لا يخلد فيه بمفهوم قوله تعالى {هم فيها خالدون} فانه يفيد الحصر.
واعلم ان الشرف فى اتباع الهدى كما قيل

سك اسحاب كهف روزى جند بى نيكان كرفت مردم شد

فالمؤمن بين ان يطيع الله فيثيبه بالنعيم وبين ان يعصيه فيعاقبه بالجحيم ومن العجب ان الجمادات وغير المكلفين من العباد يخافون عذاب الله ويقومون بحقوق الله ولا يخافه المكلفون كما روى عن مالك بن ديناررحمه الله انه مر يوما على صبى وهو يلعب بالتراب يضحك تارة ويبكى اخرى قال فهممت ان اسلم عيله فامتنعت نفسى تكبرا فقلت يا نفس كان النبى صلى الله عليه وسلم يسلم على الصغار والكبار فسلمت عليه فقال وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا مالك ابن دينار فقلت من اين عرفتنى ولم تكن رأيتنى فقال حيث التقت روحى بروحك فى عالم الملكوت عرف بينى وبينك الحى الذى لا يموت فقلت ما الفرق بين العقل والنفس قال نفسك التى منعتك عن السلام وعقلك الذى بعثك عليه فقلت ما بالك تلعب بهذا التراب فقال لانا منه خلقنا واليه نعود فقلت اراك تضحك تارة وتبكى اخرى قال نعم اذا ذكرت عذاب ربى بكيت واذا ذكرت رحمته ضحكت فقلت يا ولدى أى ذنب لك حتى تبكى فقال يا مالك لا تقل هذا فانى رأيت امى لا توقد الحطب الكبار الا ومعه الحطب الصغار: قال فى المثنوى

طفل يك روزه همى داند طريق كه بكيرم تارسد دايه شفيق
تو نمى دانى كه دايه دايكان كم دهد بى كريه شير او رايكان
كفت فليبكوا كثيرا كوش دار تار بريزد شير فضل كردكار

والاشارة فى تحقيق الآيتين ان الله تعالى لما ابتلى آدم بالهبوط الى الارض بشره بان الهامه وويحه لا ينقطع عنه ولا ينقطع عن ذريته هداه بواسطة انبيائه ووحيه وانزال كتبه فاما يأتينكم منى هدى فمن اتاه منهم هدى من الهامى ووحيى ورسولى وكتابى فمن تبع هدى كما تبعه آدم بالتوبة والنوح والبكاء والاستغفار وتربية بذر المحبة بالطاعة والعبودية حتى تثمر التوحيد والمعرفة فلا خوف عليهم فى المستقبل من وبال افساد بذر المحبة من طينة الصفات الحيوانية والسبعية وابطال استعداد السعادة الابدية باستيفاء التمتعات الدنيوية ولا هم يحزنون على هبوطهم الى الارض لترية بذر المحبة اذهم رجعوا بتبع الهداية وجذبات العناية الى اعلى ذروة حظائر القدس كما قال تعالى { وإن إلى ربك الرجعى } [العلق: 8].
ثم ذكر من كفر بهداه وجعل النار مثواه فقال{والذين كفروا} اى ستروا بذر المحبة بتعلقات الشهوات النفسانية وظلموا على انفسهم بتكذيب الآيات البينات من الجهالة الانسانية حتى افسدوا الاستعداد الفطرى وكذبوا بآياتنا اى معجزات انبيائنا وكتبنا وما انزلنا على الانبياء بالوحى والالهام والرشد فى تربية بذر المبحة وتثمير الشجرة الانسانية بثمار التوحيد والمعرفة والبلوغ الى درجات القربات ونعيم الجنات والغرفات اولئك اصحاب نار جهنم ونار القطيعة {هم فيها خالدون} لانهم خلدوا فى ارض الطبيعة واتبعوا اهواءهم فما نبت بذر محبتهم بماء الشريعة فبقوا بافساد استعدادهم فى دركات الجحيم وخسران النعيم خالدين مخلدين.